شكّلت نتائج الانتخابات الإسرائيلية صدمة لوسائل الإعلام والمعلّقين والمراقبين، على وجه الخصوص. وما خفّف الوطأة قليلاً هو أنّ نتائج عيّنات التلفزيون في القنوات الثلاث، أتاحت للجمهور والأحزاب السياسيّة ابتلاع الطعم على دفعات: في البداية كان التعادل بين "الليكود" و "المعسكر الصهيوني"، ثم تفوّق كبير لـ "الليكود". ومع ذلك، يبقى من الصعب جداً قراءة نتائج الانتخابات بشكل أعمق من اللحظة الأولى، لأنّ الأمر يحتاج إلى إمعان نظر، خصوصاً أنّ إسرائيل نامت على شيء واستفاقت على شيء آخر.
في كل الأحوال، كانت عناوين الصحف الإسرائيليّة معبّرة عن الارتباك الذي نامت عليه إسرائيل. وهكذا عنونت "يديعوت أحرونوت" صفحتها الرئيسية بـ "انجاز لهرتسوغ ـ انتصار لنتنياهو ـ كحلون سيقود الدفّة". أما "معاريف" فكان عنوانها: "انتصار كبير: نتنياهو قريب من الولاية الرابعة"، فيما اختارت "هآرتس" أن تعنون: "إنجاز هام لنتنياهو؛ ريفلين: سنطلب حكومة وحدة". وحدها صحيفة نتنياهو، "إسرائيل اليوم"، اختارت لنفسها عنواناً جازماً: "الشعب انتخب نتنياهو".
وفي المقالات والتعليقات حدّث ولا حرج، إذ بدا أنّ هناك تخبّطا لانهائيا عبّر عن انعدام الوضوح في الصورة، واتجه في غالبيته نحو المصاعب التي تعترض تشكيل الائتلاف الجديد. كما كان واضحاً، أنّ هناك شعوراً ما بالإحباط، خصوصاً لدى الصحف التي خاضت المعركة ضدّ نتنياهو، بينها "يديعوت" و "هآرتس" إلى جانب "معاريف ـ الأسبوع"، أو على الأقل عدد من كبار محرّريها.
عموماً، وبعد انتهاء الانتخابات واتضاح الصورة، صار جليّاً أنّ نتنياهو تفوّق على ائتلاف هرتسوغ وليفني، ولكنّ حياته لم تعد أسهل. صحيح أنّ حزبه، "الليكود"، زادت قوّته بنسبة 50 في المئة تقريباً، لكن معسكره ازداد ضعفاً. غير أنّ هذا لم يمنع لا "الليكود" ولا معسكر اليمين من الإفراط في الاحتفالات بالنصر. فقد شعروا أنّهم حقّقوا النصر برغم كل القوى التي وقفت ضدّهم. ويبدو واضحاً أنّه ليس في وسع نتنياهو أن يشكّل حكومة يمين ضيّقة، فيما يصعب عليه مواجهة المشاكل ذاتها التي أرغمته على تفكيك حكومته السابقة بالأدوات الحزبية ذاتها. والأدهى، أنّ العلاقات بين مكوّنات المعسكر اليميني صارت أشدّ حساسيّة وتوتراً مما كانت عليه قبل الانتخابات. إلا أنّ مصير نتنياهو واليمين عموماً، صار عملياً بأيدي موشي كحلون الذي حاول طوال المعركة الانتخابيّة إثبات ابتعاده عن نتنياهو.
وربما لهذا السبب كرّست "هآرتس" افتتاحيتها، أمس، لكحلون، معلقةً على كتفه مسؤولية مستقبل إسرائيل. وأشارت الصحيفة إلى نجاح نتنياهو الذي استطاع أن ينقل، في الأيام الأخيرة، جموع الناخبين من اليمين المتطرف إلى "الليكود"، ما أضعف "البيت اليهودي" و "إسرائيل بيتنا" وحزب إيلي يشاي. وقالت إنّه "برغم إنجازات نتنياهو المثيرة للانطباع، فقدت كتلة اليمين والأصوليين الغالبية البرلمانيّة التي تمتّعت بها في الكنيست المنصرفة. ولا يمكن لليكود أن يشكّل حكومة مع اليمين المتطرّف والأصوليين فقط، فهو يحتاج إلى تأييد قائمة كلنا كي يشكل ائتلافاً. وتضع هذه النتيجة زعيم كلنا موشيه كحلون في موقع مميز، كمن سيقرّر صورة حكومة إسرائيل المقبلة".
