حمل الثلاثيني شادي قديح مطرقةً صغيرة بيده، وبدأ يدق بها بقوة القضيب الحديدي الذي يُمسكه بيده الأخرى، كي يُثبته في الأرض، كواحد من القضبان الأساسية لتثبيت الخيمة المُترهلة التي تسلمها من قبل وزارة الأشغال والإسكان العامة قبل أيام بديلاً عن منزله المُدمر في حي الفراحين شرق بلدة عبسان الكبيرة شرق خان يونس.
ويعاون قديح أبنائه في رفع وتثبيت الخيمة، وبدا عليهم علامات التعب والإرهاق وهم يحملون الخيمة الثقيلة، والتي تفوح منها روائح نتنه، نتيجة تخزينها لفترةٍ طويلة وتعرضها للعفن، بعد تساقط مياه الأمطار عليها، ويشعر بألم شديد وهو ينظر لمنزله المُدمر المجاور الذي كان يهنأ فيه وأسرته، والخيمة التي تسلمها كتعويض..!
ويقول قديح لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء": "عندما بدأت الحرب، المنطقة التي نعيش فيها منطقة خطرة، فاضطررنا خوفًا على حياتنا للخروج منها، خاصة مع بدء العملية البرية واشتداد القصف، وبعد انتهاء العدوان عدنا للمنطقة، وجدت الحي الذي نعيش به ومنزلي من بينهم مُدمر بالكامل".
ويضيف "منزلي عبارة عن (فيلا) مساحتها 150مترًا، ويعيش بها سبعة أفراد من أسرتي، وبعد أن تدمرت عانينا الآمرين، حتى وجدنا مسكن بالإيجار، وبعد طول انتظار، تسلمنا خيمة لا تزيد مساحتها عن أربعة أمتار، لا تقي من البرد والمطر، ولا تتسع لنا، عدا ذلك مُتعفنة ومهترئة..!".
ويتابع قديح "أخر شيء توقعته انه نتسلم خيام، وليست أي خيام بل خيام متعفنة، بدلاُ من تسليمنا منازلنا المُدمرة"، معبرًا عن استيائه مما أسماه (الاستخفاف بمشاعرهم) ومعاناتهم التي لا حصر لها، وعدم الاهتمام من قبل الجهات المختصة وتهميشهم من قبلها، وعدم التعاطي مع مأساتهم بحجم ما قدموه من تضحيات.
ولا يختلف حال قديح عن حال جاره العشريني أحمد أبو دقة، والذي يقول لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "كان لنا منزلنا هنا مكون من ثلاثة طوابق، كل طابق شقتين، تعرض للتدمير الكُلي، ومنذ تدميره ونحن نعيش مشتتين، كل واحد منا بمكان مستأجر شقة".
ويلفت أبو دقة إلى أنهم يعيشون مأساة، جراء ذلك، ولم يجدوا من يقف معهم، بقدر وحجم ما قدموه من تضحيات، وتساءل لماذا يتم معاقبة أهل غزة؟ لماذا الكل يتأمر عليها وعلى من يعيش فيها؟، لماذا تأخر الإعمار وأقحمت معاناتنا في الخلافات؟ نحن ما ذنبنا أن نعيش كل هذا الذل والألم والمعاناة..".
ويتابع "في نهاية المطاف يأتون بخيام لنعيش فيها، وليست أي خيام، بل خيام متعفنة، وعلى ما يبدوا أنها كانت ملقاة بالخلاء"، مشددًا على أنهم يريدون التعجيل في الإعمار، والعمل على التخفيف من معاناتهم وإنهاء مأساتهم المتفاقمة يوميًا على وقع التهميش والنسيان من قبل المسؤولين".
أما الأربعينية عواطف قديح، والتي وضعت خيمتها البالية بجوار منزلها المُدمر، وجلست متكئة بجوارها تبكي بحرقة، بعدما شعرت بالخُذلان، في أعقاب تسلمها للخيمة، بدلاً من أن تأتي الجهات المختصة وتقف بجوارها وتعزز صمودها، وتأوي أسرتها التي عاشت مشتتة، لحين استقر بها الحال بمنزل أحد الأقرباء المسقوف من الاسبست.
وتقول قديح لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "منذ 18 سنة نعيش بحي الفراحين الحدودي، وعندما بدأت الحرب خرجنا لمكان أمنّ، وعدنا وجدنا منزلنا مُدمر، وعانينا حتى وجدنا منزل، لا يقي من برد الشتاء، وفي نهاية المطاف تسلمنا هذه الخيمة التي لا يقبل أحد العيش بها، مع شكرنا لعُمان وكل الدول الوجهات التي وقفت معنا".
وتضيف "عشنا كرماء وسنبقى، لكننا نتعرض للذل بعد هدم منازلنا، فكل شيء أصبح واسطة، خيمة نقبل بها، منزل مدمر قبلنا به وطلبنا العوض من الله عز وجل، لكن التهميش الذي نمر به، والذُل حتى في طلب كباش لنقل الرُكام لا نجده..!".
وتساءلت قديح "ما هو ذنبنا أن نعيش تلك المعاناة والمأساة، ونصاب بأمراض من كثرة الهم، ونحن ننظر بحسرة لوضعنا الحالي، على الرغم من تأكيدنا بأننا مع شعبنا والمقاومة، لكن لا يقف أحد معنا، ولا أحد يهتم للذل الذي نعيشه، وكرامتنا التي تُهان..".
