السياسيون الإسرائيليون ينحّون خلافاتهم جانباً.. لمواجهة إيران

رغم شدة الخلافات داخل الحلبة السياسية الإسرائيلية، إلا أن المعسكر الصهيوني، بغالبيته الساحقة، التف حول موقف رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في انتقاده للاتفاق النووي الإيراني واعتباره خطراً على إسرائيل.

وأبدت أوساط في محيط نتنياهو آمالاً بأن هذا الالتفاف قد يسهل عملية توسيع الحكومة، وخلق استقرار أكبر في الحلبة السياسية. لكن أوساط المعلقين تحذر من الخطر الكامن في مواصلة سياسة نتنياهو المتصادمة مع الإدارة الأميركية.

وقد اجتمعت أمس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست برئاسة تساحي هنغبي، المقرب من نتنياهو، في محاولة لبلورة استراتيجية إسرائيلية لمواجهة الاتفاق، بعد مناقشات تشارك فيها المعارضة والائتلاف على حد سواء. وأعلن هنغبي أن اجتماع اللجنة استثنائي، ويعبر عن "الدراما السياسية في أعقاب توقيع الاتفاق النووي". وقرر أن النقاش يرمي للتوصل إلى قرار متفق عليه يبلور أوسع جبهة ضد الاتفاق.

ويجري الحديث في إسرائيل أساسا حالياً عن مجابهة الخطر الكامن في تدفق حوالي مئة مليار دولار إلى إيران جراء رفع نظام العقوبات. ولكن بعضهم يشيع أن طهران ستستفيد من الاتفاق بما بين 500 إلى 700 مليار دولار في العقد ونصف العقد المقبلين. وتدّعي إسرائيل أن جانبا من هذه الأموال سيذهب إلى "حزب الله" و "حماس" ومنظمات أخرى. ولا رسالة على ألسنة المسؤولين الإسرائيليين سوى أن دولتهم لم توقع الاتفاق وهي غير ملزمة به، ولا يمكنها الوقوف مكتوفة الأيدي إزاء الخطر الذي يمثله.

ومع ذلك فإن شبه إجماع السياسيين الاسرائيليين ضد الاتفاق لم يمنع الانتقادات ضد نتنياهو. وهذا ما أشار إليه زعيم "هناك مستقبل" يائير لبيد، في جلسة لجنة الخارجية والأمن، حين قال إن "نتنياهو ليس تشرتشل ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإنما غولدا مئير ما بعد حرب يوم الغفران. والاتفاق النووي الإيراني هو الفشل الأكبر للسياسة الخارجية لدولة إسرائيل منذ إنشائها. فقد كان بالوسع التوصل لاتفاق أفضل، على الأقل في مسألة الرقابة". وأضاف "حتى يوم أمس كان العالم مقتنعا بأن إسرائيل والولايات المتحدة تسيران يداً بيد، وأمس فهم العالم أن الولايات المتحدة ليست إلى جانب إسرائيل في الشأن النووي. لقد ترك نتنياهو خلفه خرائب، ويجب عليه الذهاب إلى بيته".

وفي كل حال أشارت "يديعوت احرونوت" إلى أن كبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية انتقدوا بشدة الطريقة التي أدار فيها نتنياهو الصراع مع الإدارة الأميركية. وقال بعضهم إن "السعودية ودول الخليج فهمت أن الاتفاق حقيقة ناجزة، ولذلك باشرت في اتصالات مع الأميركيين على رزمة المساعدة الأمنية. لكن نتنياهو لم يكن مستعداً للدخول في اتصالات، كي لا يفسر ذلك إضفاء شرعية للاتفاق المتبلور، ولكنه اقترف بذلك خطأ جسيماً، لان هذا رهان على طيبة قلب (الرئيس باراك) أوباما".

ورفض مقربون من نتنياهو الانتقاد، قائلين: "لا يمكنك أن تهاجم الاتفاق، وأن تتحدث عن التعويض في الوقت نفسه. إسرائيل لن تدخل في مفاوضات إلى أن يكون هذا الاتفاق نهائياً، وهذا سيكون فقط بعد التصويت في الكونغرس".

في كل حال حاولت بعض الصحف الإسرائيلية عدم مسايرة منطق نتنياهو في الحملة على الاتفاق. وأشارت افتتاحية "هآرتس" إلى أن الاتفاق "إنجاز ديبلوماسي هائل ومعلم تاريخي على طريق علاقات الغرب مع إيران"، لأنه "يضمن أيضاً اعترافاً متبادلاً، مساواة في المكانة والقيمة بين الموقعين عليه". واعتبرت أن أميركا وإيران أفلحتا ولو مؤقتا في تحييد أحد أكبر التهديدات على الشرق الأوسط وإسرائيل، ولكن قيمة الاتفاق تكمن في مدى تجسيده عمليا ومدى نجاعة الرقابة. وشددت على أن الاتفاق مس بشدة بالعلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية، ولذلك ينبغي لإسرائيل أن تمنح فرصة للاتفاق، واعتبار الدول الموقعة حزام أمان يضمن سلامة إسرائيل وأمنها.