ورأت الصحيفة أنّ هذا يضع على عاتق كحلون مسؤولية كبيرة "لإحباط تشكيل حكومة يمين متطرّفة، تلحق ضرراً، لا يقدّر، في مكانة إسرائيل الدوليّة، وفي النظام الديموقراطي فيها، وفي علاقات الغالبية اليهوديّة والأقليّة العربيّة".
واعتبر كبير المعلّقين السياسيين في "يديعوت"، ناحوم بارنيع أنّ نتنياهو هو رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبلة، ومع ذلك فإنه "لا يملك، حالياً، الغالبية، ولكن لديه زخما"، مشيراً إلى أنّ "الرجل الوحيد الذي يقف بينه وبين حكومة كهذه هو موشيه كحلون". وشرح بارنيع كيف يصعب على كحلون إدارة اقتصاد كوزير للمالية إذا كان في حكومة يمين ضيقة، مضيفاً أنّ "الحريديم سيأتون إلى الحكومة جوعى أكثر من أي وقت مضى، والمعارضة الاجتماعية القوية ستشدّ عليه من الخارج، وبينيت سيشد عليه من الداخل. ولكن الأساس هو أنّ التوتّر في العلاقات الخارجية لإسرائيل، سيلقي بظلاله على الاقتصاد". وهذه ليست الحكومة التي يريدها كحلون. وبينما أعلن نتنياهو أنّه ليس في حاجة إلى التحالف مع اليسار لاتّقاء شرّ الأسرة الدولية، تساءل بارنيع: "هل ستنجح حكومة يمينيّة ضيّقة في صدّ النووي الإيراني ومنع عزلة إسرائيل في الغرب؟ أشك جداً. ولكن حكمة الجماهير تقول نعم. وهذه الليلة ـ على الأقل هذه الليلة ـ كان صوت الجمهور جلياً".
وخلص بارنيع إلى القول إنّ "نتنياهو سيبقى لولاية أخرى في البيت الدالف المنشود في شارع بلفور في القدس. النصر جميل. ويجب تذكير نتنياهو بالدرس الذي تعلمه المنتصرون في كل الأجيال: خلف الزاوية ينتظر غرور المنتصر، والذي يأتي بعده العقاب. لقد راكم في السنتين الأخيرتين رواسب عاطفية كثيرة، والكثير جداً من الحسابات الشخصيّة. وهذه الشحنات تثقل عليه قبل أيّ شيء آخر".
أما بن كسبيت، والذي دعا علناً إلى التصويت ضدّ نتنياهو، فكتب في "معاريف" أنّ في إسرائيل "دولتان". واعتبر في مقالته أنّ "إسرائيل منقسمة. تعادل سياسيّ يسبب الشلل. يوجد لدينا دولتان لشعب واحد، والمخرج الوحيد هو حكومة وحدة بين نتنياهو وهرتسوغ"، وشكّك في أنّ "الظروف السياسيّة تسمح بإقامة حكومة كهذه. فالرئيس ريفلين سيدفع نحو ذلك بقوة، فيما سيرغب هرتسوغ في الانضمام، لكن ذلك لن يكون سهلاً عليه، ستُستل السكاكين عليه من البيت منذ الصباح. وعلى مدى الحملة الانتخابيّة تعهّد نتنياهو ألّا تُشكّل حكومة كهذه"، موضحاً أنّ "التعهدات تلك، ليست الجانب القوي لنتنياهو، لكن هناك حدود. هناك شخص عليه تربيع هذه الدائرة السحرية، ويبدو أنه ريفلين، برغم أني لست متأكداً من أنّه سينجح".
وهوّن كسبيت من قيمة فوز نتنياهو بالقول: "قام نتنياهو بالركض بسرعة كبيرة جداً في الدورة الأخيرة، وعاد من عالم الموتى. لقد افترس كل المعسكر من أجل البقاء، كما التهم كل مقاعد بينيت وقضم من ليبرمان وقتل ايلي يشاي. ودفعت كتلة اليمين ثمناً، لكنّ نتنياهو بقي. وفيما اشتغلت طبول الكلام، فقد هبّ الليكوديون لإنقاذ الوطن، وأغلق بيبي فجوة المقاعد الأربعة في اللحظة الأخيرة في نهاية السباق. فإذا كانت هذه هي النتائج الحقيقية، فإنّ لديه أفضليّة مفهومة، لكنها هشّة جداً على هرتسوغ".
