قرر المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية (البرلمان المصغر)، في ختام أعماله في رام الله ليل الخميس - الجمعة تحميل إسرائيل "مسؤولياتها كافة" تجاه الشعب الفلسطيني "كسلطة احتلال"، ووقف التنسيق الأمني، واضعاً السلطة على أعتاب مرحلة جديدة.
واوضح مسؤولون فلسطينيون لصحيفة "الحياة" اللندنية ان القرارات التي اتخذها المجلس وضعت السلطة أمام ثلاثة خيارات هي: الإقدام على وقف التنسيق الأمني فوراً والمخاطرة بحدوث مواجهة سياسية ينتج عنها تدهور خطير في العلاقات ربما يقود الى انهيار السلطة، او استخدام هذه القرارات ورقة للضغط على اسرائيل للتراجع عن خطواتها الأخيرة، ومنها تجميد أموال السلطة، او بقاء الوضع الراهن على حاله من دون تغيير لفترة من الوقت.
وقال مسؤول رفيع: "وضع المجلس مصير التنسيق الامني في جيب الرئيس محمود عباس (أبو مازن) الذي سيحمله الى الادارة الاميركية واسرائيل، قائلاً: "افرجوا عن الاموال، وإلا فإني مضطر، بضغط من الشعب ومؤسساته السياسية، لوقف التنسيق الأمني".
وقال المسؤولون إن الرئيس عباس لن يتخذ أي خطوة في اتجاه تطبيق هذه القرارات قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في 17 الشهر الجاري. وأوضح أحد المسؤولين: "في حال فوز المعارضة التي تمثل الوسط واليسار، فإن الرئيس عباس سيكون منفتحاً على إجراء مفاوضات مع حكومة جديدة تقبل وقف الاستيطان وإطلاق أسرى ما قبل اتفاق أوسلو، اما في حال عودة اليمين بقيادة بنيامين نتانياهو، فإن الرئيس سيطلب استئناف تحويل اموال الجمارك، وفي حال رفض طلبه، فإنه حتماً سيعلن وقف التنسيق الأمني".
ويتوقع ان يؤدي وقف التنسيق الأمني الى انهيار تدريجي في منظومة العلاقات الفلسطينية - الاسرائيلية التي حددتها اتفاقات اوسلو عام 1993 وملحقاتها، وصولاً الى انهيار السلطة التي أنشئت بموجب تلك الاتفاقات او تغيير وظائفها من سلطة سياسية تسعى الى التحول الى دولة، الى سلطة خدمات شبيهة بالخدمات البلدية.
واستبقت اسرائيل اجتماعات المجلس المركزي بإجراء مناورات عسكرية واسعة في الضفة الغربية شارك فيها 15 ألف جندي. وقال عباس في خطاب له امام المجلس المركزي ان المناورات الاسرائيلية هدفت الى التلويح باستخدام القوة، مضيفاً ان الجانب الفلسطيني لن يرد على التهديدات والممارسات الاسرائيلية بالعنف "لأنه لا قبل لنا بالطائرات والدبابات". وتابع ان الرد الفلسطيني سيكون عبر المقاومة الشعبية التي قال انها "الطريق الوحيدة" امام الشعب الفلسطيني.
وقال مسؤول رفيع مقرب من الرئيس عباس: "انضمام فلسطين الى المحكمة الجنائية الدولية يشكل نقطة تحول تاريخية في العلاقة مع اسرائيل". وأضاف: "ابتداء من مطلع نيسان (أبريل) المقبل، وهو موعد حصول فلسطين على عضوية محكمة الجنايات الدولية، سيكون بمقدور اي فلسطيني او اي منظمة غير حكومية فلسطينية او اجنبية رفع دعاوى على مسؤولين اسرائيليين امام المحكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب". وتابع: "بالتأكيد لن تقف اسرائيل صامتة، وسترد بإجراءات ضد السلطة وضد الشعب الفلسطيني، ما يؤدي الى حدوث المواجهة".
وقال عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الدكتور صائب عريقات لـ "الحياة": "القرارات التي اتخذها المجلس المركزي ترمي الى تصويب العلاقة مع اسرائيل". وأضاف: "اسرائيل تنكرت للاتفاقات الموقعة بين الجانبين، واستباحت مناطق السلطة الفلسطينية، واحتجزت اموال الشعب الفلسطيني، وتواصل الاستيطان وتهويد القدس، وتريد من الجانب الفلسطيني ان يفي بالتزاماته؟".
