لا ينسى من كان ضمن حشد المحتجين في أثينا، لإدانة عدوان إسرائيلي كان متواصلاً على قطاع غزة، ذلك اليوم من تموز الماضي. حينها جاء أليكسيس تسيبراس بالأضواء التي تتبعه، كزعيم للمعارضة، مصراً على أن يتقدم تظاهرة المنددين بجرائم الحرب الإسرائيلية. تقدّمت منه ثلة من المنظمين، ووضعوا حول عنقه الكوفية الفلسطينية. كانت الألفة حاضرة دائماً بينهم، فالمناصرون للقضية الفلسطينية في اليونان يعرفونه جيداً، ولا يتردّدون في إلباسه ما بات يشكل أشهر رموزهم.
الآن صار تسيبراس رئيساً للوزراء، بعدما قاد حزبه إلى فوز تاريخي في الانتخابات الأخيرة. تتوجه الأنظار إلى برنامج حكومته الذي ستعلنه أمام البرلمان، في الأيام المقبلة، لمعرفة الخطوط العامة لسياستها الخارجية.
في هذا السياق، يكشف أحد الموجودين في دائرة تسيبراس لصحيفة "السفير" اللبنانية أن "الاعتراف بدولة فلسطين سيكون نقطة أساسية في برنامج الحكومة للسياسة الخارجية"، معلقاً على ذلك بالقول "أنا متأكد من ذلك". يلفت إلى أن رئيس الوزراء "لطالما كان يتخذ موقفاً متقدماً في دعم القضية الفلسطينية"، قبل أن يخلص إلى أنه "لذلك، فالاعتراف سيكون ترجمة لنهج طويل كان تسيبراس وحزبه يُصرّان عليه".
من شهد قيادة تسيبراس لتظاهرة المنددين بعدوان غزة، يتذكر أيضاً محطات أخرى لا تقل أهمية ولا صراحة. على أرصفة ميناء بيرايوس، كان السياسي الشاب يكرّس موقف المتظاهرين من الصراع، ملوحاً بيديه وهو في مقدمة مودعي السفينة اليونانية التي شاركت في أسطول "الحرية" لفك الحصار عن القطاع. كان ذلك أواسط العام 2010، وحينها أرسل الناشطون اليونانيون سفينة مساعدات حملت كراسي متحركة ومواد بناء وأدوية، كما سافر بعضهم على متن سفينة ركاب صغيرة.
كانت اليونان وقتها في قلب الضجة العالمية، حينما اعتدت إسرائيل على إحدى سفن الأسطول، سفينة "آفي مرمرة" التركية وقتلت ناشطين فوقها. احتجزت سلطات الاحتلال أيضاً السفينة اليونانية، وتقول أوساط تسيبراس إنه مارس ضغوطاً كبيرة على وزارة الخارجية كي تتدخل سريعاً لإطلاق سراح المركب.
على كل حال، تنفي أوساط رئيس الوزراء اليوناني كل ما أشاعته الصحف الإسرائيلية عن مشاركته شخصياً في أسطول الحرية. لكنها في الوقت ذاته، تؤكد أن بعض سياسيي الحزب شاركوا في إحدى سفن أسطول العام 2008، كما أن بينهم من كان في اللجنة التنظيمية التي نسقت عمل الأسطول الثاني.
قضية الاعتراف بدولة فلسطين كانت حاضرة على طاولة تسيبراس، بعد وقت قصير من تولّيه مهام رئاسة الحكومة. مساء يوم الجمعة الماضي، زاره السفير الفلسطيني لدى اليونان مروان طوباسي، ناقلاً إليه رسالة تهنئة خطية من الرئيس الفلسطيني محمود عباس. البيان الذي أصدرته السفارة الفلسطينية بعد اللقاء أشار بوضوح إلى قضية الاعتراف، ناقلاً عن رئيس الحكومة اليونانية الجديد "إصراره على تحقيق الوعود التي قدمها لشعبه ولنا (الجانب الفلسطيني) خلال لقاءاتنا" السابقة، موضحاً أن جانباً من الحديث دار حول "أهمية الاعتراف اليوناني المنتظر بدولة فلسطين".
ومن أبرز ما نقله البيان الفلسطيني عن تسيبراس، تأكيده "تأييد نضال شعبنا من أجل إنهاء الاحتلال وحقوق شعبنا التاريخية وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية".
تبنّي حكومة اليونان الجديدة لقضية الاعتراف، هو أمر تؤكده خلال حديث إلى "السفير" السياسية صوفيا ساكورافا، العضوة البارزة في حزب "سيريزا" والنائبة الأوروبية عنه في البرلمان الأوروبي. تؤكد ساكورافا مضمون الموقف الذي نقلته سفارة فلسطين. التقت تسيبراس قبل أيام، وتلفت إلى أنه "ملتزم بما وعد بتنفيذه في السياسة الخارجية، بما في ذلك الاعتراف بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية".
