يواجه نفاذ إعادة إعمار قطاع غزة، وفق ما أسفر عنه المؤتمر الدولي المنعقد مؤخراً في القاهرة، تحديات "ربط المسار بالموافقة الإسرائيلية، وإشكالية المعابر، وعدم كفاية قيمة التعهدات المالية قياساً بحجم الكلف المطلوبة"، حسب مسؤولين فلسطينيين.
بينما تطل الضغوط الأميركية، والدولية، برأسها الثقيل على أفق نجاح عملية الإعمار، عند رهنها، ضمنياً، باستئناف المفاوضات من دون شروط مسبقة، ما يعني قطع الطريق أمام المسعى الفلسطيني الأممي لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة على حدود العام 1967.
وانتقد المسؤولون "ضآلة" حجم ما تعهد به المانحون خلال المؤتمر، الذي شارك فيه أكثر من 50 دولة و18 منظمة إقليمية ودولية، حينما خرج بمبلغ إجمالي حوالي 5,4 مليار دولار.
إلا أن نصف هذا المبلغ تقريباً سيذهب فقط لإعادة الإعمار، بينما سيتم تقديم القيمة المتبقية للجانب الفلسطيني على مدى ثلاث سنوات، ما يشكل "أقل من الطموح المطلوب والاحتياج الفعلي"، بحسبهم.
وتبعاً للخطة الحكومية الفلسطينية التي قدمت إلى مؤتمر القاهرة؛ فإن قيمة إعادة اعمار ما خلفه دمار وخراب الاحتلال طيلة 51 عاماً وتراكم حصاره العدواني ضد قطاع غزة يحتاج إلى نحو 4 مليارات دولار، على أقل تقدير.
ويتفق الخبير الاقتصادي وعضو التجمع الوطني للشخصيات الفلسطينية المستقلة نصر عبدالكريم مع القول إن "المبلغ المخصص لإعادة الإعمار أقل من المطلوب ومن الاحتياجات الفعلية".
وقال، لصحيفة"الغد" الاردنية، "لقد تم تخصيص حوالي 2 مليار و700 مليون دولار فقط كتعهدات من المانحين لتغطية تمويل خطة اعمار غزة، والتي قدر لها أصلاً مبلغ 4 مليارات دولار".
وأضاف أن "المبلغ المتبقي سيذهب لمساعدة السلطة في أغراض مختلفة، منها تمويل عجز الموازنة العامة للعام 2015 والمقدرة بنحو مليار و300 مليون دولار".
فيما "سيخصص مبلغ مليار و400 مليون دولار لاستخدامات السلطة لتمويل الخطة التنموية 2014 – 2016 على مدى سنتين إلى ثلاث سنوات، بما يخص تمويل مشاريع تطويرية وخدمات طارئة".
وهذا يعني، بحسب عبدالكريم، أن "مليارين و700 مليون دولار لن يكون لها أي صلة لإعادة اعمار الضرر المباشر الذي خلفه عدوان الاحتلال وحصاره نتيجة لسلوكه وممارساته العدوانية، وإنما سيذهب لإنفاق الحكومة على مشاريع أخرى لا علاقة لها بالإعمار".
بينما "سينفق المبلغ المخصص للإعمار على الإغاثة والإنعاش المبكر، وإعادة إعمار ما دمره الاحتلال، بما يشمل إصلاح وترميم المنازل والمنشآت الصناعية والتجارية والزراعية المدمرة وغيرها، من دون أن يشمل مشاريع تنشيط الاقتصاد أو مساعدة القطاعات حتى ترجع إلى حالة إنتاجية أعلى أو بنية تحتية أفضل، أو بناء محطة كهرباء أو مطار وما إلى ذلك".
واعتبر أن "إنفاق المبلغ المخصص للاعمار خلال عامين تقريباً وفق أولويات خطة الحكومة سيعطي نتائج جيدة، شريطة توفر متطلبات أساسية لإنجاحها، وتتمثل في حشد وتجنيد الأموال الكافية لتمويل المشاريع الواردة في الخطة".
ولفت إلى أهمية "ضمان تسهيل حركة مرور الأفراد والبضائع ومستلزمات البناء عبر المعابر التي تربط غزة مع العالم الخارجي، والتي يتم الحديث فيها الآن عن تلك التي تربطها بالكيان الإسرائيلي، بما تشكل مسألة حيوية لإنجاح عملية الإعمار".
