تُمسك الشابة نسرين أبو لوز "38سنة" بمقص صغير في يدها، وبالأخرى بعروس بلاستيكية، وتقوم بثنيها وقص قدميها، ومن ثم تأتي بمادة السليكون وهي "مادة كيميائية تستخدم كمادة لاصقة لأي شيء"، وتضعها على صحن بلاستيكي صغير، وتطبق صحن أخر من الأسفل، وتكسيهما بثوب قماشي..
ومن ثم تقوم بوضع ثوب خارج، مصنوع من الورق التالف، أو بذور وأوراق الأشجار، أو المعالق والأشواك والسكاكين البلاستيكية، أو من الصوف، والقماش التراثي الفلسطيني القديم وأشياء أخرى كثيرة، هذا الثوب يأخذ وقتًا ليس باليسير، فاختيار شكله وتجميعه والتفنن به يأخذ وقتًا، لتخرج العروس "الدُمية" ذات شكل جميل وجذاب.
هذا العروسة التي استغرق عملها نحو ساعة، تعد نموذج لمئات العرائس التي قامت "نسرين" منذ نحو خمسة عشر عامًا بصناعتها بجهدٍ ذاتي، وبجانبها العشرات من التحف الفنية الجميلة، مثل "مجسم القدس، صندوق، مزهريات، والمقالم، الحقائب، المحافظ (دوستان)، المعلقات، المدليات، والكثير من الأشياء..".
مكونات مشغولاتها
هذه التحف تقوم "نسرين" بصناعتها وحياكتها، من خامات البيئة، والأدوات التي تستهلكها المرأة في أي منزل، وتلقي بها، فهي تقوم بجمعها مثل "الورق التالف، والعبوات الزجاجية والبلاستيكية، الصحون، عيدان الشواء، والمعالق، الشوك، السكاكين..".
كذلك تستخدم في عملها "بذور وأوراق أشجار الصرو، الكينيا، الصبار، والأحراش والنباتات والأشجار، والأعشاب والجافة، وحبوب الحمضيات والفواكه بعدما تجف مثل (البرتقال، الرومان، الليمون، الخشخاش..)، وعيدان الأشجار، وقطع القماش البالي..، قشر البيض، وكل يوم تكتشف نوع جديد، ونجحت مؤخرًا بتحويل الجوربان البالي الذي يرتدي بالأقدام لشكل حيوان بكافة الملامح.
وبنت مشروعها الذي يكبُر يومًا بعد يوم، داخل غرفةٍ صغيرة من الصفيح، الصعود لها عبر مصعد خشبي بعناء للطابق الأول، وما إن تدخلها تظن أنها ليست غرفة بل مخزن، تُلقي بداخله بالملابس والفراش البالي الغير صالح، حتى يضيق لشخص واحد العيش بها، حتى تحولت لمرتع للفئران والحشرات..!
واقع مؤلم
وتنام "نسرين" على ما تُسميه "تخت" خشبي صغير أقدامه الأربعة من مكعبات الباطون، وعليه فرشة بالية وحرام قديم، في منتصف الغرفة التي تزيد مساحته 2.5_3متر، لم يتبقى متسع لتختها سوى متر واحد، نتيجة تكدس الفراش والملابس به، وبقية تحفها الفنية تضعها في كراتين وأكياس بلاستيكية لعدم وجود متسع لعرضها..!
واقعها المؤلم والفقر المُدقع الذي تعيش فيه، لم يُثنيها عن مواصلة مشروعها والوصول لتحقيق حُلمها، بتكوين مشروع إبداعي يوفر لها مصروفها وعلى أسرتها الفقيرة، التي تعيش أوضاعًا صعبة، بل كان حافزًا ونقطة انطلاق مشروعها المميز والفريد من نوعه.
وتقول لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "هدم منزلنا في حي التفاح غربي محافظة خان يونس جنوبي قطاع غزة في عام 2003م، على يد الجيش الإسرائيلي، وحصلنا على منزل أخر تعويض من قبل مؤسسات دولية، بالقرب من المستشفى الأوروبي في المحافظة، ونقطن به منذ نحو عشر سنوات".
