حوار اشتية: الانتخابات لاستعادة الشرعية بعد إقصاء السلطة عن غزة.. و«الإصلاح» الأميركي-الإسرائيلي يتجاوز الإدارة إلى تنازلات سياسية

د. محمد اشتية.jpg

وضع رئيس الوزراء الفلسطيني السابق وعضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" د. محمد اشتية، الانتخابات الفلسطينية المرتقبة في قلب معركة سياسية تتجاوز التنافس على مقاعد المجلس التشريعي، معتبراً أنها تمثل محاولة لاستعادة التفويض الشعبي وإعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، في وقت قال فيه إن السلطة الفلسطينية "أُزيحت" عملياً عن إدارة قطاع غزة، محذراً من تكريس واقع سياسي وإداري منفصل للقطاع.

وفي مقابلة موسعة رصدتها "وكالة قدس نت للأنباء" ضمن "بودكاست انتخابات" عبر راديو "بسمة" مع الإعلامي مصطفى قبلاوي، فتح اشتية مجموعة من أكثر الملفات الفلسطينية حساسية، من مستقبل غزة وقرار مجلس الأمن 2803، إلى الانتخابات التشريعية المقررة في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر، وأزمة الثقة بين المؤسسات الرسمية والشارع، ومفهوم الإصلاح، ومستقبل حركة فتح، وصولاً إلى مصير اتفاق أوسلو والعلاقة الاقتصادية مع إسرائيل.

واشتية، الذي شغل رئاسة الحكومة الفلسطينية بين عامي 2019 و2024، يشغل حالياً عضوية اللجنة المركزية لحركة فتح، وكان قد وصف في تصريحات سابقة الانتخابات المقبلة بأنها "استحقاق وطني وقانوني وسياسي".

وقال اشتية إن الذهاب إلى الانتخابات في الظروف الحالية لا يرتبط، من وجهة نظره، بوجود تحسن اقتصادي أو سياسي، بل يأتي تحديداً بسبب عمق الأزمة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني.

وأوضح أن السلطة تواجه أزمة مالية حادة، وأفقاً سياسياً مغلقاً، وصعوبة في تقديم الخدمات والمساعدات المطلوبة، إلا أنه رأى أن الانتخابات في هذه المرحلة تحمل وظيفة سياسية تتعلق بتجديد التفويض الشعبي والمؤسساتي.

وقال: "هذه الانتخابات ليست مطلبية أو معيشية"، معتبراً أنها استحقاق سياسي وقانوني ووطني يتيح للفلسطينيين إعادة بناء شرعية مؤسساتهم من خلال صناديق الاقتراع.

وكان الرئيس محمود عباس أصدر في 9 تموز/ يوليو الماضي مرسوماً حدد 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026 موعداً للانتخابات التشريعية في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، على أن تحدد الانتخابات الرئاسية للربع الأول من عام 2027. وأكدت لجنة الانتخابات المركزية بدء تنفيذ الجدول الزمني للعملية، وحددت الفترة من 26 أيلول/ سبتمبر حتى 7 تشرين الأول/ أكتوبر لتقديم طلبات الترشح.

غزة في قلب أزمة الشرعية

وحضر مستقبل قطاع غزة بقوة في حديث اشتية، الذي قال إن السلطة الفلسطينية "تم إزاحتها من غزة كاملاً"، مضيفاً أنها لم تتمكن خلال الحرب من ممارسة دور مباشر داخل القطاع، وأن محاولات إرسال مساعدات وأدوية واجهت قيوداً حالت دون وصولها.

وربط اشتية هذا الواقع بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 لعام 2025، الذي أنشأ إطاراً انتقالياً لإدارة قطاع غزة ورحب بتشكيل "مجلس السلام" وآلية إدارة فلسطينية تكنوقراطية مؤقتة.

ووصف اشتية القرار بأنه أدى، وفق قراءته السياسية، إلى إقصاء السلطة الفلسطينية عن الإدارة الحالية للقطاع وخلق بنية منفصلة لإدارته، معتبراً أن ذلك يهدد بتكريس وجود سلطتين ونظامين إداريين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

غير أن نص قرار مجلس الأمن لا ينص على استبعاد دائم للسلطة الفلسطينية، بل يحدد "مجلس السلام" كإدارة انتقالية ويشير إلى إمكانية استعادة السلطة السيطرة على غزة بعد استكمال برنامج إصلاحها وتقدم عملية إعادة الإعمار. كما ينص على إدارة يومية مؤقتة من خلال لجنة فلسطينية تكنوقراطية.

