يُكابد الشاب سفيان "35عامًا" الذي يحمل إقامة بالسعودية، بين الآلاف من الراغبين بالسفر، كي يصل لنافذة الصالة الخارجية في معبر رفح البري، كي يُسلم أوراقه وجواز سفره (الوثيقة) للموظفين، حتى يتمكن من السفر كغيره من حملة الإقامات العالقين في القطاع، بسبب إغلاق المعبر منذ نحو 57 يومًا.
وبعد ساعات من الوقوف وسط زُحام شديد لآلاف العالقين من الفئات المُختلفة، نجح سفيان بتسليم جواز سفره، بعد أن غامر بنفسه وحجز مقعدًا أماميًا وأمسك جيدًا بالقضبان الحديدية المثبتة على النافذة، وسط تدافع الناس فوق بعضهم البعض، فقد يُكلف هذا الحال الشخص حياته من أجل الحصول على فرصة للسفر.
وما إن انتهى سفيان من تسليم جواز سفره وأوراقه الثبوتية لموظفين المعبر، كابد حتى تمكن من الخروج من وسط الزُحام، وجلس على حقائبه ينتظر بفارغ الصبر سماع صوته، عبر بوق الصالة من قبل الموظفين، الذين ينادون بين فينة وأخرى على كشوفات الأسماء.
وعلى الرغم من تضاؤل أماله بالسفر بعد أن سلم جواز سفره، وهو ينظر للكم الكبير من العالقين وهم مُتكدسين، ويدافعون نحو أكثر من ست نوافذ وأبواب للصالة لدخول لتسليم جوازات سفرهم، إلا أنه لم يستسلم لليأس ويجعله يتسلل لداخله، بل بقيا على أمل السفر كما من غادروا قبله بساعات.
وقال سفيان لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "جئت لغزة قبل نحو ثلاثة شهور لزيارة أهلي، لكن تم إغلاق المعبر، ولم أتمكن من العودة، وكان يفترض أن أعود لعملي، ولم أعد، وكلما تأخرت عن العمل، ربما أتعرض للفصل، لأن الأجازة انتهت، وكذلك الإقامة لم يتبقى لها سوى وقت قصير".
وأضاف "فتح المعبر ليومين غير كافي بعد هذه المدة الطويلة من الإغلاق، فمعاناة الناس أكبر من ذلك بكثير، ودعا لإعطاء الأولوية للمرضى وأصحاب الإقامات التي شارفت على الإنتهاء"، مطالبًا كافة الجهات للضغط على الجانب المصري لفتح معبر رفح باستمرار، واستثناء الناس من أي خلافات سياسية تحدث بين أي طرف.
وامتلأت صالة معبر رفح الخارجية وساحته وكافة المساحات الخارجية للمعبر، بآلاف العالقين في القطاع، والمركبات التي انتشرت بكثافة جدًا، في مشهدٍ مأساوي، يعكس حقيقة الأزمة الخانقة التي تسبب بها المعبر الموصد بالاتجاهين من قبل السلطات المصرية.
ولم تسمح مصر خلال الـ 57 يوم الماضية، سوى مرتين بفتح المعبر مدة يومين في كل مرة، لعودة العالقين داخل وخارج مصر، بينما كانت تمنع السلطات المصرية أحدًا من المغادرة، بسبب الأوضاع الأمنية في سيناء، لحين قررت مساء أمس فتحه اليوم بالاتجاهين بعد ضغوطاتٍ فلسطينية عليها.
أما المسن أبو طارق "74عامًا"، فيختلف حاله عن الشاب سفيان، فقدم للمعبر الساعة 5.30 صباحًا برفقة نجله وأولاده الصغار، ووجده مزدحمًا بآلاف العالقين الذين تكدسوا أمام وداخل أروقة الصالة الخارجية، ما جعله يحاول مرارًا أن يدخل بنفسه أن يحجز مكانًا ويُسلم جوازه، لكن صحته لم تسمح له بالمغامرة بحياته.
وحاول نجل المُسن أبو طارق، أن يسعى بدلاً عن والده لتسليم جوازات سفرهم لكنه لم ينجح، وقال لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "تعرضت للإصابة في عدة دول، وعانيت كثيرًا، لكن المعاناة على المعبر لم تُحتمل، ونحن بحاجة لمصر أم الدنيا أن تقف معنا وتفتح المعبر، وتُنهي عذبات ألاف العالقين".
