إنتهاء عهد إفلات قادة الاحتلال من العقاب !

يفتح توجه الفلسطينيون إلى المحاكم الدولية الباب على مصراعيه أمام عهد جديد يجعل من القادة الإسرائيليين متهمين أمام القضاء الدولي بارتكاب جرائم حرب، كما يغلق ذلك التوجه باب استمرار انتهاك الاحتلال لحقوق الفلسطينيين، وفقاً لما يراه خبراء قانونيون ومحللون سياسيون ومتابعون للشؤون الاسرائيلية خلال أحاديث منفصلة لـ"وكالة قدس نت للأنباء".

وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أعلنت، أمس الجمعة، أن الادعاء سيفتح تحقيقاً أولياً في جرائم حرب "محتملة" على الأراضي الفلسطينية في أول خطوة رسمية ستؤدي إلى توجيه اتهامات لمسؤولين هناك أو في إسرائيل.

وبناء على النتائج الأولية سيحدد الادعاء ما إذا كان الوضع يستحق إجراء تحقيق كامل في فظائع مزعومة وهو ما قد يؤدي إلى توجيه اتهامات لأفراد من الطرفين الإسرائيلي أو الفلسطيني.

وكانت السلطة الفلسطينية قد أقرت في الاول من كانون الثاني/يناير الجاري بأن من اختصاص المحكمة النظر في الدعاوى اعتباراً من 13 حزيران/يونيو 2014 تاريخ حملة الاعتقالات الواسعة في الضفة الغربية وما تلاها من حرب شرسة على قطاع غزة.

واعتبرت وزارة الخارجية الفلسطينية أن اعلان المحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيق أولي في جرائم حرب محتملة على الاراضي الفلسطينية خطوة إيجابية ومهمة نحو تحقيق العدالة وضمان إحترام القانون الدولي.

وأضافت الوزارة في بيان ، اليوم السبت، أن الهدف من الانضمام الى المحكمة "أتى لضمان وضع حد لجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل السلطة القائمة بالاحتلال ضد الشعب الفلسطيني وللحيلولة دون افلاتها من العقاب."

وقالت في بيانها إنه "بصفتها الجهة الفلسطينية المخولة بالتواصل مع المحكمة وتمثيل دولة فلسطين (فهي) تعرب عن استعداد دولة فلسطين للتعاون الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية وتسهيل مهمتها وصولا الى تحقيق العدالة."

ويقول القانوني الفلسطيني صلاح عبد العاطي إن انضمام دولة فلسطين للمزيد من الاتفاقيات الدولية يندرج في سياق النضال من أجل الخلاص من الاحتلال ومحاسبته على جرائمه، مؤكداً على أن ترقية فلسطين إلى دولة غير عضو بالأمم المتحدة يؤهلها لتحقيق مجموعة من المكاسب السياسية والقانونية من أجل عزل ومقاضاة الاحتلال .

وأشار عبد العاطي خلال حديث لـ"وكالة قدس نت للأنباء" إلى أن أهمية الانضمام للمحاكم الدولية تكمن في إنتهاء سنوات إفلات قادة الاحتلال من العقاب، مؤكداً أن ذلك سيجنب الشعب الفلسطيني مزيداً من الاعتداءات القادمة، الأمر الذي يجعل الذهاب إلى ميثاق روما لمحاسبة الاحتلال على الجرائم اللاإنسانية التي اقترفها مطلباً شعبياً .

وقلل عبد العاطي من خطورة استهداف القيادات السياسية الفلسطينية في المحكمة الجنائية الدولية لعدة أسباب أهمها: أن دولة الاحتلال لا تعترف بأحكام ميثاق روما ويمكن أن تلجأ إلى طرق أخرى كالتوجه للمحاكم الأمريكية كونها دولة منحازة للاحتلال.

وبين أن ذلك من شأنه أن ينتج بعض التداعيات والصعوبات على المستوى الفلسطيني، "ولكن هذا لا يجوز أن يثنينا عن متابعة رفع قضايا أمام المحكمة الجنائية الدولية وإدانة الاحتلال، سيما وأن الاحتلال متهم باقتراف سلسلة طويلة من جرائم الحرب، وهذا ما أثبتته تقارير المنظمات الحقوقية والدولية والمحلية والعالمية .