ومن هنا، قدم اشتية الانتخابات باعتبارها، في رؤيته، وسيلة سياسية لمواجهة هذا المسار، قائلاً إن وجود مجلس تشريعي منتخب يمثل الفلسطينيين في الضفة وغزة، يتبعه انتخاب رئيس، يمنح القيادة الفلسطينية أساساً شعبياً للاعتراض على أي صيغة تفصل القطاع عن النظام السياسي الفلسطيني.

وشدد على أن غزة، بصرف النظر عن شكل الإدارة الانتقالية المفروضة عليها، "جزء لا يتجزأ" من الجغرافيا والنظام السياسي والاجتماعي الفلسطيني.

"الإصلاح".. خلاف على التعريف

وفي واحدة من أكثر نقاط المقابلة نقداً، رفض اشتية مساواة مفهوم الإصلاح الفلسطيني بالشروط السياسية التي قال إن الولايات المتحدة وإسرائيل تضعانها أمام السلطة.

وأكد أن المؤسسة الفلسطينية بحاجة فعلاً إلى إصلاح واسع، يشمل تحسين أداء المؤسسات، وتجديد الشرعيات، وإجراء الانتخابات، وردم الهوة بين القيادة والشارع، لكنه قال إن بعض المطالب الخارجية التي تدرج تحت عنوان "الإصلاح" لا تتعلق، برأيه، بكفاءة المؤسسات بقدر ارتباطها بمواقف سياسية فلسطينية أساسية.

وأشار في هذا السياق إلى قضايا المناهج التعليمية والتحركات القانونية الدولية وموقف الفلسطينيين من القدس وحق العودة، معتبراً أن إدخال هذه القضايا ضمن شروط الإصلاح يحول المفهوم من عملية تطوير للمؤسسات إلى وسيلة لطلب تنازلات سياسية.

ونص قرار مجلس الأمن 2803 بالفعل على عودة السلطة لإدارة غزة بعد إتمام "برنامج إصلاح" أشار القرار إلى عدد من الأطر والمقترحات المرتبطة به، وهو ما جعل ملف الإصلاح جزءاً مباشراً من الجدل السياسي بشأن مستقبل القطاع.

وقال اشتية إن المطلوب فلسطينياً هو "مؤسسة فاعلة قادرة على خدمة الناس وتعزيز صمودهم"، إلى جانب انتخابات تعيد تجديد المؤسسات وتقليص الفجوة المتراكمة مع الجمهور.

هل يمكن أن تجري الانتخابات فعلاً؟

ورغم دفاعه القوي عن إجراء الانتخابات، لم يقلل اشتية من حجم العقبات التي قد تواجهها، وخصوصاً في قطاع غزة والقدس.

وقال إن الفلسطينيين "ليسوا اللاعب الرئيسي" في تحديد البيئة التي ستجرى فيها الانتخابات، مشيراً إلى احتمال أن تمنع إسرائيل دخول لجنة الانتخابات أو مستلزمات العملية الانتخابية إلى غزة، أو أن تعرقل الاقتراع في القدس.

وأكد أن القيادة، بحسب قوله، ستواصل الإجراءات حتى النهاية ولن تكون هي الجهة التي تعلن عدم إمكانية تنظيم الانتخابات، معتبراً أن لجنة الانتخابات المركزية، بوصفها جهة مستقلة ومختصة، هي صاحبة التقييم الفني والقانوني بشأن إمكانية إتمام الاقتراع.

وتحدث اشتية عن حلول فنية يجري التفكير فيها، من بينها تسهيل مشاركة الفلسطينيين في غزة والقدس وتجاوز المشكلات التي أحدثها النزوح الواسع وغياب العناوين الثابتة في القطاع.

وقال إن موقف حركة فتح هو الاستمرار في التحضير للانتخابات، مشيراً إلى عقد لقاءات موسعة في محافظات الضفة الغربية وإجراء تحضيرات مشابهة في قطاع غزة.

وفي المقابل، كشف اشتية أن فتح تلقت مواقف من قوى سياسية تطالب بتأجيل الانتخابات، وقال إن الجبهة الشعبية قدمت مقترحاً لتأجيلها لعامين وإن اتصالات وردت من حركة حماس بشأن التأجيل.