غير أن هذا ليس فقط زمن الحكمة وتوجيه النصح، فهناك من لا يتورعون عن الشماتة في نتنياهو وسلوكيات حكومته. وهكذا في "يديعوت" كتب كبير معلقيها السياسيين ناحوم بارنيع ان "التقرير لم يذكر إسرائيل البتة، وهذا أمر مثير للحفيظة. فالاتفاق له معنى مصيري بشأن كل من يعيش هنا، ما يجعل تجاهل إسرائيل ليس شيئا مهيناً وحسب بل خطير أيضا". ويعتبر أن هذا "يحتمل أن ينطوي على قدر أكبر من المخاطر لإسرائيل من وقوف إيران على حافة القنبلة النووية، وبمعنى ما فإنه يعيدنا إلى العام 1956، حين بعث رئيس الولايات المتحدة آيزنهاور ورئيس وزراء الاتحاد السوفياتي بولغانين لحكومة إسرائيل رسائل تهديد وفرضا عليها الانسحاب من سيناء".

وبعد أن يستعرض بارنيع توق نتنياهو لعملية عسكرية أميركية ضد إيران ورهانه على استمرار العقوبات، وهو ما فشل، صار الخطر الأكبر عنده هو تدفق الأموال على إيران ومخاطر ذلك على إسرائيل. وهكذا لم يبق أمام نتنياهو سوى مواصلة الصراع مع الإدارة الأميركية في الكونغرس، وهو صراع فرص نجاحه قليلة. ويعتقد بارنيع أن الصراع مع أوباما مقلق ونتنياهو يتصرف كمقتنع بأن هذا صراع وجود بالنسبة لإسرائيل. وهو مخطئ: إسرائيل ستبقى و "المحرقة" ليست على الأبواب.

ويواصل المعلق العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هارئيل من هذه النقطة ليكتب أن "الأزمة الخطيرة في العلاقات الأميركية الإسرائيلية، وفي مركزها العلاقات الشخصية المتوترة بين نتنياهو وأوباما، تركت نتنياهو في موضع تأثير هامشي في المراحل الأخيرة من المفاوضات. الآن وبعيداً عن الانتقاد العلني الذي سيوجهه رئيس الحكومة للرئيس الأميركي، يتوقع أن يبدأ الصراع في الكونغرس: محاولة نتنياهو تقييد أوباما عن طريق إفشال الوعد الأميركي برفع العقوبات التي فرضها الكونغرس على إيران. رغم التشجيع الذي يحظى به رئيس الحكومة عند الجمهوريين، ورغم حقيقة أن تأجيل التوقيع على الاتفاق في فيينا قد أطال فترة المصادقة في الكونغرس إلى شهرين، إلا أن نجاح نتنياهو يرتبط بقدرته على نقل 13 سيناتورا ديموقراطيا إلى المعسكر المعارض للرئيس. احتمال ذلك غير كبير في هذه المرحلة، رغم الثغرات الكثيرة في الاتفاق".

ولكن مراسل الشؤون الحزبية في "هآرتس" يوسي فيرتر يخلص من مشاهداته إلى أنه رغم هزيمة نتنياهو ووجهه الشاحب إلا أنه كالمقامر الذي يراهن بآخر ما يملك، وهو "يطالب بالوحدة الوطنية ومواصلة تخريب العلاقة مع الأميركيين". ويقول "إليكم إشارة أخرى حول المدمن على القمار: بعد أن فقد سرواله فهو سيضع ملابسه الداخلية على عجلة الروليت، وهذه خطوة يقول الخبراء إنها لن تنجح في السياسة الأميركية".

في الخلاصة يلخص المراسل السياسي للقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي أودي سيغال الموقف بالقول "الحقيقة في هذه اللحظة هي أن إسرائيل معزولة أمام إجماع عالمي. الحقيقة في هذه اللحظة، عموما، هي أن نتنياهو يتوق لمنصب زعيم المعارضة. فهو يؤدي هذا الدور العالمي بصفته المعارضة الصاخبة الوحيدة للاتفاق بهذا الشكل المتحمس، الذي يذكّر الكثيرين منا كم كان ناجعا كمعارض لرابين، لشارون داخل الليكود ولأولمرت"

المصدر: القدس المحتلة - وكالة قدس نت للأنباء -