وأكد ان الجانب الفلسطيني لن يتمسك باتفاقات تنتهكها اسرائيل كل يوم، مشيراً الى ان المرحلة المقبلة ستشهد تغييراً وصفه بـ"التاريخي" في العلاقة بين السلطة الفلسطينية وسلطة الاحتلال الاسرائيلي.
ومن غير المستبعد ان تسعى اسرائيل الى اعادة السيطرة على السلطة وربط جهاز الخدمات الفلسطيني بالادارة المدنية الاسرائيلية، ومحاولة تكريس الحكم الذاتي للسكان في الضفة كحل سياسي دائم، الامر الذي سيرفضه الفلسطينيون وسيقاومونه، ما يدخل الصراع في مرحلة جديدة.
نص القرارات
وجاء في قرار المجلس المركزي: "في ضوء مواصلة الاستيطان غير الشرعي وفقاً للقانون الدولي، ورفض إسرائيل ترسيم حدود الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وتنكرها لقرارات الشرعية الدولية والاتفاقات الموقعة، إضافة إلى رفضها الإفراج عن الأسرى، وحجز وقرصنة أموال الشعب الفلسطيني وتصعيد الاعتداءات والاغتيالات والاقتحامات واستمرار حصار قطاع غزة، فإن المجلس المركزي يقرر ما يلي:
- تحميل سلطة الاحتلال (إسرائيل) مسؤولياتها كافة تجاه الشعب الفلسطيني في دولة فلسطين المحتلة كسلطة احتلال وفقاً للقانون الدولي.
- وقف التنسيق الأمني بأشكاله كافة مع سلطة الاحتلال الإسرائيلي في ضوء عدم التزامها الاتفاقات الموقعة بين الجانبين.
- التأكيد على ان أي قرار جديد في مجلس الامن يجب ان يضمن تجديد التزام قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، وبما يضمن تحديد سقف زمني لإنهاء الاحتلال وتمكين دولة فلسطين من ممارسة سيادتها على ارضها المحتلة عام 1967، بما فيها العاصمة القدس، وحل قضية اللاجئين وفقاً للقرار الرقم 194، على ان يتم ذلك تحت مظلة مؤتمر دولي تشارك فيه الدول دائمة العضوية ودول "البريكس" ودول عربية، وتتولى اللجنة التنفيذية العمل مع اللجنة العربية لتحقيق ذلك.
وكان المجلس المركزي الذي يمثل أعلى سلطة تشريعية في منظمة التحرير بين دورات المجلس الوطني، قرر في دورته السابقة "وجوب تحديد العلاقة مع إسرائيل، ومتابعة انضمام دولة فلسطين للمؤسسات والمواثيق الدولية، وتعزيز علاقاتنا العربية والدولية بما يشمل الحصول على اعتراف الدول التي لم تعترف بعد بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران (يونيو) عام 1967 وبعاصمتها القدس الشرقية، وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، وتطبيق ميثاق جنيف الرابع لعام 1949 على أراضي دولة فلسطين المحتلة.
وقال مسؤول رفيع ان الرئيس عباس دعا المجلس المركزي للانعقاد ليوجه رسائل واضحة الى الجانبين الاميركي والاسرائيلي مفادها "انني محكوم بمؤسسات الشعب الفلسطيني، وليس الشعب الفلسطيني محكوم مني". وأضاف: "ليس سراً ان هناك ضغوطاً اميركية كبيرة على الرئيس عباس، لذلك اراد ان يقول لهم: هذا ما قرره ممثلو الشعب الفلسطيني ولن استطيع التراجع عنه".
إسرائيل: التنسيق مستمر في هذه المرحلة
أكدت إسرائيل أن التنسيق الأمني والمدني مع السلطة الفلسطينية مستمر في هذه المرحلة. ونقلت الإذاعة العبرية عما أسمته مصدراً مقرباً من الرئيس محمود عباس، قوله إن قرار المجلس المركزي ما هو إلا توصية، وإن على الرئيس عباس إصدار مرسوم رئاسي بوقف التنسيق الأمني.