وكانت تقارير فلسطينية قد تحدثت بالفعل في آب/ أغسطس عن مبادرة قدمتها الجبهة الشعبية تتضمن تأجيل الانتخابات لعامين ضمن خريطة طريق سياسية أشمل، فيما نقلت تقارير أخرى لاحقاً عن قيادي في الجبهة نفيه أن تكون الجبهة قد دعت إلى التأجيل بهذا الشكل، ما يعكس وجود روايات مختلفة حول مضمون المقترح.

انتقاد للحكومة وفجوة مع الشارع

ولم يقتصر نقد اشتية على العوامل الخارجية، إذ أقر بوجود فجوة داخلية بين المؤسسات الفلسطينية والجمهور، ووجه انتقاداً ضمنياً إلى طريقة تواصل الحكومة الحالية مع الفلسطينيين خلال الأزمات الاقتصادية والخدمية.

ورداً على سؤال بشأن غياب المسؤولين عن مخاطبة الجمهور خلال أزمات المحروقات والرواتب والخدمات، قال اشتية إنه لو كان على رأس الحكومة لكان يتحدث بصورة مباشرة ومنتظمة مع الناس، كما كان يفعل خلال فترة رئاسته للحكومة.

وأوضح أنه لا يتدخل مباشرة في عمل الحكومة الحالية أو مع رئيسها حتى لا يُفهم تدخله بطريقة خاطئة، لكنه قال إنه يناقش القضايا العامة مع الرئيس محمود عباس بصفته عضواً في اللجنة المركزية لحركة فتح.

ورأى أن الأزمة الفلسطينية لا يمكن اختزالها في نقص الأموال، وأن إعادة بناء الثقة تحتاج أيضاً إلى حضور سياسي ومؤسساتي بين الناس والاستماع إلى مخاوفهم ومطالبهم.

وقال إن الفلسطينيين "عندهم أسئلة وليس لديهم إجابات"، معتبراً أن مهمة القيادة والمؤسسات السياسية في المرحلة المقبلة يجب أن تشمل إعادة الأمل والثقة إلى الشارع، وليس الاكتفاء بإدارة الأزمات اليومية.

فتح بين السلطة والوظيفة الوطنية

ورد اشتية على سؤال مباشر حول ما إذا كانت حركة فتح تحولت إلى حركة وظيفتها الأساسية حماية السلطة ومؤسساتها، رافضاً هذا التوصيف.

وقال إن التحدي أمام فتح يتمثل، وفق رؤيته، في منع السلطة من إعادة تشكيل الحركة باعتبارها إطاراً للموظفين، والعمل بدلاً من ذلك على أن تعيد الحركة صياغة دور السلطة باعتبارها أداة لإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية.

وقال إن الوظيفة الوطنية لحركة فتح، كما يراها، تتمثل في إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس والحفاظ على قضية اللاجئين وحق العودة.

وفي الوقت نفسه، دعا إلى تغييرات داخل الأطر الفلسطينية ذاتها، بما فيها منظمة التحرير، وإدخال "دم جديد" إلى مؤسساتها، وربط ذلك بانتخاب مجلس وطني جديد وتجديد اللجنة التنفيذية.

وأشار إلى أن جيلاً فلسطينياً كاملاً لم يشارك في انتخابات وطنية عامة، معتبراً أن مشاركة الشباب والنساء وتجديد المؤسسات لم تعد مسائل تنظيمية داخلية بل أصبحت مرتبطة بأزمة الشرعية السياسية نفسها.

الوحدة الوطنية ليست اتفاق الفصائل فقط

وقدم اشتية تعريفاً أوسع للوحدة الوطنية، قائلاً إن اختزالها في توافق الفصائل يمثل، من وجهة نظره، قراءة غير كافية للمجتمع الفلسطيني.

وأوضح أن ملايين الفلسطينيين غير منظمين في أطر حزبية، إلى جانب الفلسطينيين في الشتات والنقابات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والنساء والشباب والجامعات، وهو ما يستدعي – بحسب رؤيته – حواراً وطنياً أوسع من الحوارات التقليدية بين الفصائل.

وقال إن تجارب الحوارات السابقة لم تنتج النتائج المطلوبة، وإن المطلوب هو "حوار مكونات المجتمع الفلسطيني"، بالتوازي مع الانتخابات وتجديد منظمة التحرير والسلطة والمؤسسات.

ووصف الوضع الراهن بأنه "حالة طوارئ وطنية"، مستشهداً بالحرب على غزة، واتساع الاستيطان، واعتداءات المستوطنين، والأزمة المالية، والحواجز، وتقطيع الجغرافيا الفلسطينية.

