آيزنكوت رئيساً للأركان في إسرائيل

تولى أمس الجنرال غادي آيزنكوت رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي خلفا لبني غانتس الذي أنهى رسميا مهام منصبه.
وواضح أن تعيينه يرمز إلى تغييرات جوهرية في الجيش والمجتمع الإسرائيليين، إذ أنه وخلافا لإيحاءات اسمه الغربية، فهو من أصول مغربية. وآيزنكوت، الذي حاول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو حتى اللحظة الأخيرة استبعاده عن هذا المنصب الرفيع، هو أول رئيس أركان للجيش الإسرائيلي من أصول مغربية.
ومن بين ما حمل آيزنكوت إلى جانب كونه أول رئيس أركان من أصل مغربي فإنه رئيس الأركان الأكبر سناً في تاريخ الجيش الإسرائيلي، فهو يبلغ من العمر 54 عاماً، في حين سبق أن قاد الجيش الإسرائيلي في عقده الأول رؤساء أركان مثل يجئال يادين في الـ 32 من عمره، وموشي ديان في الـ 39 من عمره.
ومعروف أن الجيش الإسرائيلي يمنح تقاعداً كاملاً لمن خدم 30 عاماً في الإطار العسكري، ما يعني أن آيزنكوت تخطى زمن التقاعد بسبع سنوات. لكن ربما أن هذه المسألة تعود إلى حاجة الجيش الإسرائيلي مؤخرا إلى نضج في رئاسة الأركان يكبح التطلعات الصبيانية لبعض قادة السياسة.
وكتب المعلق العسكري لـ "يديعوت احرونوت" أليكس فيشمان أن "رئيس الأركان الحادي والعشرين الجنرال غادي آيزنكوت يبدأ هذا اليوم مهمته الصعبة بشكل خاص. فهو يدخل إلى منصبه في فترة انتخابات عاصفة، مليئة بالأسافين، وبينها الأسافين الأمنية التي زرعت الهلع في نفوس الجمهور. وسوف يمر شهران إلى أن تقوم حكومة جديدة في إسرائيل، ويتولى مجلس وزاري مصغر (الكابينت) ويتسلم المهام. غير أن الشرق الأوسط لن ينتظر قيام حكومة جديدة في إسرائيل، وأحيانا هناك من يتوجب عليه البقاء مستيقظاً طول الليل، ويتفحص جميع المواقع في الدولة".
كما أن المعلق العسكري للقناة العاشرة، ألون بن دافيد كتب أن التحدي الأكبر لآيزنكوت "سيكون أمام المسؤولين عنه. في منتصف فترة ولايته حظي غانتس بالخدمة تحت قيادة وزير دفاع موضوعي وحكيم استطاع معه صد الأقوال المعربدة في المجلس الوزاري. لست متأكدا من أن آيزنكوت سيحظى بوزير للدفاع كهذا، لذلك فان قدرته على مواجهة المسؤولين عنه سيكون لها تداعيات إستراتيجية. في هذا المجال يوجد لآيزنكوت سجل مؤثر. فمنذ كان قائداً لسرية، وحتى في وظائف قيادة المناطق، أثبت مرة تلو الأخرى أنه لا يخاف من هم في السلطة، ويعرف كيف يتمسك برأيه".
وقبيل تولي آيزنكوت مهام رئاسة الأركان رسميا عقد في مقر رئاسة الحكومة الإسرائيلية حفل منحه رتبة فريق (راف ألوف)، وهي أعلى رتبة في الجيش الإسرائيلي ليغدو رئيس الأركان الحادي والعشرين. وفور هذا الترفيع يتحول رئيس الأركان المنصرف الجنرال بني غانتس، إلى حامل رتبة فريق احتياط، لأن أنظمة الجيش الإسرائيلي لا تحتمل وجود اثنين يحملان في الوقت نفسه رتبة فريق عامل.
وقال نتنياهو، خلال حفل تسلم آيزنكوت رئاسة الأركان، إن "السنوات الأربع المقبلة ستكون أصعب بكثير من السنوات الأربع السابقة التي مرت" تحت قيادة غانتس. وأضاف "الشرق الأوسط يتداعى، والدول تتفكك، وفي هذا الفراغ تزدهر إمبراطورية إيران التي تطمح إلى الحصول على السلاح النووي". وتحدث عن "قوى الإسلام المتشدد التي تتغلغل في كل صدع في الشرق الأوسط".
ويحمل آيزنكوت على كتفه إرث 37 عاماً من الخدمة العسكرية، بدأت بتجنيده الإلزامي وهو في سن الـ18 في العام 1978 حينما التحق بلواء "جولاني". ويعتبر آيزنكوت ثالث رئيس أركان يصل إلى المنصب بعد أن قاد لواء "جولاني"، وهي مسألة مهمة في إطار التنافس بين فرق وألوية الجيش.