وحول مجمل موقف حزبها، تنقل البرلمانية العضو في لجنة الشؤون الخارجية الأوروبية إدانة واضحة لسياسة الاحتلال الإسرائيلي. تقول إنه "في الوقت الذي نؤكد فيه حق إسرائيل بالوجود بحدود آمنة، على هذه الدولة أن تحترم قرارات الشرعية الدولية، وأن تلتزم بالقوانين الدولية التي تحدد معالم سلوك دولة الاحتلال، وفق معايير إنسانية وأخلاقية تكفل الحفاظ على كرامة الشعب الخاضع للاحتلال والحفاظ على تراثه ومعالم جغرافيته وحضارته". هذا قبل أن تشير إلى أن "إسرائيل ما زالت تصر على التنكر لكل ما ذكرت، وتعتبر نفسها أكبر من كل القوانين والأعراف الدولية".
معظم المعلقين أشاروا إلى أن تسيبراس وحزبه سيكونون غارقين تماماً في أولوية معالجة الوضع الاقتصادي الصعب، خصوصاً وهم في معركة شرسة مع برلين وبروكسل للخروج من شروط الإنقاذ وشطب نصف الديون الهائلة. لكن وزير الخارجية الجديد نيكوس كوتزياس كان مصراً على أن تلك الهموم لن تجعل صوت اليونان منخفضاً على مسرح السياسة الخارجية الأوروبية، إذ شدد على أنه سيدافع عن "حق بلد صغير ويعيش أزمة عميقة في أن يرفع صوته".
حينما سألت "السفير" المتحدث باسم وزارة الخارجية اليونانية كونستانتينيوس كورتاس عن الموقف الرسمي من قضية الاعتراف بدولة فلسطين، فضّل التريث في التعليق حتى تعلن الحكومة برنامجها أمام البرلمان بعد أيام. قال إن ذلك يشكل "قضية رئيسة"، مبيناً أن "اليونان كانت دائماً تقف لمصلحة حقوق الفلسطينيين، لكن علينا الانتظار الآن حتى تعلن الحكومة برنامجها".
من بين القضايا التي سبق لحزب "سيريزا" إعلانها، كجزء من سياسته الخارجية، هي قطع العلاقات العسكرية بين اليونان وإسرائيل. برغم عدم التفصيل في ذلك، لكن ساكورافا تلفت إلى أن تطبيق هذا البند لن يكون "تحاملاً" على حكومة الاحتلال.
تقول السياسية في الحزب إن مبدأ الالتزام بتطبيق القوانين الدولية، التي تنكرها إسرائيل، يوجب على "حكومة سيريزا وكافة الحكومات الأوروبية" أن "تحظر بيع أي نوع من الأسلحة، أو إبرام أي اتفاقية تعاون عسكري أو إجراء أية مناورات عسكرية مع الدول التي تحتل دولاً أخرى، وتمارس العنف والقتل وترتكب جرائم حرب بحق الشعوب الخاضعة للاحتلال"، قبل أن تضيف: "وبالتالي نحن لسنا متحاملين على إسرائيل بقدر ما نحن حريصون على استقرار المنطقة بكاملها".
أوساط رئيس الوزراء اليوناني تلفت إلى أن وزارة الدفاع الجديدة فيها مسؤولون من الخط المناوئ للتعاون مع إسرائيل. صحيح أن الوزير هو بانوس كامينوس، رئيس حزب "اليونانيين المستقلين" (اليمين الوسطي) الشريك في الحكومة، لكن نائبه الأول هو كوستاس إيسيخوس، المقرب من تسيبراس، وهو المسؤول عن عقود الجيش وتسليحه.
إثارة الجدل ليست أمراً غريباً على شخصية إيسيخوس. حتى الآن تذكر الصحف الغربية مواقفه العام الماضي، حينما كان متحدثاً باسم "سيريزا" للسياسة الخارجية، ولا سيما إشادته الطنانة بـ "الهجمات المضادة المثيرة للإعجاب" التي نفذها الانفصاليون الأوكرانيون المدعومون من روسيا.
العارفون بالرجل يذكرون أنه مسؤول سابق في الحزب الشيوعي، ومطلع عن قرب على أزمات الجوار المتوسطي. وتلفت المصادر إلى أنه زار قبل عامين دمشق، حينما كان عضواً في اللجنة المركزية لـ "سيريزا". التقى هناك مسؤولين سوريين، بالإضافة إلى بعض قادة الفصائل الفلسطينية التي لا تزال مقيمة في العاصمة السورية.
هذا السياق يأخذ مباشرة إلى الحديث عن موقف "سيريزا" من الحرب السورية. تقول المصادر إن هناك آراء مختلفة بين أجنحة الحزب، فهو تكتل من أحزاب اليسار الراديكالي، لكن الرؤية التي يتفقون عليها هي أن "النظام السوري لم يكن يوماً ديموقراطياً، ويجب دعم الشعب المطالب بالتغيير، لكن التطورات حولت ما جرى إلى صراع مسلح وحرب هدفها تدمير سوريا".
تقرير/ وسيم ابراهيم
