كان حينها لا يتعدى من العمر "ثماني سنوات"، وهرب مع والديه وأشقائه وأقربائه من مدينة الرملة وسط فلسطين، بسبب العدوان الإسرائيلي، ليذهب لقطاع غزة، قبل أن يمروا بمحطات عدة، عايشوا خلالها صنوف العذاب والمعاناة، حتى استقر بهم الحال في مخيم رفح للاجئين الفلسطينيين جنوبي قطاع غزة، لتلحق به نكبة 2014م!
فالاحتلال دمر منزلهم في الرملة عام 48م، ولاحقهم في مخيم الشابورة وسط رفح خلال العدوان الأخير بعد مرور نحو 67سنة من النكبة، ليعود ذلك المشهد بالمُسن سليمان حمدان الحمايدة "75 سنة" للوراء، لتلك المشاهد التي عايشوها على يد الاحتلال.
"الحمايدة "الذي بدت على وجهه علامات الكبر، وانهك كبر السن والأمراض التي اصيب بها جسده، خاصة بعد هدم منزله في العدوان الأخير، وتجرعه مرارة الهجرة داخل الوطن بحثًا عن مأوى، حتى استقر به الحال داخل منزل بالإيجار برفقة زوجته المُسنة وأبنائه.
رحلة الهجرة
ويقول "الحمايدة" لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" أثناء جلوسه على ركام منزل المُدمرة : "عندما بدأت إسرائيل بدخول لفلسطين، جاءنا ضابط يتحدث العربية، وقال لنا (أخرجوا من منازلكم قبل أن يأتوا لكم الجيش الإسرائيلي ويقتلكم)، فما كان منا سوى أن نهرب أسوة بباقي البلدات والمدن المجاورة".
ويضيف "خرجنا من ديارنا وكنتُ صغيرًا، ولم أعي جيدًا التفاصيل الدقيقة للأحداث، لكن ما زالت ماثلة في عقلي رحلة التهجير، والتي مررنا خلالها بمحطات كثير، فكنا نأخذ راحة بين كل مسافة نسيرها على الأقدام، أو على ظهر الدواب (الحيوانات)".
ويتابع الحمايدة "كانت الرحلة شاقة لأهلي، فأمي كانت تحملني على ظهرها تارة، ووالدي تارة، وعلى ظهر الدابة تارة أخرى، ويرافقنا أشقائي الأربعة، وبعض الأقرباء، فيما كان الآلاف ينزحون صوب قطاع غزة، وآخرين خارج الوطن للأردن ولبنان وسوريا"..
ويستطرد "وصلنا إلى قطاع غزة بعد هذه الرحلة الطويلة والشاقة، واستقرينا داخل مخيم خان يونس للاجئين، لمدة تزيد عن خمس سنوات، وجراء اشتداد القصف الإسرائيلي عليها، أخبرنا البعض بأن رفح أكثر أمنًا، فذهبنا لها، وعشنا بها لسنوات طويلة، داخل خيام، لحين تم بناء بيوت من الطين".
نزوج الأهل
ويواصل الحمايدة "وبعد نحو عشرون عامًا تزوجت وكان لدي عدد من الأبناء، قرر أهلي النزوح من رفح لسوء الأوضاع وتجدد الحرب في عام 67م، ولم نجد من ينصرنا من العرب، بل كان هناك تخاذُل، فنزح الأهل للأردن على ظهر "جمال" وبقيت لوحدي في المنزل، وما زال أشقائي حتى يومنا هذا يعيشون هناك".
ولم يتمكن من رؤية أهله سوى بعد عامين تقريبًا من نزوحهم، بعد أن حصل على تصريح من جيش الاحتلال الإسرائيلي، فيما يستذكر مدينته الجميلة التي كان يعيش بها، ومنزلهم المبني من (الدبش) بقايا الطوب، والأسلاك الشائكة، واللبن.
ويقول "الحمايدة" : "الحياة كانت جميلة جدًا، وكنا نزرع ونفلح شتى أنواع الفواكه والخضروات والحمضيات والحبوب..، وعاداتنا جميلة، والناس تحب بعضها البعض، وأفراحنا الكل يحضرها، وتستمر لأيام، وطعامنا وشرابنا له مذاق يختلف عن اليوم، الذي تنعدم فيه حتى طعم الحياة، فعودتنا هي الكفيلة بأن تُعيد الروح لنا مُجددًا".
وأتاحت فرصة عمله داخل الأراضي المحتلة "إسرائيل" في التسعينيات لرؤية مدينته مُجددًا، وزارها وصلى في مسجد الرملة الكبير، وشاهد تدمير منزلهم، ومنازل مجاورة، فيما بقيت أخرى كما هي لم تُدمر، ورأى بالعين العنجهية الإسرائيلية داخلها، وعادت تلك المشاهد بذاكرته للأيام الجميلة وإن كانت قليلة التي عاشوها داخل البلد.
نكبة 2014
ولم يعلم "الحمايدة" بعد سنوات الشقاء والمرار الطويلة، أنه على مع موعد نكبةٍ جديدة أقسى وأمر مما نجا منها عام 48م، فعام 2014م الذي اندلع فيه العدوان على قطاع غزة، كان لمنزله نصيبًا من الغارات، التي استهدفت منزلاً مجاوًا لمنزله، ما أدى لإنهياره.
ومنذ ذلك الحين يعيش وأسرته مُتنقلاً من منزل لأخر بالإيجار، حتى الإيجار لم يتوفر باستمرار، ويدفع من جيبه منذ شهور، وأمام هذا المشهد وجد نفسه أمام مواجهة عديد من الأمراض التي لا يقوى عليها، وأنهكت جسده، ومن بينها تضاؤل نسبة السمع لديه..
ويقول "الحمايدة" : "قبل أن يُقصف المنزل كنت نائم بفنائه، واستيقظت على صوت زوجتي، بعد أن وصل تهديد لمنزل مجاور، فلم أقدر على السير مسرعًا، لوجود ألام كثيرة في أقدامي، واتكأ على (عكاز)، فنجيت بأعجوبة، فتم قصف المنزل بعد دقائق من هروبنا، وانهار بالكامل، وحينها بكيت لما حدث، وعاد بذاكرتي لما حدث أثناء النكبة".
ويشدد على أن فلسطين لن تتحرر وتعود إلا بالمقاومة الموحدة، "وإن انتظرنا نصرة من العرب فلن ينصرون، فكل واحد منشغل اليوم بما يحدث في بلده، حتى عندما كنا نذبح ونُقتل لم نجد من ينصرنا، فالخير في المقاومة والوحدة".
والرملة من أكبر وأقدم مدن فلسطين التاريخية، وتقع اليوم في اللواء الأوسط الإسرائيلي على بعد 38 كم شمال غرب القدس، تأسست سنة 716 م على يد الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك، وسميت نسبة إلى الرمال التي كانت تحيطها.
وحسب السجلات الإسرائيلية من سنة 2004م بلغ عدد سكان الرملة 64,200 نسمة - ثلثهم من العرب، بسبب تهجير معظمهم منها بعد حرب 1948، وتمتد المدينة على مساحة 11,854 دونما (11.9 كم2)، وترتفع عن سطح البحر حوالي 108 م .