وتضيف "لدي من الأشقاء نحو 10أشخاص، خمس بنات تزوجنّ وبقي ثلاثة وأنا واحدة منهنّ، وخمس شباب متزوجين، وكل واحد منهم يعيش بشق من المنزل، أما أنا ففي داخل غرفة من الصفيح، بالشتاء باردة وتغرق بمياه الأمطار، وبالصيف حارة لا تُطاق، ومليئة بالحشرات والقوارض خاصة الفئران والصراصير..".
وتتابع "الواقع المؤلم الذي نمر به، وتفاقم وضع شقيقتي الأكبر، التي كانت تصرف علينا، من خلال عملها بالتطريز، وأصيبت بمرض الضغط والسكر المزمنين، جعلني أتوجه وأنا بسن 25سنة لتعلم دورات في مؤسسات خاصة وأهلية".
وتستطرد "وما شجعني أكثر أنه لدي خبرة من شقيقتي التي علمتني وأنا بسن عشر سنوات، كيف أقوام بالتطريز، ونجحت بتصميم سلة للعرائس حينها، ومنذ ذلك الحين تشجعت رويدًا رويدًا، حتى وصلت لما فيه، وأكثرت من الدورات التدريبية..".
ذكاء وحظ مُتعثر
وتلفت "نسرين" إلى أن فكرتها بسيطة، لكن العمل بها يحتاج لذكاء وعقل يفكر ويُبدع، مشيرة إلى أنها أنتجت كثير من التحف الفنية الجميلة والهدايا البسيطة، التي جذبت الكثير من الزبائن خلال مشاهدتهم لها، أثناء مشاركتي في كثير من المعارض ومهرجانات التسوق التي تُقيمها المؤسسات والجمعيات في القطاع.
وتوضح أن الحظ لم يحالفها في العمل بالمؤسسات، لأنها لا تحمل شهادة جامعية، فأحد شروط الوظائف التي تأتيها تحتاج لشهادة، وهي لا تمتلك، رغم أنها تمتلك هواية تفوق الذين يحملون الشهادات، كما قال لها الكثير ممن شاهدوا أعمالها من المختصين وغيرهم من الزبائن الذين يترددون على المعارض..
وتبين "نسرين" أنها تُبدع في تشكيل العرائس والتحف، بحيث تفكر بشكل وتصميم جديد وطريقة جديدة للعمل، حتى أن الكثير ممن شاهدوا أعمالها وقفوا كثيرًا يفكروا كيف تم تصميمها بهذا الشكل والطريقة، وعبروا عن استغرابهم من أن "المعالق، والشوك، والسكاكين، وبذور الأشجار أوراقها (..)، تتحول لهدايا قمة في الجمال..
وتشير إلى أن الهدايا التي تقوم بحياكتها وصناعتها، ثمنها بسيط وشكلها جميل، وعليها اقبال خلال المعارض، فالكثير يحتاج لشراء هدايا بثمن زهيد، خاصة من النسوة، فيجدوها في متناول أيديهم، ويستغربوا عندما يعلموا أنها من المخلفات والمواد التي يستهلكنّ في المنازل، مما دفعني لإعطائهن دورات كثيرة بهذا المجال..
وتنوه إلى وجود بعض المؤسسات، تشتري منها بعض ما تقوم به، ومنها المؤسسة التي تعلمت فيها، موضحة أنها تعاني في جلب تلك خامات من بذور وأوراق الأشجار، فتذهب للبحث عنها بأمكن بعيدة، على نفقتها الخاصة، وتبحث عنها بيدها، وبعضها يحتاج للتسلق على الأشجار، ما يدفعها للاستعانة بالأطفال.
وتعبر "نسرين" عن أملها بأن تجد من يتبنى مشروعها، ويُقيم لها معرض كبير لمشغولاتها، ويخلصها من الواقع الذي تعيشه، ببناء مكان لائق لعملها، وتقول: "هذا حُلمي، فأحوال أسرتي صعبة جدًا، ولا أريد أن أمد يدي لأحد، ما دمت بصحتي وبكرامتي، سأعمل لتوفير مصروفي ومصاريف أهلي..".
