وجدت ثلة من الفتيات من ذوي الإعاقة السمعية "الصم"، والإعاقة البصرية "مكفوفات"، طريقهن نحو حفظ كتاب الله "القرآن الكريم" حتى غدت حركاتهم وسكناتهم إيمانية خالصة لله تعالي، ضمن مخيمي "بالقرآن نسمو" و"نحو النور" اللذان أطلقتهما جمعية دار القرآن الكريم والسنة في مدينة غزة للعام الثالث على التوالي.
ولكل فئة منهما طريقة خاصة في تعلم حفظ القرآن الكريم وتفسيره، فطريقة "لغة الإشارة" أفردت إلى الفتيات الصم اللواتي جلسن بحلقة دائرية داخل فصل ساده الهدوء التام.
إشارة الفاتحة
لم تتجاوز الثانية الواحد الإشارة التي قامت بها، زهراء حمد (16) عاماً، إحدى الفتيات الصم، حينما وضعت يدها على فمها ورفعت إبهامها إلى اعلى في إشارة إلى سورة "الفاتحة " كما أوضحت لنا مدرسة لغة الإشارة مرفت صيام، والتي عبرت في نفس الوقت من خلال تعابير وجهها عن سعادتها في تعلم حفظ القرآن الكريم.
تشرح مدرسة الإشارة مرفت صيام (30) عاماً، الطريقة التي تعتمدها في تحفظ الفتيات القرآن الكريم، والتي تبدأ أولا بالتمهيد من خلال إعطاء الفتيات معلومات عن عدد سور وآيات وأجزاء القرآن الكريم ثم الانتقال إلى التحفيظ بالبدء من جزء "عم" وذلك من خلال عرض مقطع فيديو تعليمي يبث عبر شاشة عرض "LCD" امام الفتيات يظهر به شخص يقوم بشرح القرآن بلغة الإشارة بالإضافة إلى كتابة السورة على السبورة أمام الفتيات.
تقول المدرسة صيام في حديث لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء"، "كل كلمة في القرآن الكريم لها إشارة ولها تفسير بالإشارة، نحن نعمد على توصيل ذلك إلى الفتيات بالطريقة السابقة حتى يتمكنوا من حفظ القرآن".
وتضيف "هؤلاء الفتيات هم طالبات في المرحلة الثانوية يدرسن المنهاج الحكومي في مدرسة "مصطفى الرافعي" للصم بغزة " فهن متعلمات، ولذلك لا اشعر بتحديات بتحفيظهن القرآن الكريم"، مشيرة إلى ان هناك تفاوت بين الفتيات في حفظ الأجزاء فمنهم من تحفظ أكثر من سبعة أجزاء من القرآن.
وتستخدم الفتيات الصم، حركة اليدين والأصابع لتوضيح الأرقام والحروف، وحركة الوجه لنقل المشاعر وتكون مقترن بحركات اليدين في أوقات، وحركة الجسم لتوضيح بعض الإشارات مثال كالأكتاف أو جوانب الرأس أو الصدر والبطن في استعمال إيحائى لتوضيح الرغبات والمعاني للتعبير عن الذات.
كفيفة حافظة لكتاب الله
الفتاة سهيل أبو شحمة (17) عاماً الحافظة لكتاب الله تعالي كاملاً، إحدى الفتيات الكفيفات المنتسبات لمخيم "بنور نسمو" في جمعية دار القرآن الكريم والسنة، والتي بدأت مشوارها بحفظ القرآن وهي في عمر السبع سنوات.
وتسرد سهيل وهي من سكان مدينة خان يونس وكانت في زيارة إلى المقر الرئيسي لجمعة دار القرآن بغزة، رحلتها في حفظ القرآن الكريم، والتي ابتدأتها وهي في المرحلة الابتدائية، إذا تقول "كنت أحفظ السور القصيرة من القرآن وقد واجهت صعوبات كبيرة في البداية".
وتضيف في حديث لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء"، "للأسف لم القى اهتماما إلا في صف السابع الابتدائي، بدأت أحفظ بتركيز وتشجيع من أمي حتى من علي الله بحفظه كاملاً وكنت في حينها بالصف التاسع الإعدادي".
وانضمت سهيل منذ صغرها إلى جمعية "إقرأ" لتحفيظ القرآن، ثم بعدها إلى جمعة دار القرآن الكريم والسنة، والتي وجدت ضالتها بها بعدما حصلت على نسخة من القرآن الكريم مكتوب بطريقة "برايل"، مضيفة "أول عشرة أجزاء حفظتهم عن طريق السمع والتلقين بمساعدة والدتي".
لم تجد سهيل والتي أبصرت الحياة بنور قلبها، صعوبة في تعلم وحفظ القران بطريقة "برايل" إذا أنها تعرفت على طريقة برايل في مرحلة مبكرة من عمرها خلال دراستها "التمهيدي" في مركز النور للمكفوفين.
ليست سهيل الوحيدة في أسرتها التي تحفظ القرآن، فشقيقتها شمس أبو شحمة (12) عاماً، تحفظ من القرآن خمسة أجزاء وعازمة على حفظه كاملاً.
حفظ القرآن بالتجويد
وتقول رانية أبو ستيته محفظة قرآن كريم وسنة نبوية للطالبات المكفوفات، نحفظ الفتيات المكفوفات باستخدام طريقة "برايل" وطريقة "التلقين" يتم فيها قراءة الآية ومن ثم تقوم الطلبات بترديدها والهدف من ذلك هو تلقين الآيات للطالبات في أحكام التجويد.
