أظهر إطلاق صاروخ من قطاع غزة إلى جوار مدينة أسدود المحتلة مدى هشاشة الوضع الأمني بين إسرائيل والفلسطينيين، وبالرغم من اتضاح أن لا دوافع بعيدة المدى خلف الإطلاق الذي لم يوقع إصابات أو أضراراً في الجانب الإسرائيلي، عاش سكان كل من قطاع غزة ومستوطنات الاحتلال المحاذية له بعمق 40 كيلومتراً على الأقل، ليلة متوترة. وقامت الطائرات الإسرائيلية بمهاجمة عدة مواقع تابعة لحركتي «حماس» و «الجهاد الإسلامي» ولكن من دون إحداث إصابات أو أضرار.
وبدا واضحاً أن لا مصلحة لأي من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في حدوث تصعيد أو مواجهة واسعة في هذا الوقت، إذ سارعت عدة جهات إقليمية ودولية لاستجلاء الموقف وإيصال الرسائل التي دعت جميعها إلى التهدئة. وكان أن أعلنت السلطات الإسرائيلية أنها تعلم أن الصاروخ لم تطلقه لا «حماس» ولا «الجهاد الإسلامي» بناء على توجه مركزي وأنه من فعل مجموعة «منشقة».
وبناء على تجارب سابقة فإن حركة «حماس» التي تسيطر فعلياً على قطاع غزة أعلنت أن من أطلق الصواريخ كان يقصد التخريب، وأنه لا يمثل توجهاً جديداً. وسرعان ما تبينت الصورة بعدما اتضح أن جماعة من مقاتلي حركة «الجهاد الإسلامي»، وبسبب خلافات داخلية، قامت بإطلاق الصاروخ في نوع من محاولة إيصال الخلاف إلى ذروته بغية إيجاد حل له، ولكن حسابات هذه الجماعة ليست كحسابات سلطة حماس ولا حتى كحسابات قيادة حركة الجهاد التي رفعت الغطاء عنهم، ما سهل لحكومة غزة اعتقال ثلاثة منهم، وفق ما أعلنت جهات فلسطينية.
ونقلت صحيفة «هآرتس» عن مصادر أمنية إسرائيلية وفلسطينية تفسيرها الوحيد لما جرى: «قائد الذراع العسكري لسرايا القدس في قطاع غزة حاول في الأيام الأخيرة تغيير قيادات محلية فجُوبه بنوع من التمرد الداخلي، ونشأ صدام عنيف بين المتخاصمين قرر خلاله أفراد في الجناح المتمرد تصعيد النزاع بإطلاق الصواريخ نحو إسرائيل».
وشدد المراسل العسكري لـ «هآرتس» عاموس هارئيل على أن إطلاق الصاروخ لم يتم برضى سلطة «حماس». وبغض النظر عن الأسباب الفعلية لإطلاق الصاروخ ربما أن طريقة تعاطي الطرفين مع الأمر أظهرت حجم تعقيدات الموقف في قطاع غزة. فالإسرائيلي، الذي فوجئ بإطلاق الصاروخ متوسط المدى، خشي أن يكون الحدث جزءاً من خطة استدراج لحرب جديدة.
وتشير أغلب التقديرات والتحليلات في إسرائيل إلى أن ليس لدى الجيش أو الحكومة في إسرائيل رغبة في الاندفاع نحو تصعيد حربي في هذا الوقت. وبديهي أن الأمر لا يتعلق فقط بحرارة الجو والنيران الكثيرة والكثيفة التي اشتعلت في مناطق عديدة أشغلت أجهزة الطوارئ والدفاع المدني الإسرائيلي وإنما بأسباب أخرى.
فحكومة إسرائيل الحالية هي عملياً الحكومة ذاتها التي خاضت الحرب الأخيرة على غزة في العام الماضي والتي استمرت أكثر من خمسين يوماً. والجيش الإسرائيلي لم ينس بعد الإخفاقات التي مني بها تقريباً في كل أدائه البري في مواجهة المقاومة الفلسطينية وهو غير تواق لاستعادة التجربة سريعاً. وعدا ذلك فإن الجيش الإسرائيلي لم يعوض بعد خسائره في الحرب الأخيرة، خصوصاً أن الحكومة السابقة عجزت عن إقرار ميزانية العام الجديد.
ولا يقل أهمية عن كل ذلك أن الحكومة والجيش في إسرائيل سوَّقا الحرب الأخيرة على غزة بوصفها انتصاراً بارزاً وتأكيداً على قدرات إسرائيل الردعية، ولذلك فإن العودة إلى الحرب مع غزة تعني، عدا أشياء كثيرة أخرى، أن الانتصار المعلن لم يكن انتصاراً وأن الردع أيضاً لم يكن ردعاً. والأهم ما الذي بوسع إسرائيل أن تفعله اليوم مع قطاع غزة لم تكن قادرة على فعله في الحرب الأخيرة.
والشيء نفسه، بأشكال مختلفة، يسري على الموقف الفلسطيني. فرغم ما حققته المقاومة من صمود في الحرب الأخيرة، إلا أن حجم الخسائر والدمار في قطاع غزة كان هائلا. وزاد الطين بلة أن مساعي إعادة إعمار القطاع لم تبدأ بعد وهي تجد من يعرقلها لأسباب مختلفة، بينها استمرار سيطرة «حماس» الفعلية على قطاع غزة برغم الاتفاق على حكومة توافق وطني. وفي كل الأحوال يصعب على أحد تخيل أن الفلسطيني في غزة الذي ما كاد يقتنع أنه نجا من حرب فتاكة ومدمرة يهرع إلى خوض حرب أخرى برغم كل ما يواجه من انقسام داخلي وحصار إقليمي وتعنت إسرائيلي.
وذكرت «هآرتس» أنه وفق ذلك تقرر أن يكون الرد الإسرائيلي محصوراً: مهاجمة أربعة أهداف في جنوب القــطاع. وقالت إنه صحيح أن هذه هي المرة الأولى التي تطلق فيــها صــواريخ متوســطة المدى تسمع فيها صافرات الإنذار في اسدود وكريات ملاخي منذ الحرب الأخيرة، و «لكن إســرائيل، مـثل حـماس حقاً، لا تبحث حالياً عن صدام عنيف في القطاع. لذلك كانــت الخــطابية متشددة وقال الناطقون الرسميون إن حماس تتحمل كامل المسؤولية عن أي اعتداء من الأراضي تحت سيطرتها. ولكن عملياً يبدو أن الجيش الإسرائيلي خرج للهجوم الرمزي من غير حافز، متأكداً أن رده لن يقود إلى تدهور إضافي».
وقد أشار نتنياهو إلى الغارة الإسرائيلية في لقائه، أمس، مع السيناتور الأميركي الجمهوري ليندسي غراهام حين قال: «إسرائيل ترى في حماس الجهة المسؤولة عن كل إطلاق للنار نحوها من غزة... والجيش الإسرائيلي عمل فوراً وبشدة رداً على إطلاق النار هذا. هذه هي سياستنا. ونحن سنبذل كل ما ينبغي من أجل ضمان الهدوء الذي تحقق في عملية الجرف الصامد».
أما وزير الدفاع موشي يعلون فقال إن إسرائيل لا يمكنها أن تمر مرور الكرام على أي اعتداء عليها، وحسب كلامه «هاجم الجيش الإسرائيلي الليلة أهدافاً للجهاد الإسلامي وحماس إثر إطلاق النار على الجنوب».
كتب/ "حلمي موسى" لصحيفة "السفير اللبنانية