ومنذ تولي آيزنكوت قيادة كتيبة "جدعون" في لواء "جولاني"، بين العامين 1988 و1990، شق طريقه نحو مناصب أعلى ليصل إلى رئاسة الأركان. فقد تولى بعد ذلك منصب نائب قائد لواء "جولاني" قبل أن يرفع ويغدو ضابط عمليات قيادة الجبهة الشمالية. وبعدها تولى قيادة لواء "كرملي"، ثم قيادة لواء "إفرايم"، ليعود بعدها ويتولى قيادة اللواء الذي نشأ فيه، "جولاني". وبعدها اختاره أرييل شارون ليكون السكرتير العسكري لرئيس الحكومة إلى أن عاد ليقود فرقة "مسار النار" ثم فيلق الضفة الغربية. وفي العام 2005 انضم للمرة الأولى إلى هيئة الأركان العامة، وغدا قائدا لشعبة العمليات، وبعدها قائدا للجبهة الشمالية ونائبا لرئيس الأركان. ومن الشائع أنه رفض عرضا لتولي رئاسة الأركان بدلا من بني غانتس، مشيراً إلى أن غانتس أفضل منه للمنصب.
ومن الجلي أن آيزنكوت، رغم توليه مناصب رفيعة مختلفة في الجيش، إلا أن الكثيرين يجهلون حقيقته. وصدمت إسرائيليين كثرا معرفة أن اسم آيزنكوت ليس اسما اشكينازيا، كما ظنوا للوهلة الأولى، وأنه اسم بربري مغربي. ويقر الكثير من معارفه بأن "الجمهور لا يعرفه حقاً رغم أنه لامس كل زاوية في الجيش". فقد ولد آيزنكوت في العام 1960 في طبرية، وترعرع في إيلات، ما قاده في بداية حياته إلى تعلم مهنة ميكانيكي بحري. ولكن بعد أن دخل الجيش وتطور فيه، نال رتبة ملازم حيث خدم تحت إمرة سلفه في رئاسة الأركان وصديقه لاحقاً غابي أشكنازي الذي كان حينها قائدا للكتيبة 51 في لواء "جولاني". وخدم الاثنان في حرب لبنان الأولى، حيث كان آيزنكوت قائدا لسرية الإسناد في كتيبة أشكنازي.
وللبنان صلة مهمة بآيزنكوت، ليس فقط لأنه خدم في حربها الأولى ضابطاً صغيراً، وشارك في احتلال قلعة الشقيف، ولا لأنه خدم في لواء "جولاني" أثناء الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني، وإنما لدوره في حرب لبنان الثانية في العام 2006. فقد كان آيزنكوت بين أقرب المقربين لجنرال تلك الحرب دان حلوتس، وكان رئيساً لشعبة العمليات. ومع ذلك يعتبر آيزنكوت من القلائل الذين نجوا من عواقب الفشل الإسرائيلي في تلك الحرب، ولم ينل مصيراً سيئاً مثلهم، سواء بالطرد أو الإقالة أو الاستقالة. فقد قيل أنه اختلف مع قائده في العديد من الخطوات الميدانية في تلك الحرب. ومع ذلك يعتبر آيزنكوت أول من عبر صراحة وبوضوح عن "عقيدة الضاحية"، التي كانت خلف مشاهد الدمار الواسع في الضاحية الجنوبية، والتي أريد من خلالها ترسيخ نظرية ردع جديدة. ومعروف أن هذه النظرية تقول أنه مقابل كل إصابة لبيت في إسرائيل ستدمر في البلد المقاصد عدة أبراج سكنية، ومقابل كل صاروخ يسقط على إسرائيل سيكون الرد بعشرات الصواريخ. وفي كل حال فإنه في هيئة الأركان الحالية يعتبر آيزنكوت "الخبير الأبرز في شؤون لبنان".
ورغم أن لآيزنكوت في لبنان تاريخا طويلا من العمليات الهجومية، إلا أن رئيس شعبة الاستخبارات الأسبق الجنرال أوري ساغي قال إن إحدى أبرز مزايا رئيس الأركان الجديد قدرته على معرفة متى يمتنع عن استخدام القوة، حين يتطلب الأمر ذلك. واستذكر فترة عملهما المشترك، هو كرئيس لطاقم المفاوضات مع سوريا وآيزنكوت كسكرتير عسكري لرئيس الحكومة. وخلص إلى "أنني أقدر جداً مهنيته، وواقع أنه رجل كتاب، ويحب الكتابة، التعلم وفضولي دائماً. وهو لم يطمح أبداً لدور الزعيم، ولم يحاول أبداً أن يثير الانطباع، وهو لذلك شخص يستحق التقدير. وهو خبير جداً في إعداد القوة العسكرية. أنا مقتنع أنه لن يكون رئيس أركان مغامرا. لقد دخل الامتحان وأتمنى له نجاحاً كبيراً".

كتب حلمي موسى لصحيفة "السفير" اللبنانية

المصدر: القدس المحتلة - وكالة قدس نت للأنباء -