سارع المسعف صالح يوسف معمر، كعادته ، لتلبية نداء استغاثة بطلب سيارة إسعاف، لحي الجنينة الذي يعيش فيه شرقي مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، دون أن يعلم بأنه متوجه هذه المرة، لنقل جثامين أشقائه الثلاثة، الذين استشهدوا، جراء الغارة الإسرائيلية التي تم إخباره بها، دون تحديد ماهية المكان المستهدف.
وما إن وصل المسعف معمر على جناح السرعة كعادته، مع انتصاف الليل الحالك، في إحدى ليالي العدوان السوداء على قطاع غزة لمكان القصف، وجده نفسه في منزل عائلته، وقد أدى القصف لاستشهاد أشقائه الثلاثة (محمد 30 عامًا، حمزة 24 عامًا، أنس 17 عامًا)، إضافة إلى إصابة عدد آخر منهم من فضلاً عن الأضرار الجسيمة، جراء القصف.
ولم يتمالك معمر نفسه أمام هول المشهد، الذي شكل له صدمة كبيرة، فلم يتوقع يومًا بحياته أثناء عمله في مهنة الموت، بأنه سيذهب ويجد عائلته المستهدفة، وليست مصابة أو لحق بها ضرر طفيف، بل مزق أجسادها صاروخ إسرائيلي، وتناثرت قطع لحمهم بكل مكان.
انهار المسعف باكيًا، على الرغم من كثرة رؤيته للشهداء والجرحى خلال العدوان، والتي جعلت من قلبه وقلب كثيرًا من الزملاء متحجرة وقاسية، تتحمل أي مشهد، لكن لم تجردها من طبيعتها الإنسانية، التي جعلت منه "كالطفل الباكي" عندما شاهد أشقائه مدرجين بدمائهم ومقطعين أشلاءًا.
ولم يستطع معمر أن يحرك قدماه ويداه، ليُمسك بأجساد اشقائه كي ينقلهم لسيارة الإسعاف، وبعد دقائق تمالك نفسه، وسنده زملائه، وحمل أشلاء أشقائه الثلاثة إلى سيارة الإسعاف، وكان شقيقه أنس ما يزال على قيد الحياة، ونقله مسرعًا وهو يبكي إلى مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار.
واختلطت مشاعر المسعف معمر بين الحزن على فراق شقيقيه محمد وحمزة، والأمل ببقاء شقيقه أنس على قيد الحياة، لكن قدر الله غالب، فبعد نحو عشرة دقائق أعلن عن استشهاده، ليلتحق بشقيقيه، فأعتصر ألمًا ولم يتمالك نفسه من شدة البكاء وألم الفراق على أشقائه.
ويقول المسعف معمر لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "لم أكن أتوقع يومًا، أن سيارة الإسعاف التي أقودها منذ سنوات، وتحمل الشهداء والجرحى والمرضى بكل لحظة، خاصة خلال الحرب، من مختلف العائلات، أن تحمل جثامين أشقائي، فهذا مؤلم وليس بالبسيط".
ويضيف "صحيح قلوبنا قست، لكن إنسانيتها ما زالت، ونشعر ونتألم لكل ما نشاهده، ونخاطر بحياتنا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن عندما نتفاجئ بأن الشهداء، هم من عائلاتنا، فهذا ليس سهلاً، فكل شهيد نراه وننقله قلوبنا تنفطر عليه، لكن نبقى نواصل عملنا، فلو استسلمنا لكل مشهد لما واصلنا عملنا".
وليوسف معمر والد الشهداء، مشاعر تختلف عن نجله، خاصة وأن مشاعر الأب تجاه الابن ذات طابع آخر، ويقول":شكل استشهادهم صدمة كبيرة لنا(..) فأفطرت معهم على مائدة واحدة، وصلينا التراويح سويتًا، وضحكنا كثيرًا، رغم ما كنا نمر به من عدوان، خلال أيام شهر رمضان المبارك".
ويتابع باكيًا "لم أكن أعلم بأن هذا اللقاء هو الأخير بيني وبين أبنائي، فما هي سوى سويعات، حتى استشهدوا، فكانوا أخوة وأصدقاء بآن واحد، ولم يضايقوني في أي لحظة بارين بوالديهما، أخلاقهم حسنة وسمعتهم طيبة بين كل أصدقائهم والكل يشيد بذلك ويحبهم، لدرجة أن أحد أصدقائهم أغمي عليه لحظة سماعه للخبر من شدة حبه لهم".
واستشهد خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة أكثر من 2200 فلسطيني، وأصيب أكثر من 11 ألف آخرون، فيما دُمرت عشرات آلاف الوحدات السكنية، أثناء العدوان الذي بدأ في السابع من يوليو الماضي واستمر لـ51 يومًا.
