لم تمنع الظروف الصعبة التي قُدرت للفتاة الكفيفة وردة الشنطي "22عامًا" من سكان مخيم المغازي وسط قطاع غزة، من أن تركض خلف طموحها وحُلمها، الذي رادوها مُنذ الصغر، في أن تُصبح إعلامية في الإذاعة أو التلفزيون.
وولدت "وردة" وهي ترى بشكلٍ طبيعي كما بقية البشر، على الرغم من إصابتها بما يُسمى "الحول" في العينين منذ الولادة، لكنها تفاجأة بعد أشهر من والدتها بأنها مصابة ما يُمسى "التليف الشبكي في العين"، وهي حالة من بين كل "مليون" شخص يُصاب به "حسب الأطباء".
ولم تخضع "وردة" لذاك المرض هي وأسرتها، التي سعت جاهدة بكل ما توفر لديها، في توفير علاج لها، فحصلت على عدة تحويلات طبية وهي صغيرة في السنوات الأولى من عمرها، لمدينة القدس، وتلقت العلاج على يد أطباء فرنسيين وغيرهم، ومعظمهم أخبروا أسرتها بأنه لا علاج لها..
الحقيقة المحتومة
كما أخبروا أسرتها بالحقيقة المرة وهي أنها ستفقد النظر في سن السادسة من عمرها، لكن لم تستسلم العائلة وأرسلت تقاريرًا طبية لكندا لدى أمهر الأطباء، وأخبروها بنفس الأمر، لتعيش منذ ذلك الحين على وقع ترقب انتهاء رؤية ذاك النور الذي ينير دربها في الحياة.
وبعد أن بلغت من العمر "10سنوات" بالتحديد في يوم الجٌمة العشرين من فبراير/شباط 2002م، بدأ تشعر "وردة" بأنها ستفقد نظرها اليوم، من خلال ما تصفه خلال حديث مع مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" رؤية "غبش" ما جعلها تشعر بشكل حقيقي أنها على موعد مع ذاك القدر المحتوم الذي لا مفر مه.
ومع بدء سير القدر معها جنبًا إلى جنب في حياتها، عقدت العزم على مواصلة حياتها بشكلٍ طبيعي خاصة العلمية، فحافظت على تفوقها، حتى انتقلت من مدرسة المغازي الابتدائية التابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، لمدرسة النور لذوي الاحتياجات الخاصة، لتُكمل المرحلة الابتدائية.
صعوبات وتفوق
وانتقلت "وردة" للدراسة في مدرسة النور والأمل التابعة للحكومة لتُكمل المرحلة الإعدادية والثانوية، لتعود لتُكمل الثانوية بمدرسة في مخيم المغازي وتحصد على معدل (86%)، على الرغم من توقعها أكثر من ذلك بكثير".
لكن ذلك لم يوهن عزيمتها في شق طريقها نحو حُلمها وطموحها في الالتحاق بالجامعة "قسم الصحافة والإعلام" في الجامعة الإسلامية بمدينة غزة، لتقبى محافظة على معدلها "جيد جدًا"، لكن على الرغم من ذلك لم يكن سهلاً عليها التعلم كما زميلتها، كونها الوحيدة في القسم "ضريرة"..
فواجهت "وردة" صعوبة كبيرة في توفير كُتب دراسية مطبوعة بلغة " برايل" الخاصة بالمكفوفين، فزاد الأمر تعقيدًا عليها، لكنها أصرت على التغلب عليها ومواصلة شق طريقها، من خلال نسخ الكُتب التي يوجد لديها نسخة "word" للغتها، أما الكُتب التي ليس لها نسخة فتضطر لتلخيصها بمساعد أي شخص..
التغلب على الصعاب
وأدت هذه الطريقة لاستنزاف معظم وقت، وزيادة العبء والجُهد عليها أكثر فأكثر، لكنها بقيت أيضًا مثابر ة ومُصرة على مواصلة دراستها، ووجدت صعوبة في تخصص "الصحافة والإعلام" لوجود تصوير به، لتنتقل لقسم "الصحافة واللغة العربية"، ووصلت لمستوى رابع..
وما زالت "وردة" تواصل مسيرتها التعليمة في قسم الصحافة، وتنتظر لحظة التخرج، لتخرج إلى فضاء الإعلام "السلطة الرابعة" لتبحث عن مقعدها، عبر شاشة التلفاز أو خلف مايك "ميكروفون" الإذاعة، لتُصبح مُذيعة تنطق بلسان ما يحتاجه شعبها..
كذلك تقوم بما يعجز عنه الأخرين، من خلال الجد والاجتهاد في طرق الإلقاء، وتناول الموضوعات التي تمس شعبها، وتخترق جدار الإعاقة التي قُدرت لها، ويزيد صلابته نظرة المُجتمع السلبية لأمثالها، فتقول "المُعاق هو مُعاق العقل والتفكير، والأعمى هو أعمى القلب، وليس البصر، ففقدت البصر، لكن الحياة لم تتوقف، فهناك بدائل..!".