ورحبت حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة والفصائل الفلسطينية بقرار المحكمة الجنائية الدولية.وقال فوزي برهوم المتحدث باسم الحركة في بيان "نحن نثمن فتح المحكمة الجنائية الدولية لتحقيق في إرتكاب قادة الاحتلال الصهيوني جرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني ونعتبرها خطوة مهمة ولطالما انتظرها شعبنا الفلسطيني على طول سنوات الصراع مع العدو."

وأضاف "ستشكل هذه الخطوة بارقة أمل لشعبنا في محاكمة قيادات العدو ومعاقبتهم على جرائمهم والمطلوب الإسراع في إتخاذ خطوات عملية وفعلية في هذا الاتجاه."

وتابع أن حماس على استعداد ان تقدم "آلاف الوثائق والتقارير التي تؤكد على إرتكاب العدو الصهيوني جرائم مروعة بحق غزة وبحق ابناء شعبنا."

ومن ناحيته يرى الكاتب والمحلل السياسى عدنان أبو عامر أن انضمام فلسطين للمحاكم الدولية يعتبر خطوة بالاتجاه الصحيح لأنها ستقدم مجرمي الحرب الاسرائيليين إلى المحاكم الدولية. ولفت خلال حديثه لـ"وكالة قدس نت للأنباء"، إلى أن تلك الخطوة في البداية قد تكون سياسية مهمة بالنسبة للفلسطينيين.

وأشار إلى أن الاختبار الحقيقي لتك الخطوة يكمن في نقلها من إطار التهديد إلى التنفيذ رغم المخاوف من عقوبات اسرائيلية على السلطة الفلسطينية. ورأى أبو عامر أنه من المهم انتظار ما تحمله الأيام القليلة القادمة في كيفية مضي هذا الموضوع على أرض الواقع من حيث قبول فلسطين كعضو في المحكمة الدولية وبدء الاجراءات القانونية في تقديم الفلسطينيين ملفات شكاوى ضد الاسرائيليين .

ونبه أبو عامر إلى أن الذهاب لمقاضاة الاحتلال يحمل رسائل مفادها أن إسرائيل لن تكون قادرة مستقبلاً في الاستمرار بانتهاكاتها ضد الفلسطينيين لأن تلك الجرائم ستصل بالنهاية إلى المحاكمات الدولية وهذا ما يأمله الفلسطينيين.

من جانبه يعتبر الخبير في القانون الدولي حنا عيسى أن الدخول في دهاليز المحاكم الدولية يتطلب وقتاً طويلاً، منوهاً إلى أن ذلك لا يعني عدم التوجه إلى المحاكم والمنظمات الدولية؛ ولكن يجب أن يكون التركيز الدولي في الأساس على كيفية إزالة الاحتلال عن الأرض باعتبارها القضية الأساسية بالنسبة للفلسطينيين .

وأشار عيسى خلال حديثه لـ"وكالة قدس نت للأنباء" إلى أن الاحتلال الاسرائيلي يعتبر "نوعاً خاصاً" واستطاع أن يسوق لنفسه مبررات في المحافل الدولية تستند إلى ثلاثة أسس من وجهة نظره الأول: أرض متنازع عليها، والثاني: قرار سيادي وأخيراً: غزو دفاعي.

وأضاف: "المحاكم الدولية الآن في وضع لا تحسد عليه، فهي لم تحرك ساكناً تجاه القضية الفلسطينية، بالمقابل قامت بتسويق مبررات اسرائيل منذ عام 1967 إلى يومنا هذا، في الوقت الذي ثبت إسرائيل فيه استيطانها وهودت مدينة القدس ومنعت المواطنين الفلسطينيين اللاجئين من العودة إلى بلادهم، وتسيطر بنسبة 92% على المياه الجوفية"

وأوضح عيسى أنه في ظل تلك السيطرة الاسرائيلية الكاملة على الأراضي الفلسطينية، لم يتبقَ شيء للفلسطينيين سوى الذهاب للمؤسسات الدولية عسى أن ينالوا شيئاً من حقوقهم المهمشة، مبيناً أن الوضع الدولي السائد هو ازدواجية المعايير.

