تقول طيبة القرن ابنة الثماني سنوات في الرملة بالقرب من تل أبيب إنها تودّع أشياءها وبيتها الذي تحبه كل يوم لأن بلدية هذه المدينة المختلطة في إسرائيل تريد هدمه مع عشرة بيوت أخرى بحجة عدم وجود تراخيص بناء لها، معبّرة عن معاناة يعيشها عرب إسرائيل في إطار مخططات تنظيم لقراهم وبلداتهم.
وفي حي الرباط العربي في الرملة الواقعة وسط إسرائيل، نصبت اللجنة الشعبية للحي خيمة للتضامن مع أصحاب هذه البيوت الذين أبلغتهم الشرطة الإسرائيلية الأسبوع الماضي بأنها ستساعد البلدية في تنفيذ أوامر الهدم. وعلّقت أمام الخيمة لافتات كتب عليها بالعربية والعبرية "يهدمون بيوت العرب ويبنون مستوطنات لليهود".
وبالقرب من الخيمة، وقفت الطفلة طيبة القرن وإخوتها أمام ساحة منزلهم. وقالت لوكالة "فرانس برس" متسائلة: "بأي حق سيهدمون بيتنا؟ لا الأرض أرضهم لأنها ملكية عائلتي ولا البيت بيتهم فنحن بنيناه؟".
وقال والدها يوسف القرن (49 سنة): "جاءني ضباط من الشرطة الإسرائيلية قبل أسبوع وطلبوا مني إخلاء منزلنا بهدوء ومن دون مقاومة لأن بلدية الرملة طلبت منهم خطياً المساعدة في تنفيذ أمر الهدم". وأضاف: "أكدوا لي أن الشرطة لا تريد مشاكل مع السكان لأنها قوة تنفيذية فقط لكنني قلت لهم إن هدم بيتي خط أحمر"، موضحاً أن "12 شخصاً - أي أنا وعائلتي وابني وعائلته - يعيشون في هذا المنزل".
وتابع بإصرار: "هذا بيتي ولن أسمح لأحد بهدمه" في إطار مخطط سيطاول شارع الرباط الطويل الشارع الرئيسي في حي الرباط العربي الذي يتميز ببيوت حجرية ترتفع منها أشجار النخيل والسرو ويتوسطها جامع ومدرسة. والرملة مدينة مختلطة ذات غالبية يهودية تقع جنوب شرقي مدينة تل أبيب يافا، ويسكن فيها 19 ألف عربي يشكلون 25 في المئة من سكان المدينة التي تضم ثلاثة أحياء عربية غير مختلطة.
ويؤكد يوسف القرن أن "الأراضي التي بنينا عليها بيوتنا ملكية خاصة". ويضيف: "تقدمنا بطلبات ترخيص ثلاث مرات قبل بناء بيتنا عام 2003 وكل طلباتنا رفضت وحاولنا مرة أخرى الحصول على رخص لكنها رفضت. دفعت غرامات 23 ألف شاقل (نحو 6500 دولار) ووصلت الغرامات على بعض البيوت إلى 110 آلاف شاقل (نحو 30 ألف دولار) للبلدية". ويوضح القرن: "قدّمنا عام 1985 خرائط هيكلية من أجل المصادقة على البيوت المبينة لكن البلدية انتهجت سياسة المماطلة ثم رفضت بعد ذلك". ويشير إلى أرض بمساحة 20 دونم لعائلته "اعتبرتها البلدية ووزارة الداخلية (الإسرائيلية) مناطق زراعية ممنوع البناء عليها". ويتابع: "في عام 1998 أعلنوا أنها أرض تجارية وقالوا لنا أنتم لا تستطيعون إقامة مشاريع تجارية عليها فقط المستثمرون الكبار يستطيعون ذلك ... وأحاطوا بحيّنا من ثلاث جهات بمناطق صناعة وتجارية".
واتهم يوسف القرن البلدية بالتمييز والعنصرية تجاه العرب. وقال إن "القانون في الرملة يطبّق على العرب"، مشيراً إلى أن "البلدية حولت 500 دونم من الأراضي الزراعية الحكومية إلى مناطق سكنية لليهود".
وبشكل عام، يعاني عرب إسرائيل من مشكلة التخطيط لقراهم وأحيائهم وتوسيع مسطح القرى والحصول على التراخيص. ووجود عربي على رأس المدينة أو المجلس القروي لا تأثير له في إعطاء تراخيص بناء.
وقال عضو الكنيست السابق حنا سويد ومدير مركز التخطيط البديل لوكالة "فرانس برس" إن "هناك نحو 25 ألف بيت عربي صدر بحقها أوامر هدم"، موضحاً أن هذا الرقم "لا يشمل أوامر الهدم للقرى غير المعترف بها في النقب". وأضاف سويد أن وزارة الداخلية الإسرائيلية "هي عملياً مسؤولة عن التخطيط والبناء وأوامر الهدم إذ أنها سحبت كل صلاحيات التخطيط من السلطات العربية وركزتها مع لجان عينت من قبل وزير الداخلية". وأوضح أن "أوامر الهدم لمخالفات بناء البيوت تأتي في شكل مباشر من قبل وزارة الداخلية والاعتراف بالقرى العربية مسؤولية مباشرة منها". وأكد أن "العرب يحتاجون سنوياً إلى بناء 10 آلاف وحدة سكنية".
من جهته، صرح إبراهيم بدوية رئيس منتدى الرملة واللد ويافا الذي يُعنى بالقضايا العربية لمدينة اللد والرملة ويافا وقرية دهمش، إلى "فرانس برس" بـ "أن هناك 30 بيتاً عربياً في مدينة الرملة عليها أمر هدم، وفي مدينة اللد هناك 1452 بيتاً مهدداً بالهدم".
وهدمت السلطات الإسرائيلية الأربعاء خمسة بيوت في قرية دهمش غير المعترف بها بالقرب من مدينة اللد، وذلك بعد يومين على هدمها الاثنين بيتاً في كفر كنا بالقرب من مدينة الناصرة أعاد سكان البلدة بناؤه الثلثاء.
وأضاف بدوية: "قلنا لقائد الشرطة في الرملة إننا سنسير في تظاهرات جماهيرية ضخمة ضد سياسة هدم البيوت. قلنا له إن البيوت التي ستهدم في حي الرباط تحيط بالمدرسة وإن هدمتموها فأي مشهد تريدون إبقاءه في ذاكرة الأولاد؟ كيف تريدون أن نعيش في تعايش وكل طفل يخاف على بيته ويرى بيت صديقه هدم؟".
أما الطفلة طيبة فقالت: "عندما أكون في المدرسة لا أخاف. وعندما أكون في بيتنا الذي ولدت فيه وأحبه أخاف وأفكّر أين سنذهب". وأضافت بصوت طفولي غاضب: "أعرف أنهم سيهدمون بيتنا لأنهم هدموا بيوتاً في الرملة".
ولم تعلق بلدية الرملة على موضوع هدم البيوت.