بدوره، قال رئيس هيئة المعابر في قطاع غزة ماهر أبو صبحة لـ "وكالة قدس نت للأنباء : "حينما تم إبلاغنا بأنه المعبر سيفتح باتجاه واحد بالأمس، ناقشت من جانبي الجانب المصري بمعاناة سكان القطاع، وأخبرتهم بأنه من الصعب جدًا أن نعلن عن فتح المعبر في اتجاه واحد، والمواطن 57 يوم ينتظر فتحه بكلى الاتجاهين..".
وأضاف أبو صبحة "بعد ساعة من شرح الأمر للمصرين، فعلاً وافقوا على فتح المعبر، لكن بشروط أن يتمكن الأكثر حاجة من السفر، نحن وافقنا في هذا الآمر، مع تأكيدنا بأنه من حقنا أن يكون لنا معبر يفتح على مدار الساعة".
وتابع "لذلك اخترنا الأكثر حاجة من المواطنين وتقديرات بشرية أنهم الأكثر حاجة وهم (أصحاب الكبد الوبائي، السرطان، الكُلى) ممن يحملون تحويلة طبية من وزارة الصحة الفلسطينية، والطلبة من حملة البكالوريوس، رغم إدراكنا بوجود الآلاف من طلبة الماجستير والدكتوراه، والإقامات العالقين في الجانب الفلسطيني وهم كذلك بالآلاف".
واستطرد "حينما يتم الحديث عن فح المعبر ليومين فقط، لا بد من إدارة للأزمة القائمة، من خلال تمكين الأكثر حاجة من السفر، مع إدراكنا بأن الآلاف يتواجدون أمام بوابة المعبر منذ ساعات الفجر، بتقديري الجميع بحاجة للسفر، وحالات إنسانية، رغم ذلك عملنا بما تم الإعلان عنه، ومكنا بعضها من السفر".
وأمضى أبو صبحة "كذلك قمنا بإجراء أكثر من عملية تدقيق، بجوازات ووثائق المواطنين لتأكد من أن المسافرين هم الأكثر حاجة، وهنا أتحدث به بنوع من الألم، لأنني مدرك بأن الجميع بحاجة للسفر، لكننا نؤكد بأننا أمام ظرف صعب، ويجب أن نمكن الأكثر حاجة من الحالات الإنسانية للسفر".
وواصل حديثه "عندما نختار العشرات أو المئات من بين عشرات ألاف الراغبين بالسفر، هذه عملية صعبة جدًا، ونحن متأكدون بأنها لن تلقى قبول من المواطن، وسيشعر بالتذمر والظلم، وهذا من حقه، لأنه صحاب حاجة، مريض، حامل إقامة، صاحب عمل بالخارج(..)، وأنا أشعر بالقهر".
وأشار إلى أنه لو فتح التسجيل للسفر، سيتدفق الآلاف، وجميعهم بحاجة للسفر، وبالتالي سنفتح الباب امام حالات جديدة، لذلك أثرنا العمل ميدانيًا لكل طريقة مميزات وسلبيات، عندما يكون الاشخاص مقيدين بكشوفات مرتبة، سيطعي كل ذي حق حقه، لكن بهذهالطريقة سنحتاج لسنوات لنسفرهم، وسيموت الكثير منهم، لذلك فضلنا بآلية العمل الميداني، مع علمنا أنه فيها ظُلم للبعض.
ولفت أبو صبحة إلى أنهم شرحوا للجانب المصري الوضع الصعب والمعاناة لسكان القطاع، للحصول على تمديد لعمل المعبر، وأضاف "نقبل بفتح المعبر ليومين أو ثلاثة، لكن من حقنا فتحه على مدار الساعة، ولن نسلم بفتحه يومين، ونطالب بتمديده، مع تأكيدي من حقنا أن يكون لنا معبر مفتوح على مدار الساعة لنتواصل مع العالم".
وشدد "علينا العمل لانقاذ حياة الناس ومستقبلهم، ونعاهد بالعمل لاستمرار فتح المعبر"، مشيرًا إلى أن تحديد الفئات للسفر كان بالتوافق مع المصريين، وفي حال فتح فترة أطول لسمح للجميع بالسفر، "ونطلب من المصرين قبل فتح المعبر للمعتمرين بأنه يتم فتحه للناس، العمرة سنة، لكن انقاذ حياة الناس فرض".