وأكد ضرورة "توفر إطار مؤسسي تنظيمي لتنفيذ الخطة وإدارة المساعدات، ما يستدعي بسط سلطة الحكومة بأذرعها المختلفة في القطاع وتوليها مباشرة مسألة الرقابة على التنفيذ والمتابعة، الأمر الذي يستلزم تمتين الجبهة الداخلية الفلسطينية".
وقد تسبب عدوان الاحتلال في تشويه القطاع الاقتصادي لغزة، عبر إلحاق الضرر بالزراعة والثروة السمكية، وتدمير 297 مؤسسة صناعية و1255 مؤسسة تجارية بشكل كامل، وزهاء 693 مؤسسة ومصنع و2928 مؤسسة تجارية بشكل جزئي.
ويستقيم تحدي المال المطلوب مع غياب ضمان وصول منافذه الفعلية، ما شكل مصدر خشية منظمة "أوكسفام" الدولية، عندما قدرت استغراق عملية الإعمار خمسين عاماً، في حال "بقاء الجزء الأكبر من أموال التعهدات في حسابات مصرفية لسنوات قبل أن تصل إلى الغزيين، ما لم ترفع القيود الإسرائيلية المفروضة منذ قترة طويلة على الواردات".
ويأخذ منبع التوجس مكامنه من شرطي الدول المانحة للإيفاء بالتزاماتها المالية حيال إعادة اعمار غزة، والمتمثلان في "هدنة دائمة، وعودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة وممارسة عملها"، وذلك وفق قول المندوب الدائم لدى جامعة الدول العربية وسفير دولة فلسطين لدى القاهرة جمال الشوبكي.
وإذا كان الشرط الآخر قد تجسدت خطوته الأولى من خلال زيارة حكومة الوفاق الوطني إلى قطاع غزة، الأسبوع الماضي، باعتبارها تنفيذاً لما اتفقت عليه حركتي "فتح" و"حماس" في محادثات القاهرة التي جرت قبل عيد الأضحى المبارك.
إلا أن استيفاء الشرط الأول مرتبط بمدى التزام الاحتلال به، أسوة بمسألة المعابر لضمان دخول مستلزمات إعادة الاعمار، في ظل إحكام السيطرة الإسرائيلية عليها.
أما إدارة المعابر فلها إشكاليتها الخاصة المزمنة منذ وقوع الانقسام عام 2007 وسيطرة حماس على القطاع، فضلاً عن إرهاصات معبر رفح الشائكة.
بيدّ أن القيادي في حركة "حماس" أحمد يوسف قال أن "الحركة قدمت كل التسهيلات اللازمة لتسيير عملية إعادة الاعمار، وأكدت استعدادها لتسليم إدارة المعابر إلى السلطة لتولي مهامها".
وأضاف، لـ"الغد" ، إن "حماس" من أجل "ضمان نجاح وصول الأموال اللازمة لإعادة الاعمار ومعالجة مخلفات عدوان الاحتلال وتخفيف معاناة الشعب الفلسطيني، لم تعترض على تداول هذا الملف بين السلطة والأمم المتحدة ودخول الجانب الإسرائيلي على خط الإعمار، باعتبار أن الأخير يتحكم بالمعابر ودخول المواد".
وأوضح بأنه "لن تكون هناك عقبات من "حماس" حول إدارة المعابر، التي لا تتمسك بها، وإنما مستعدة لتسليمها إلى الحرس الرئاسي عند قدومه للقطاع".
ونوه إلى "رغبة "حماس" الجادة لإنجاح عمل الحكومة وتسهيل عملية إعادة اعمار، تأكيداً لوقوفها إلى جانب أهل القطاع والتخفيف عنهم ومعالجة عدوان الاحتلال".
وكان نائب رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى قال في تصريحات صحفية مؤخراً أن "السلطة ستكون مسؤولة عن دخول مواد البناء إلى غزة وتحرك المسافرين بين القطاع والضفة".
إلا أن مسؤول المعابر في غزة ماهر أبو صبحة أفاد مؤخراً بأنه "لم يتم حتى الآن الاتفاق على ترتيبات لتسليم السلطة إدارة المعابر"، بحسبه.
تقرير: نادية سعد الدين
