في مثل هذا اليوم 21 آب من العام 1969 امتدت يد الإثم والعدوان الإسرائيلي لاحراق المسجد الأقصى أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين ومسرى خاتم الانبياء والمرسلين محمد صلى الله علية وسلم في محاولة للقضاء على الأماكن الإسلامية في فلسطين المحتلة... إذ جاء حريق المسجد الأقصى في إطار سلسلة من الإجراءات التي قام بها الاحتلال الاسرائيلي بهدف طمس الهوية الحضارية الإسلامية لمدينة القدس.
وتأتي هذه الذكرى في وقت ما زالت دولة الاحتلال الإسرائيلي تواصل خططها لتهويد القدس ومنع المسلمين من أداء شعائرهم الدينية مع مصادرة المزيد من الأراضي في المدينة واستمرار حفريات حول الأقصى ومن اسفله لضعضعة جدرانه واساساته، وانهياره وبناء هيكل سليمان المزعوم على انقاضه"..
لا تزال جريمة إحراق المسجد الأقصى واقعاً قائماً حتى يومنا هذا بممارسات واشكال متعددة تزيد من جراح الأمة، وفي هذه المناسبة الأليمة تحدث نخبة من علماء الدين في لبنان عن حريق المسجد الأقصى وواقع الأمة الإسلامية لصحيفة " اللواء" اللبنانية على النحو التالي :
* مفتي زحلة والبقاع الشيخ خليل الميس قال: هل حريق الأقصى بداية حريق الكيان العربي - المجاور والاسلامي المحيط لفلسطين وللأقصى؟
ما بال الأنظمة العربية والإسلامية في تعاملها بصمت امام هذا المعلم الديني الموصول بالسماء حيث شاءت حكمته تعالى ان يكون معراج رسول الله صلى الله علية وسلم في بيت المقدس.
ان قصة الاسراء والمعراج ترتبط بين معلمين دينيين مقدسين هما بيت الله الحرام والمسجد الأقصى... اسأل نفسي ماذا اعدت امتي لإستعادة هذا البلد المصطفى.
وأضاف: يا ترى هل سنبقى نلقي الكلمات وندون المقالات ونعقد المؤتمرات كلاماً بكلام، اما لا بدّ من تنفيذ هذا الكلام... ان الله عز وجل خاطب خلقه بخلقه فلما لم يفهموا خاطبهم بكلامه ونحن نقول الآن إن خطابنا بالكلام دون فعل، ولا بدّ ان تبقى العزيمة منعقدة لاستعادة هذا الحق.
وتابع قائلاً: ونقول بصراحة ان الله إنما يُعيد هذا الحق المقدس للأمة على ايدي من يرضى الله عنه ويرضونه وما حال امتي الآن على إتساعها للقيام بخطوات لاستعادة هذا الحق المغتصب.. ولن يتسرب اليأس إلى نفوسنا لأن الشعوب هي أكبر من الأنظمة ولان تعثرت الأنظمة فإن شاء الله لن تتعثر إرادة امتي لاستعادة هذا الحق، فالشعوب أكبر من الأنظمة والاقوى ولها البقاء.
* اما الشيخ ياسر عودة عضو المكتب الشرعي في مؤسسة السيّد محمّد حسين فضل الله فتساءل اما آن للمسلمين ان يستيقظوا؟
أما آن لحكامهم ان يعيشوا شيئاً من يقظة الضمير؟.
اما آن لنا ان نفكر بمقدساتنا ونحافظ عليها ونحترمها أم اننا ادمنا التخاذل والركوع والوهن الذي دخل إلى كبارها وصغارها عاشوا الفرقة فيما بينهم، وتحاقدوا وتقاتلوا وكانوا يداً على بعضهم بدلاً ان يكونوا يداً على من يحرق مقدساتهم... عاشوا الفساد فيما بينهم بدل ان يصلحوا في امتهم، فهم غريبون عن القرآن وليس هو كتابهم، وكانهم لا يعرفون نبيهم وليس هو إمامهم، وكأنه لم يدعوهم إلى وحدة الأمة ولا إلى العزيمة في وجه الأعداء بل دعاهم إلى ان يمزقوا بعضهم بعضاً ويكونوا رحماء على الأعداء مع اليهود الذين عاثوا في الأرض فساداً فغضب الله عليهم ولعنهم واعد لهم عذاباً آليماً. عاشوا الرحمة معهم والولاء لهم وصفاء الانس معهم بدل ان يعيشوه مع المسلمين من امثالهم وأصبحت قضية الأقصى شيئاً عابراً أو امراً منسياً أو تحوّلت إلى ثقل كبير على جسم الأمة وصدور حكامها، فلا يعرفون متى يتخلصون من قضيتهم...