من تل إلى أزمة الصمود في الضفة

واستهل اشتية المقابلة بالحديث عن قريته تل جنوب غربي نابلس والاعتداءات التي تعرضت لها المنطقة، معتبراً ما يجري فيها نموذجاً لما تتعرض له قرى فلسطينية أخرى من هجمات المستوطنين واقتلاع الأشجار والاعتداء على المنازل والأراضي.

وقال إن رسائل الفلسطينيين الذين التقاهم تركز على البقاء والصمود في الأرض، لكنه أقر في الوقت ذاته بأن الصمود يحتاج إلى إمكانات مادية لا تستطيع السلطة حالياً توفيرها بالحجم المطلوب بسبب أزمتها المالية.

واعتبر أن استعادة روح التكافل والتعاضد التي ميزت الانتفاضة الأولى تشكل، في نظره، عنصراً مهماً في مواجهة الأزمة الحالية، داعياً إلى تعزيز المبادرات المجتمعية إلى جانب الدور الرسمي.

أوسلو والانفكاك الاقتصادي

وعاد اشتية إلى الشعار الذي تبنته حكومته بشأن "الانفكاك التدريجي" عن الاقتصاد الإسرائيلي، مدافعاً عنه باعتباره استراتيجية هدفت إلى تقوية الإنتاج الوطني وتنويع العلاقات التجارية وتعزيز ارتباط الفلسطيني بأرضه.

وأقر بأن الاقتصاد الفلسطيني لا يزال شديد الارتباط بإسرائيل، لكنه قال إن هذا الواقع كان السبب وراء تبني سياسة الانفكاك وليس دليلاً على خطئها.

وربط بين الاعتماد الاقتصادي والاستيطان والحرب على الأرض، معتبراً أن زيادة قدرة الفلسطيني على الإنتاج والزراعة تشكل أحد عناصر الصمود.

وفي المقابل، أعلن أن اتفاق أوسلو، من وجهة نظره، فقد معظم مكوناته السياسية والقانونية والجغرافية والاقتصادية، وقال إن السؤال الذي يجب أن تجيب عنه المؤسسات المنتخبة المقبلة هو: "إلى أين نذهب؟ وما الاستراتيجية الفلسطينية للمرحلة القادمة؟".

الانتخابات الإسرائيلية وما بعدها

وتناول اشتية كذلك الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، محذراً من بناء رهانات فلسطينية كبيرة على تغيير الحكومة هناك. والموعد المقرر للاقتراع الإسرائيلي هو بالفعل 27 أكتوبر وفق أحدث المعطيات المنشورة.

ورأى اشتية أن تغير الحكومات الإسرائيلية قد ينتج اختلافات في التكتيك والأسلوب، لكنه لا يعني بالضرورة تحولاً جذرياً في السياسات المرتبطة بالأرض الفلسطينية والاستيطان والعلاقة مع الفلسطينيين.

وقال إنه يخشى أن يؤدي خروج بنيامين نتنياهو من المشهد، إذا حدث بعد الانتخابات، إلى دفع المجتمع الدولي نحو تطبيع علاقاته السياسية مع إسرائيل سريعاً باعتبار المشكلة مرتبطة بشخص رئيس الوزراء، بينما يرى اشتية أن الخلاف الفلسطيني معها أعمق من هوية الحكومة أو رئيسها.

وبذلك، بدت رسالة اشتية الأساسية في المقابلة متمحورة حول أزمة تتجاوز الانتخابات ذاتها: نظام سياسي يواجه اختباراً متعلقاً بشرعيته ووحدة أراضيه ومؤسساته، وقطاع غزة يخضع لترتيبات انتقالية دولية، وضفة غربية تواجه الاستيطان والضغط الاقتصادي، ومؤسسات فلسطينية تحتاج، باعتراف أحد أبرز قيادات فتح، إلى إصلاح وتجديد وتواصل مختلف مع الجمهور.

وبينما تتمسك حركة فتح، وفق اشتية، بإجراء الانتخابات في موعدها باعتبارها مدخلاً لتجديد الشرعية، تبقى إمكانية تنفيذها في القدس وقطاع غزة أحد أكبر الاختبارات العملية أمام الاقتراع المقرر في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر، وهو موعد تؤكد لجنة الانتخابات المركزية رسمياً استمرار الاستعداد له حتى الآن.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله