"راند" يقدم جزرة إلى إسرائيل: حل الدولتين أجدى اقتصادياً

تتزايد الضغوط الدولية على إسرائيل لإخراج العملية السلمية مع الفلسطينيين من حالة الجمود الراهنة، في ظل تعاظم التنديد بالاستيطان وعدم الالتزام بحل الدولتين.

وتحاول حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية التخلص من هذه الضغوط، عبر إطلاق إشارات وهمية وخادعة برغبتها في استئناف العملية السياسية. وفي الأسبوع الماضي والحالي، ومع زيادة سرعة «القطار الجوي» لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ودول أخرى، صار رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يحمِّل كل وزير خارجية يلتقيه رسالة وأكثر إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، موحياً باهتمامه بلقاء سريع معه.

وقد أرسل نتنياهو الرسائل على الأقل عبر ثلاثة وزراء خارجية، لهم شأن عنده: ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير وكندا روب نيكلسون ونيوزيلندا موراي ماكفيلي. ومن الجائز جداً أنه حمَّل رسالة رابعة لوزير الخارجية التشيكي لوبومير زاورالك، الذي أوضح لنتنياهو أن أصدقاء إسرائيل لا يمكنهم الدفاع عن سياستها الاستيطانية التي تعرقل السلام. وقال نتنياهو للوزراء، في محاولة لإثبات أن إسرائيل ليست الطرف المعرقل لبدء المفاوضات مع الفلسطينيين، «أنا مستعد للقاء، وعليكم إقناعه».

ومنذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة والانطباع الذي تركته، سواء عبر المواقف التي أطلقت أثناء الحملة الانتخابية، أو حتى تصريحات كبار المسؤولين فيها بعد تشكيلها، يسعى نتنياهو للإقناع بأنه منفتح على حل الدولتين، برغم تقديراته بأن هذا ليس حلاً واقعياً يمكن تجسيده في المستقبل القريب. ويبادر نتنياهو للالتقاء بكل وزراء الخارجية الذين يصلون إلى إسرائيل في محاولة للإيحاء بأن فشل المفاوضات سابقاً لا يعني استمرار الفشل لاحقاً. ولكن هذه المحاولة لا تعبِّر عن رغبة جدية في التفاوض مع الفلسطينيين، بقدر ما تعبِّر عن محاولة لمنع محاولات «تدويل» الأزمة عبر نقل الحل إلى مجلس الأمن الدولي.

ويحاول نتنياهو أن يبين أنه متفق في الرأي تقريباً مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي لا يرى فرصة في المستقبل القريب لتحقيق اختراق نحو التسوية الدائمة، ولا حتى نحو التوصل إلى اتفاقية إطار. لهذا السبب يشدد على أن «المفاوضات المباشرة هي السبيل الوحيد لتحريك الموقف. لكن للأسف السلطة الفلسطينية أدارت ظهرها للمفاوضات. مع ذلك بقيتُ أنا على موقفي الملتزم بفكرة أن السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم تمر عبر دولتين لشعبين. دولة فلسطينية منزوعة السلاح تعترف بالدولة القومية للشعب اليهودي».

في كل حال كان نشر في إسرائيل أن «قطاراً جوياً» من وزراء خارجية دول غربية سيصلون إسرائيل للتعرف بشكل واضح على ميول الحكومة الجديدة، قبيل اتخاذ قرارات مهمة، سواء في الاتحاد الأوروبي أو في الأمم المتحدة، تتعلق بالاستيطان أو بالدولة الفلسطينية. ومعروف أن الاتحاد الأوروبي سيتخذ، في حزيران الحالي، قرارات مهمة تجاه النزاع العربي ـ الإسرائيلي، أولاً عبر مناقشة الموضوع في لجنة الخارجية في البرلمان الأوروبي وبعدها في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد. وكانت أنباء تسربت ذكرت أن جانباً من القرارات سيكون على شكل عقوبات اقتصادية وديبلوماسية ضمن سلة عقوبات أوروبية.

وإذا كانت «القرارات» الأوروبية المرتقبة هي العصا فإن مركز الأبحاث الأميركي المشهور «راند» قدَّم الجزرة لإسرائيل، في بحث نشره أمس عن سيناريوهات التسوية وأبعادها الاقتصادية. ويُظهر البحث أن إسرائيل يمكن أن تكسب 123 مليار دولار في عقد واحد، إن هي تبنت «حل الدولتين لشعبين»، فناتجها القومي الخام سيزداد بنسبة 5.2 في المئة، فيما سيكسب الفلسطينيون من هذا الحل 50 مليار دولار في عقد. وعموما سيزداد الناتج القومي الفلسطيني للفرد بنسبة 48.8 في المئة.

ولكن حل الدولتين هو واحد من بين خمسة سيناريوهات سياسية عرضها المعهد. والسيناريو الثاني هو العودة للمواجهة بين إسرائيل والفلسطينيين. وهذا السيناريو سيخلق أثراً سلبياً على الاقتصاديْن الإسرائيلي والفلسطيني، فالناتج القومي الخام لإسرائيل سيتقلص في العام 2024 بحوالي 45 مليار دولار مقارنة بالحال القائم، ما يعني نقصاً بنسبة 10.3 في المئة وخسارة 200 مليار دولار في عقد. أما الناتج القومي الفلسطيني فسيتراجع بقيمة 9.1 مليارات دولار، ما يعني انخفاضاً بنسبة 45.7 في المئة وخسارة حوالي 60 مليار دولار في عقد.

وسيناريو آخر هو مقاومة فلسطينية غير عنيفة، يمارس فيها الفلسطينيون ضغوطاً اقتصادية على إسرائيل، بالتعاون مع جهات دولية. في هذه الحال ينخفض الناتج القومي بـ 3.4 في المئة، أي خسارة 15 مليار دولار مقارنة باليوم. أما الناتج القومي الفلسطيني فسينخفض بنسبة 12 في المئة، وبالتالي خسارة 2.4 مليار دولار.

وبحث معهد «راند» سيناريوهين آخرين، هما الانسحاب من طرف واحد والانسحاب المنسق. وفي الحالتين هناك خسارة للاقتصاديْن ولكن بشكل ضئيل. وقد حاول المعهد عرض المكاسب والخسائر الاقتصادية من الخيارات السياسية المعروضة، مبيناً أن حل الدولتين هو الأجدى اقتصادياً للطرفين.

كتب/ حلمي موسى لصحيفة "السفير" اللبنانية

المصدر: غزة – وكالة قدس نت للأنباء -