واضاف: اننا في زمن اضعنا فيه الكلمات التي تصف حال المسلمين وتشتتهم كما اضاعوا البوصلة في معرفة اعدائهم، اضعنا فيه المواقف لأننا رجعنا إلى احقادنا وغرائزنا ولم نستعمل عقولنا وما يريده ربنا في كتابه..
وتابع قائلاً: وفي هذه المناسبة أدعو وبكل محبة واخلاص علماء الأمة من المسلمين من سائر المذاهب والطوائف ان يعيشوا الفكر الإسلامي الاصيل وأن يتلمسوا مواقف الرحمة فيما بينهم وأن ينفتحوا على كتاب ربهم، فإذا صلح شأنهم صلح أمر النّاس ولا يكونوا اتباعاً للساسة بل يكونوا مرشدين وموجهين لهم، فإذا كانوا كذلك صلح أمر الأمة وصلح أمر ولاتها وبالتالي أصبحت قضايا المسلمين قضايا عظيمة لا يستطيع أحد ان يمسه أو يتجرأ على إحراق مقدساته.
وختم قائلاً: اما آن لكم ان تستيقظوا، اما آن لكم ان يكون القرآن إماكم بدلاً ان تكونوا انتم ائمة القرآن، اما آن لكم ان تدعوا إلى الوحدة والإلفة والمحبة بدل ان تكونوا ابواق فتنة وتفرقة.
* اما القاضي الشيخ أحمد درويش الكردي فقال: في مثل هذا اليوم قام اليهود المحتلون باحراق المسجد الأقصى متحدين مشاعر الأمة العربية والإسلامية على حدّ سواء ولا زالت تعديات وحفريات تحت المسجد الأقصى بقصد هدمه واظهار قواعد الهيكل المزعوم ليهدموا المسجد الأقصى وحلمهم المستمر.
واضاف: وأن واجب الأمة العربية والإسلامية ان تثير في وجه العدوان اليهودي والإسرائيلي ضد المسجد الأقصى المقيمين فيه والمرابطين من رجال ونساء ومساعدتهم لردع العدوان عن المسجد الأقصى قبل ان يقوم اليهود بهدمه ويقع المحظور ونحن نتفرج على ذلك وبدلاً من توحيد الجهود العربية والإسلامية لمواجهة العدوان المستمر من اليهود انشغل العرب بانفسهم وبحروب داخلية ومذهبية لا تسمن ولا تغنى من جوع.
وتابع قائلاً: وأن هذه الذكرى الأليمة تحرك في قلوب المسلمين الحزن والاسى لغفلة زعمائها ورؤسائها عن هذا الواجب العظيم، ان الأمة لما كانت على قوتها ووحدتها وعظمتها لم يستطع أحد ان يتعدى عليها ولكن لما وقعت الفرقة والمنازعة بين العرب والمسلمين اصابنا ما اصابنا من وهن وضعف وتشرذم.
وختم قائلاً: ندعو كل المسؤولين من عرب ومسلمين لتوحيد الجهود من تحرير الأقصى وكل فلسطين.
* اما القاضي الشيخ زكريا غندور فقال: مع كل شهر آب من كل عام تطل علينا ذكرى تآمر الصهيوني اليهودي على المسجد الأقصى وخصوصاً على المسلمين عموماً تحقيقاً لقول ربنا عز وجل {لتجدن أشدّ النّاس عداوة للذين آمنوا اليهود} هؤلاء هم بلاء الدنيا كل الدنيا هؤلاء تآمروا في الماضي على حريق المسجد الأقصى القبلة الأولى للمسلمين ليختبروا حقيقة انتماء المسلمين للاسلام ورأوا ان حريق المسجد الأقصى لا يعني للمسلمين شيئاً حتى قال بعض الصهاينة، لو كنا نعلم ان موقف المسلمين من حريق المسجد الأقصى يتجلى بالاستنكار لكنا احرقنا المسجد كلّه..