ونبه عيسى إلى" أننا كفلسطينيين يمكن أن نكون طرفاً متهماً في المحاكم الدولية، مستنداً إلى تقرير جولدستون الذي أشار إلى أن الفلسطينيين ارتكبوا جرائم حرب عام2008/2009 وما بعد ذلك فصاعداً وخاصة حرب 2014، ونبه إلى أن المجتمع الدولي يعتبر إطلاق الصواريخ على البلدات الاسرائيلية و العمليات الاستشهادية التي حدثت في القدس أو تل أبيب جرائم حرب.

ولا يستبعد عيسى أن تقوم اسرائيل بتحضير ملفات شكاوى ضد قادة فلسطينيين إلى المحكمة الجنائية الدولية ليس كدولة بل كمؤسسات أهلية أو كأشخاص متضررين، لأن اسرائيل دولة غير عضو في المحكمة وبالتالي تقوم منظمات حقوقية أخرى برفع الشكاوى عن عائلات "الضحايا" الذين تعتبر اسرائيل أنهم قتلوا في الحرب .

ومن جانبه ينبه المختص في الشؤون الإسرائيلية حسن عبدو إلى أن حالة من الصدمة أصابت كل القيادات الاسرائيلية، جراء انضمام السلطة إلى المؤسسات والمحاكم الدولية. وقال عبدو لـ"وكالة قدس نت للأنباء" إن الصحافة الإسرائيلية عبرت بشكل حقيقي طيلة الأيام السابقة عن تلك الصدمة.

وأضاف:" اعتبرت الصحافة الاسرائيلية أن هذا هو سلاح يوم القيامة الفلسطيني ووصفته بالسلاح النووي الفلسطيني." وأوضح عبدو أنه لا يوجد شك بأن الجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينيين هي جرائم مكتملة الأركان والانضمام الى ميثاق روما سيسمح لكل الضحايا الفلسطينيين بمحاكمة الإسرائيليين. وأكد أن  ذلك سيزيد من حصار اسرائيل على الساحة الدولية ويعمق أزمتها .

وأشار عبدو إلى أن إسرائيل تستعد من هذه اللحظة للمواجهة، وبين أنها تحرك قضايا داخلية وتقوم بعمليات تحقيق مع الجيش تجاه ما جرى في غزة وكل ذلك هو استعداد للمحكمة وتقدير لحجم المخاطر التي يمكن ان تواجهها في الفترة  القادمة. قال :" نحن ننتظر معركة لا تقل شراسة عن المعركة السياسية وهي المعركة القانونية مع دولة الاحتلال ."

لكن المحلل السياسي أبو عامر يرى أنه طالما هناك فيتو أمريكي يحمي الاسرائيليين بالتزامن مع إسناد دولي كبير قد لا يهتمون كثيراً لهذه الدعاوى القضائية. ويعتبر أن تلك الدعوات إذا ماقدمت قد تأخذ أبعاداً ميدانية حقيقية وهو ما يضع علامة استفهام حول مدى قدرة اسرائيل في الدفاع عن نفسها في المرحلة القادمة .

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إنها تعارض بشدة خطوة المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق أولي في جرائم حرب محتملة على الاراضي الفلسطينية، وتدفع الولايات المتحدة بأن فلسطين ليست دولة ومن ثم فليس من حقها الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وقال جيف راتكي المتحدث باسم الخارجية الأمريكية "نعارض بقوة عمل ممثلي ادعاء المحكمة الجنائية الدولية. مكان حل الخلافات بين الطرفين (الفلسطيني والاسرائيلي) من خلال المفاوضات المباشرة وليس من خلال تصرفات فردية من أي من الجانبين."

ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التحقيق بأنه مثير "للغضب".وقال في بيان مكتوب "ترفض إسرائيل تماما إعلان الادعاء بالمحكمة الجنائية الدولية عن فتح تحقيق أولي استنادا الى طلب مثير للغضب من السلطة الفلسطينية."

وذكرت مواقع اعلامية عبرية ان نتنياهو هاتف وزير الخارجية الأمريكي جون كيري وطلب منه التدخل لوقف بدء تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في احتمال وقوع جرائم حرب على الارضي الفلسطينية.

تقرير | سلطان ناصر ونور نطط

المصدر: غزة – وكالة قدس نت للأنباء -