يحذر أحد أبرز الشعراء الإسرائيليين من أن عدم المصالحة مع العرب سيحول إسرائيل للدولة الأكثر نبذا في العالم. وينتقد الأديب حاييم غوري (92 عاما) في حديث مطول لملحق صحيفة "يديعوت أحرونوت" مناصبة طبقات النخب الكراهية والعداء بدلا من التفاخر بها لأنها هي التي تنقذ إسرائيل كونها مجموعة بحوزتها قوة ثقافية وطنية وعالمية وتعيش حالة ضيق أخلاقي دائمة داخل الإسرائيليين.
ويقول "تربي كافة الشعوب النخب في أفضل جامعات العالم مثل كامبريدج في بريطانيا ، وهارفارد في أمريكا، والسوربون في فرنسا وغيرها، وهنا نقوم باحتقارها ونصوب نحوها سهامنا ظانين أنها يهودية غربية وتقيم في "دولة تل أبيب" فقط.
غوري الذي ينفي عنه صفة "اليساري المتطرف" يهاجم المستوطنين الذين يحاولون بكل السبل الاستيطان في قلب حي الشيخ جراح في القدس المحتلة . ويشير إلى أن "عدم النزاهة" هي ما تدفعه للتظاهر في المظاهرة الأسبوعية هناك بمبادرة منظمات يسارية إسرائيلية.
ويحذر مما ينتظر إسرائيل في حال ظلت على انتهاكاتها وقال إنها ستتحول قريبا للدولة المنبوذة بالعالم بأل التعريف على غرار جنوب أفريقيا التاريخية العنصرية إذا لم يتوفر حل أخلاقي يتيح حياة اليهود مع "أبناء العمومة".
ويقول غوري الذي حارب مع الهجاناه في 1948 وكان شاعرها الأبرز، إنه بدأ يقرض الشعر قبل نحو 70 عاما حينما كان في منتصف العشرينيات من العمر وما زال يمارس الكتابة ويحظى بباقات زهور وأحيانا تلقى حجارة نحوه.
وردا على سؤال حول التوقف عن تأييده للاحتفاظ بـ "أرض إسرائيل الكاملة" يقول إنه ينتمي للصهيونية ومؤمن كبير بها. ويتابع "في 1967 تحقق حلمي باكتمال أرض إسرائيل ولكن مع الوقت أدى الجدل حول ذلك لتمزيق المجتمع الإسرائيلي. خاب أملي من عدم تحقق الحلم بإقامة أقلية عربية في دولة يهودية بحقوق متساوية مثلما أدركت أن السيطرة على شعب آخر يفسدنا ويورطنا. شهدت المذبحة داخل المسجد الإبراهيمي في الخليل وشهدت رفض العرب التسليم بوجود إسرائيل من جهة أخرى وحرب الاستقلال مستمرة ولكن ينبغي إحراز تسوية فالنفس مثقلة بكراهية تنتقل من جيل لجيل".
غوري الذي يكتب قصائد شخصية وأخرى عن حالة الإسرائيليين يقول بأسى"ذات مرة وفي طفولتي كانت جريمة القتل تترك بنا آثارا عميقة لمدة طويلة واليوم أتناول الصحيفة في الصباح فأقرأ أن رجلا قتل زوجته وانتحر شخص آخر بسبب التنديد به في الفيسبوك واليهود الفلاشا يخرجون في مظاهرات عنيفة احتجاجا على التمييز العنصري بحقهم".
وينتقد الشاعر البارز تفشي ظاهرة العنصرية في إسرائيل وفقدان القدرة على قبول الآخر السياسي والاجتماعي، معتبرا ذلك هو السبب خلف خروج مارد الصراع بين اليهود الغربيين والشرقيين من القمقم العام الأخير. ويستطرد "تربيت على القيم الليبرالية ولم أتخيل أن يحدث كل ذلك في بلادنا وأن تتسع الفجوات غير الإنسانية والبشعة بين الأغنياء والفقراء لهذا الحد. في دولتنا يعاني الكثيرون من الفقر والعوز وفيهم ناجون من المحرقة ويحزنني أن جنديا مؤمنا يتعرض للضرب في القدس من قبل يهود متزمتين لأنه يخدم بالجيش وفي بلدنا رجال دين حولوا الدين لتجارة مربحة وسط استغلال لعواطف الناس وتشارك بعض أحزابنا في الحكم وتحتكر تمثيل الله على الأرض وبين قادتها فاسدون ومدانون بالسرقة كل هذا جزء من بكائي".
وعن مدى قيمة رؤية الشاعر للمشهد السياسي يقول "أذكر ما سمعته من د. حسين فوزي أحد أبرز المثقفين في مصر حينما قال لي في القاهرة: لو كانت الاستخبارات العسكرية في إسرائيل تقرأ الأشعار المصرية بعد نكسة 1967 كانت ستعلم أن حرب رمضان 1973 حتمية. على كل ضابط مخابرات محترم أن يقرأ القصائد لأنها تأتي من الأعماق وتعبر عنها".
ويشكو غوري من عزوف الإسرائيليين اليوم عن قراءة الشعر وتعزيه مجموعات قليلة ما زالت تقدره وتتذوقه. ويقول إن زوجته أكثر القراء موضوعية في نقد نتاجه الشعري وتساعده في استذكار ما تنساه الذاكرة.
وردا على سؤال حول تعميره رغم وفاة والده وجده مبكرا يقول إنه مدخن ويتناول المشروبات الروحية باقتدار وإنه يفكر بالموت لكن ذلك لا يرعبه ويتسبب له بكابوس. ويتابع " أعزي نفسي بالحقيقة أنني مصنوع من حروف ومهم جدا لي تذكر هذا. أنك لن تنسى وسيبقى بعض منك يواسيك. في كتابي الجديد كتبت: قريبا على ما يبدو سأضطر للختام وإن كنت أرغب بالمزيد قليلا. وكتبت أيضا: إعلم أن الأيام والأعداء والريح والمياه لن تمحوك.. ستستمر .. فأنت مصنوع من الحروف.. هذا ليس زهيدا… فرغم كل شيء سيبقى منك شيء".
