بعد توبيخ علني من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لرئيس الأركان الجنرال بني غانتس ورئيس "الشاباك" يورام كوهين، ومطالبتهما بالكف عن الصراع في ما بينهما حول الحرب على غزة، اعترف "الشاباك" بأنه لم يقدم إنذارا حول حرب وشيكة مع حركة "حماس".
وكان الصراع بين الطرفين حول الدور في الحرب قد بلغ حدوداً غير محتملة، دفعت رئيس الأركان لمطالبة نتنياهو بإجبار قيادة "الشاباك" على التوقف عن بث الأكاذيب، والتي تشكل "شرخا أخلاقياً ومعنوياً".
وفي بيان استثنائي صدر أمس عن "الشاباك"، بعد اجتماع عقده نتنياهو مع رئيسي الأركان و"الشاباك"، جاء أنه لم يزعم تمرير إنذار بشأن الحرب مع "حماس" في تموز الماضي، وإنما قال بوجود معلومات، من مطلع كانون الثاني الماضي، ببداية استعدادات من "حماس" لمواجهة محتملة مع إسرائيل.
وتضمن بيان "الشاباك" إشارة إلى أن الجهاز قدم نهاية نيسان إنذارا بوجود نيات لدى "حماس" لتنفيذ عملية كبيرة قد تقود إلى معركة (وكان المقصود عملية النفق قرب كرم أبو سالم). واعترف أنه "من لحظة وصول المعلومة تأهب الجيش الإسرائيلي والشاباك على كل المستويات، الاستخبارية والعملياتية، لإحباط العملية. وقد تمت الاستعدادات بالتعاون التام بين الجيش والشاباك". كما أشار البيان إلى خطر الأنفاق، موضحا أنه لم تتوفر لدى أجهزة الأمن معلومات دقيقة بشأن مسار الأنفاق الداخلة إلى إسرائيل.
وعقد الاجتماع وصدر البيان بعدما أرسل رئيس الأركان رسالة لرئيس الحكومة ووزير الجيش موشي يعلون احتج فيها على سلوك "الشاباك" في مقابلات مع برنامج "عوفدا" التلفزيوني، تم فيه حسب رأيه "تجاوز كل الأعراف الأخلاقية والمعنوية"، وطالب "الشاباك" بالاعتذار عن ذلك. ورغم أن بيان "الشاباك" لا يتضمن اعتذارا إلا أنه يشكل محاولة جادة لخفض لهيب المواجهة بين الطرفين.
وكتب غانتس قي رسالته إلى نتنياهو "أنني أقرر بحزم أن الشاباك لم يسلمنا أي إنذار، ولم يحذرنا من وجود نيات لدى حماس للحرب في تموز، كأمر مبادر به ومقرر. وأبداً لم يعرض، في أي مداولات برئاستي، موضوع الحرب أو المعركة المحتملة، وبالتالي لم يكن هناك أي نقاش في مطلع العام 2014 حول حرب وشيكة، لا على المستوى العسكري ولا المستوى السياسي".
واعتبر غانتس أن "الشاباك" تجاوز "خطاً أحمر"، وتصرف بـ"لا رفاقية بين الجهازين"، كما أنه "عرض في البرنامج التلفزيوني معلومات مغرضة، خلقت انطباعا زائفا بأن الشاباك هو الجهاز الاستخباري الحصري في قطاع غزة، الذي أدى مهمته بإخلاص، فيما الآخرون: الاستخبارات العسكرية والجيش والمستوى السياسي، قصروا".
وحسب رسالة غانتس فإن "التعاون بين الشاباك وبرنامج تلفزيوني، يمجد دور الجهاز عبر تشويه المستوى السياسي شرخ أخلاقي ومعنوي. والجيش ككيان متهم بأنه لم يعمل رغم المعلومات التي سلمها له الشاباك، وأنا أجد من الصائب الإعراب أمامكم عن احتجاجي الشديد على شكل التصرف هذا. ينبغي التحقيق في هذا الحدث الإعلامي من جذوره". وأضاف "يؤسفني، أنني لم أقدر أننا سنصل إلى هذا الوضع، ولذلك أقول كفى. في نظري، فإن انكشاف الشاباك كجهاز استخبارات، وعرض معلومات كانت بحوزة رجاله، وأساليب العمل التي انتهجها تشكل سابقة خطيرة، وليس واضحا من صادق على هذا الانكشاف الفضائحي".
تجدر الإشارة إلى أن جهازي "الشاباك" و"الموساد" يخضعان مباشرة لرئيس الحكومة الإسرائيلية، في حين يخضع الجيش لإمرة المستوى السياسي للحكومة مجتمعة، بشخص وزير الجيش. وقد أيد يعلون رسالة غانتس لنتنياهو، وطلب هو أيضا توضيحات من رئيس "الشاباك" يورام كوهين.
ويرى معلقون إسرائيليون أن نوعا من "حرب عالمية" تدور منذ زمن بين الجيش وأجهزة الاستخبارات حول الأدوار التي كانت لكل منهما في إنجازات وإخفاقات إسرائيل الأمنية. وقد أثارت الحرب الأخيرة على غزة، سواء بسبب طولها أو جراء ضعف قدرة الردع الإسرائيلي والمفاجأة من حجم قوة المقاومة وحركة "حماس"، انتقادات واسعة دفعت الطرفين إلى حرب خفية على الرأي العام. وطبعا أراد "الشاباك"، وهو المسؤول عن تقديم المعلومات الاستخبارية بشأن نوايا الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، التنصل من المسؤولية عن أي إخفاق، واثبات أنه أدى دوره، وأن الآخرين أخفقوا.
ورغم أن المعركة بين الجيش و"الشاباك" دائرة حتى أثناء الحرب عبر تسريبات للصحافة إلا أنها اتخذت منحى أكثر جدية بإقدام "الشاباك" على تقديم روايته في برنامج التحقيقات التلفزيوني الأهم في إسرائيل، والمسمى "عوفدا". وسمح "الشاباك" لعدد من قادته ومسؤولي الوحدات فيه، وبشكل استثنائي، بإجراء مقابلات مع معدي ومقدمة البرنامج إيلانا ديان. ومعروف أن لديان هذه مشكلة لم تنته مع الجيش حول أسلوب "تأكيد القتل" الذي يمارس بحق الفلسطينيين، خصوصا قضية الطفلة إيمان الهمص التي تم تأكيد قتلها في تشرين الأول الماضي، وهي ذاهبة إلى مدرستها.
وبديهي أن هذا أغاظ جدا قيادة الجيش التي رأت في هذا السلوك، الذي يتحمل رئيس الحكومة، بوصفه المسؤول عن "الشاباك"، جانبا من المسؤولية عنه، تخطيا للخطوط الحمراء ومحاولة لـ"تغطية عجز الشاباك، وإلقاء الذنب على الجيش والآخرين".
وحسب ضباط في الجيش فإن ما رواه قادة "الشاباك"، في البرنامج التلفزيوني، "مختلق تماما"، ومجرد "كذب وافتراء، يهدف فقط للمسّ بالأجهزة الأخرى وتسجيل إنجازات من غير وجه حق".