واضاف: ونحن اليوم بعد هذا الأمد الطويل على حريق المسجد الأقصى نجد التآمر على المسلمين ينمو ويكبر فلم يعد فقط هدف حريق المسجد الأقصى بل أصبح حريق كل مسلم، فقد عم البلاء على العالم العربي والإسلامي فنجد من ينتمي للإسلام أو يدعي الانتماء يقوم بنفسه بهدم المسجد الأقصى بهدم كل مسجد والاعتداء على كل مسلم حتى قتل الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ وتدمير المعالم اتباع حتى وصل بنا الأمر إلى التفاخر بضرب بلاد المسلمين. بسلاح المسلمين وقتل أبناء المسلمين من المسلمين وضياع الاقتصاد الإسلامي بايدي المسلمين.
واضاف: نجد اليوم ان حريق المسجد الأقصى كان بداية الحرب على المسلمين واليوم وقف اليهود جانباً ليقوم من انتمى إلى الإسلام - بدمار البنيان والانسان والاقتصاد معاً. فنقول لمصلحة من كل هذا ومن الرابح من كل هذه الحروب في سوريا ودمار اليمن والتآمر على الخليج وضياع هذا البلد الذي نعيش فيه وهو لبنان، لمصلحة من كل هذه الحروب إلا للعدو الصهيوني.
وتابع: لقد حقق اليهودي أمله بدمار المسلمين وتشريد المسلمين وقتلهم وأصبح هو الأقوى بإيدينا نحن، ونحن ندعي اليوم اننا مسلمون ونقول للعالم الإسلامي اليس فيكم من يعقد الأمر لنعيد للإسلام وجوده وللمسلمين وحدتهم ونعزز هذا الدين والقيم والاخلاق والفضائل واحترام الإنسان فالعدالة ضاعت والقيم فقدت والاخلاق انقرضت وأصبح الأمر بالمعروف منكراً والأمر بالمنكر معروفاً حتى تبدّلت المعايير والمقاييس، فأضحت الفضيلة رذيلة، والرذيلة فضيلة.
وأشار إلى ان حريق المسجد الأقصى هو حرقة في وجوه العالم فهل سندرك مهمتنا ودورنا في هذه الدنيا أم ان الأمل في يقظتنا أصبح مستحيلاً واصبحنا نعيش في طريق لا ندري إلى أين نصل، فولاه امرنا باعوا دينهم والسياسيون باعوا قيمهم، فالسرقة والتزوير أصبحت من الصفات الفاضلة والامانة والاخلاق أصبحت من الأخلاق الساقطة.
وختم قائلاً: حريق المسجد الأقصى صرخة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
* القاضي حسن الحاج شحادة رأى في هذه الذكرى الإلهية أنه لا بدّ لنا ان نتيقن يوماً بعد يوم اننا امام عدو بغيض ومحتل وطامع هدفه الأساسي محو كافة معالم فلسطين ومساجدها لاسيما المسجد الأقصى وهو أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين وبالتالي فاننا منذ أكثر من ستين عاماً ونحن نائمون نتلهى فيما بيننا بناء على رغبات وتخطيطات ومؤامرات، يحيكها لنا هذا العدو وهذا ما نراه اليوم في بلادنا العربية كافة.
انني لا أنسى ما صرّحت به "غولدا مائير" رئيسة وزراء الكيان الإسرائيلي في ذلك الحين عندما وصل إليها خبر حرق المسجد فقالت انني لم استطع النوم ليلة حرق المسجد خوفاً من الكم الهائل من المواجهة العربية والإسلامية التي توقعتها كردة فعل ودفاعاً عن المسجد الأقصى إلا انها اضافت انه عندما بزغ الفجر ولم يكن هناك من أي ردة فعل قالت ادركت انني على يقين اننا نواجه أمة نائمة وهذا للأسف اننا ما نعيشه منذ ذلك الحين.
واضاف: آن الآوان الا تكون هذه ذكريات بل يجب ان تكون عبرة وحافزاً لأن نتوحد وأن نقوم بما هو واجب علينا من حماية مقدساتنا والترفع عن خلافاتنا الشخصية والمذهبية والدينية التي ارادها لنا هذا العدو والكيان الغاصب كي لا تتكرر هذه المآسي ونبكي على أطلال الذكريات وتمنى وفي هذه المناسبة الأليمة ان ينتصر الحق وتعلو كلمة الله عز وجل على كل الكلمات وأن ينصر الله المسلمين أينما وجدوا ويسدد اقدامهم في الحق وأن تعود على الأمة الإسلامية والعربية الذكرى بافضل منها وأن تكون هذه الذكرى هي خاتمة الذكريات الأليمة للمسلمين.