وكتابة (برايل) تعتمد في الأساس على ست نقاط أساسية ثلاثة على اليمين وثلاثة على اليسار ومن هذه النقاط الست تتشكل جميع الأحرف والاختصارات والرموز، وقد استطاعت دار القرآن الكريم والسنة توفير نسخ من القرآن الكريم مكتوبة بهذه الطريقة لمساعدة المكفوفين على حفظ القرآن والذي يتم من خلاله جعل الكفيف بأن يضع أنامله على كتابة (برايل).
فتيات كفيفات يحفظن الأحاديث والسند
وتضيف أبو ستيتة في حديث لـ "وكالة قدس نت للأنباء"، "يتم تحفيظ الطالبات السنة النبوية الأربعين حديث نووي، بجانب حفظ حصن الفتاة المسلمة والذي يضم مائة حديث".
وتبين: تم تقسيم الأحاديث على مراحل، 50 حديثاً في البداية ثم 50 حديثاً آخر، وكل ذلك عن طريق التلقين، لان هناك صعوبة في نسخ وتصوير الأحاديث بطريقة "برايل"، كما يتم تخصص دورات متعلقة بحفظ السند.
وتقول "يوجد الآن 14 طالبة كفيفة من مختلف الأعمار من سن ( 12 – 25) ولأن الطالبات من ذوى الاحتياجات الخاصة فهم يحتاجون راحة كافية لهم، فقد قسمنا أوقات التحفيظ إلى 6 حصص مخصصة يومياً يتخللها أكثر من استراحة ويبدأ الدوام من الساعة 8 صباحاً حتى الساعة 1 ظهراً.
تعبر الطالبة الكفيفة صفاء البدرساوي، وهي خريجة تنمية القدرات بكالوريس تربية خاصة، الحافظة من كتاب الله ثمانية اجزاء، عن سعادتها الغامرة في الالتحاق بدار الكريم والسنة، إذا تقول فرحة "اليوم امتحنت الجزء الثامن بنجاح".
(700) مركز لتحفيظ القرآن
بدوره يقول منسق مدير المشاريع وتنمية المواهب في دار الكريم والسنة هاني ثريا، "نحن جمعية متخصصة في تعليم تلاوة القرآن الكريم وتحفيظه، وأيضا في تحفيظ السنة النبوية المطهرة، بالإضافة إلى برنامج القراءة والإجازة في السند، وهي جمعية تغطي جميع محافظات قطاع غزة الخمسة، ولدينا أربعة عشر فرعاً منتشراً في قطاع غزة و700 مركز لتحفيظ القران الكريم والسنة النبوية.
(40) ألف حافظ للأحاديث والسند سنوياً
ويضيف أبو ثريا في حديث لـ" وكالة قدس نت للأنباء"، "منتسب لهذه المراكز أكثر من 35 ألف طالب وطالبة من دائرة حلقات التحفيظ، وبالنسبة إلى دائرة القراءات والسند تخرج سنوياً أكثر من 40 ألف طالب وطالبة سواء كانت في التأهيل العالي أو الإجازة للسند".
ويقول "نحن نقوم بمشاريع لبناء المساجد والمراكز الدينية، وكفالة اليتيم وكفالة حفظ القران الكريم للمكفوفين والصم، وتوزيع المصاحف وتوفير بعض المستلزمات التعليمية، والتي تساعد الطلبة وتشجعهم على الانتساب إلى المركز".
وتعتمد دار الكريم والسنة في الأساس على التمويل من أهل الخير من داخل قطاع غزة وخارجه ومؤسسات عديدة كمؤسسة الشيخ عيد للقرآن الكريم والهيئة العالمة لتحفيظ القران الكريم.
احتفال بتخريج كوكبة من حفظة كتاب الله
وأقامت جمعية دار القرآن الكريم والسنة، احتفالا الأسبوع الماضي، بمناسبة تخرج كوكبة من حفظة كتاب الله من فئة الصم والمكفوفين في مخيمات التي أطلقناها قبل ثلاث سنوات ومستمرة، وهما مخيم "نحو النور" لفئة المكفوفين، ومخيم "بالقرآن نسمو" لفئة الصم، لـ 25 طالبة وطالبة.
وقال مدير العلاقات العامة في جمعية دار القران الكريم والسنة إسماعيل عامر، في حديث لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" الطلاب المكفوفين والصم، كانوا معظمهم لا يعرفون شيئاً عن القرآن وعن الإسلام فبدئنا تعليمهم القرآن وجلبنا تسجيل كاملاً للقرآن من دولة الأردن بطريقة مترجم بلغة الإشارة، كما تم تعيين محفظات بلغة الإشارة.
ويؤكد عامر، ان المحفظات التي يتم تعينهم يخضعون لشروط معينة فلا بد ان تتوفر فيهن الصبر والرأفة والحنان لأنهم يتعاملون مع فئات من ذوى الاحتياجات الخاصة ، كما انهم لا بد ان يكونوا من حفظة كتاب الله، مضيفا "نحن أخذنا على عاتقنا تحفيظ كل من أراد من أبناء قطاع غزة القرآن سواء كان من ذوى الاحتياجات الخاصة أو الأصحاء".
تقرير مراسل"وكالة قدس نت للأنباء" طارق الزعنون