وفي "إسرائيل اليوم"، كان الاحتفال بالفوز كبيراً، إذ اعتبرت أنّ نتنياهو فاز لأنّه تصدّى للإدارة الأميركية، وكان في نظر الناخبين "امتداداً لمناحيم بيغين الذي أصرّ في حينه، أمام الرئيس الأميركي جيمي كارتر، على بقاء القدس موحدة. هرتسوغ ولفني في المقابل، فشلا في هذا الامتحان". وبعدما عدّدت مخطّطات "تقسيم القدس"، كتبت أنّ "الشيفرة الوراثية اليهودية، الرامية إلى الحفاظ على القدس المحررة ـ قدس واحدة وعدم تقسيمها ـ تشبه إلى حدّ ما، في نظر أجزاء من اليسار، الشيفرة التي تعمل وفقاً لها جماعة مُقبلي المازوزة الساجدين أمام القبور". وخلصت في تبرير فوز نتنياهو إلى القول إنّه "عند الاختيار بين صهيون المحرّرة والكاملة، وبين المعسكر الصهيوني وتوأمه، فإنني أختار صهيون وحامي أسوارها".
عموماً، اعتبر تسفي برئيل في "هآرتس" أنّ نتنياهو أفلح في أسر الدولة ونقلها من المنطق الطبيعي للدولة ـ كحامية لمصالح مواطنيها ـ إلى المنطق الفاشي القائل: إنّ المواطنين يوجدون من أجل الدولة. وكتب "ثمة من يقول إنّه لو كانت الدولة شركة، لكان يمكن التخمين في أنّ مجلس الإدارة كان سينظر في حلّها وإعادة بدء كل شيء من جديد، أو ربّما عرضها على البيع بالمزاد. خطأ. هذه دولة فيها ذخائر كثيرة، ولا سيما مواطنين تعلّموا كيف ينجون رغم الحكومة. فهي لم تتنازل عن رؤيتها برغم أن هذه الرؤية بهتت وتبدو كنسخة مشوشة عن الأصل. ولكن سحابة ثقيلة من الخوف الذي جعلها دولة، تنكمش في الزاوية، دولة حتى جيشها الهائل لا يمكنه أن يهدئ من روعها". وأشار إلى أنّ "الانتصار الانتخابي لنتنياهو، إذا كانت العينة تعكسه بالفعل، يوضح تماسك الخوف الذي انغرس في الدولة، وكيف تحول كل من إيران، وحزب الله، وداعش وحماس ليصبحوا الشريك الاستراتيجي لنتنياهو. والأفظع من ذلك، هو أنّ نصف مواطني الدولة تصرّفوا أمس وكأنّهم مصابون بمتلازمة ستوكهولم ممن وقعوا في عشق خاطفيهم".
وحده، جدعون ليفي ـ اليساري الصريح ـ لم يجد أمامه في "هآرتس" سوى الدعوة إلى "تغيير الشعب". وفي نظره، فإنّ الاستخلاص الأول بعد دقيقتين من عرض نتائج العينات التلفزيونية، هو "تغيير الشعب".
وكتب ليفي أنه "إذا كانت السنوات الست (من حكم نتنياهو) لا تعني شيئاً، وإذا كانت تلك السنوات من نشر المخاوف والهواجس، الكراهية واليأس هي فقط خيار الشعب، فإن الشعب بالتالي مريض جداً. وبعد كل ما انكشف في الأشهر الأخيرة، وكل ما كتب وقيل نجح طير الرماد هذا - العنقاء الإسرائيلي ـ أن يصعد من الرماد وينتخب من جديد. وبعد كل هذا انتخبه شعب إسرائيل لأربع سنوات جديدة. لذا، فهناك شيء ما فاسد جداً فيه، وربما بلا صلاح". وأضاف أنّ "نتنياهو جدير بشعب إسرائيل وشعب إسرائيل جدير به".
تقرير حلمي موسى لصحيفة "السفير" اللبنانية
