يمنح إسرائيل أمناً أكثر.. بأقل الأسعار

في صيف 2012 أجرى آري شبيط 13 مقابلة مع أفضل العقول الاستراتيجية في اسرائيل، وقام بتلخيصها في مقالة تحت عنوان "اسرائيل أمام مفارقة حياتها".

وقد طرحت المقالة ثلاثة سيناريوهات؛ في أحدها ستدفع اسرائيل ثمنا باهظا: توازن رعب نووي وحياة في ظل القنبلة النووية، هجوم اسرائيلي (لن يقضي بالطبع على الحياة النووية) وحرب صواريخ باهظة الثمن في مواجهة ايران، أو هجوم أميركي تدفع اسرائيل من اجله تنازلات سياسية مؤلمة ارضاءً للولايات المتحدة. أي أن الصورة أخروية بامتياز.

يجب ألا تكون خبيرا استراتيجيا كي تفهم أن كل هذه السيناريوهات الكارثية التي يمكن أن تتحقق في أي وقت، لم تحدث.

ما تحقق لم يتم أخذه في الحسبان: مفاوضات مكثفة مع ايران تنازلت فيها عن رغبتها في امتلاك القدرة النووية لفترة تزيد على عشر سنوات مقابل رفع العقوبات.

هذا السيناريو تحديدا هو الذي تحول الى واقع، وهذا الواقع جيد نسبيا: حسب صيغة الاتفاق فان اسرائيل لن تضطر الى العيش في ظل التهديد النووي الايراني في العقد القريب، دون أن تدفع ثمنا دمويا مقابل القضاء على هذا السلاح، بل ستحصل على تعويض بأن العالم سيُحيد ما اعتبره الذين قابلهم آري شبيط، تهديدا لوجودها.

لكن رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، لم يكن نتنياهو، ودولة اسرائيل لم تكن اسرائيل، لو كانوا سيقبلون الاتفاق برضى. نتنياهو يعتبره اتفاق خضوع، واغلبية الجمهور الاسرائيلي تعتقد مثله. يبدو أننا غير مبنيين نفسيا على قبول امكانية مواجهة الاخطار الكبيرة بالطرق الدبلوماسية، ودائما يتم اخراج الدليل: اتفاق ميونيخ الذي كان اتفاقا دبلوماسيا، ونحن نعرف الى أين أدى.

ليس مهماً أن تشبيه اتفاق ميونيخ قد طُحن حتى النهاية رغم أنه لم يتكرر منذ العام 1938. لدى نتنياهو ولدى اغلبيتنا هذا الاتفاق ما زال يسير في الدماء. دائما يقومون من اجل القضاء علينا ودائما سيكون هتلر جديد: عبد الناصر، السادات، الاسد، عرفات، صدام حسين، القذافي، وبالتأكيد جميع زعماء ايران منذ 1979. لهذا فان الطريق المعقولة لمواجهة التهديدات الامنية هي طريق القوة، أو فشل شعار "دعوا الجيش الاسرائيلي ينتصر".

الواقع الآخر الذي يقول إن الدبلوماسية تستطيع تحقيق الأمن ليس أقل من القوة، لا يجد تعبيره هنا.

لا أحد يعرف اذا كان الاتفاق سيصمد أم لا. لا أحد يعرف اذا هل ستكون ايران دولة نووية بعد عشر سنوات أم لا، هل ستكون مهددة أو ستتحول الى معقل استقرار اقليمي. يمكن أن يكون هناك تطبيع في العلاقات مع الولايات المتحدة (ويمكن ايضا مع اسرائيل) مع طهران. هناك كثير من العناصر المجهولة؛ لهذا يميل القلب الى الذهاب الى الحلول التدميرية المعروفة.

للتذكير: في آب 2013 أعلنت الولايات المتحدة أن سورية استخدمت السلاح الكيميائي وتجاوزت بذلك الخط الاحمر الذي وضعه الرئيس اوباما. وقد كان الخيار في حينه تطبيق التهديد الأميركي، أي الهجوم العسكري في سورية. توقف الهجوم في اللحظة الاخيرة، حيث توصلت الولايات المتحدة وروسيا الى اتفاق يقضي بتفكيك السلاح الكيميائي في سورية. وتحت الضغط الشديد قبل الاسد الاتفاق، ومنذ ذلك الحين تم اخراج 1300 طن من السلاح الكيميائي من سورية، وتم تدمير مواقع الانتاج.

حتى لو بقي لدى النظام كميات صغيرة من هذا السلاح فلا شك أن التهديد قد زال. واختفى التهديد الأكبر على أمن اسرائيل؛ لذلك توقف توزيع الاقنعة الواقية. بدون أن يتم القاء قنبلة واحدة، وبدون أن تضطر يد الجيش الاسرائيلي الطويلة الى التدخل. هذا برهان واضح على قدرة الدبلوماسية.

السياسيون الاسرائيليون، خبراء الأمن الذين يتحدثون باستمرار في وسائل الاعلام، لم يذكروا هذا الانجاز، والحديث عن "الجرف الصامد" في الذكرى السنوية كان أكثر كثيرا من الحديث عن القضاء على السلاح الكيميائي السوري. لماذا؟ لأن الانجاز على الصعيد السوري حققته الدبلوماسية الاجنبية وليس استخدام القوة الاسرائيلية. لأن صور الدبلوماسيين حول طاولة المفاوضات أقل أهمية من الدم والنار والدخان، وكذلك دموع الجنود وقصف عيادة في غزة.

لقد ساعد تدمير السلاح الكيميائي السوري في تعزيز أمن اسرائيل أكثر من "الجرف الصامد". واذا كان هناك درس يمكن تعلمه من السابقة السورية وسوابق اخرى فهو امكانية منح اسرائيل أمنا أكثر وبثمن أقل من أي بديل آخر. لذلك فان الاتفاق هو الخيار الأفضل في السوق.

عن "هآرتس"

المصدر: بقلم: أوري بار يوسف -