الحصار يعود والنار تتسع.. واشنطن وطهران تنقلان المواجهة إلى قلب هرمز والخليج

طائرة أميركية تستعد لضرب إيران. (القيادة المركزية الأميركية).jpeg

دخل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة وأكثر خطورة، مع إعلان واشنطن استئناف الحصار البحري على الموانئ والسواحل الإيرانية وتجدد الغارات الأميركية على مناطق عدة داخل إيران، مقابل هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة قالت طهران إنها استهدفت قواعد ومنشآت أميركية في الكويت والبحرين والأردن.

وتأتي هذه التطورات في اليوم الثامن والعشرين من توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وبعد 137 يوماً من اندلاع الحرب، وسط مؤشرات متزايدة على انهيار الترتيبات السياسية السابقة واتساع المواجهة لتشمل أمن الملاحة والطاقة ودولاً عربية في منطقة الخليج.

واشنطن تستأنف الحصار والغارات

أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» استئناف فرض الحصار البحري على السفن والموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية، مؤكدة أن أكثر من 20 سفينة حربية ومئات الطائرات العسكرية الأميركية تنتشر في أنحاء الشرق الأوسط.

وقالت القيادة إن قواتها على أهبة الاستعداد وقادرة على تنفيذ ضربات وصفتها بالفتاكة، مشيرة إلى أن العمليات تستهدف إضعاف القدرات الإيرانية المستخدمة في مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز.

وبالتزامن مع الإعلان، نقلت شبكة «إيه بي سي» عن مسؤول أميركي أن القوات الأميركية تنفذ غارات جوية متواصلة على أهداف داخل إيران، في حين أفاد مسؤول آخر بأن واشنطن قصفت عدداً من المواقع العسكرية بهدف القضاء على ما وصفه بـ«التهديدات الناشئة».

كما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض حزمة جديدة من العقوبات المرتبطة بإيران، عقب التصعيد الأخير والإعلان عن انتهاء مذكرة التفاهم الموقعة بين الطرفين في 17 يونيو/حزيران.

ويرى مراقبون أن الجمع بين الحصار البحري والغارات والعقوبات يعكس انتقال الإدارة الأميركية من سياسة الاحتواء المؤقت إلى ممارسة ضغط عسكري واقتصادي متزامن على طهران.

انفجارات في جنوب إيران

أفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع دوي انفجارات في مناطق متفرقة من جنوب البلاد، شملت بندر عباس وقشم وهنغام وكيش والأهواز وبوشهر.

وذكر التلفزيون الإيراني أن ستة انفجارات سُمعت غربي مدينة بندر عباس، إضافة إلى انفجارات بين قريتي طاهرويي وسيريك وفي جزيرة قشم.

وقال مسؤول بمحافظة خوزستان إن ثلاثة مواقع في محيط مدينة الأهواز تعرضت للاستهداف، بينما تحدثت وكالة الأنباء الإيرانية عن هجوم أميركي جديد قرب بندر عباس.

وأفادت وكالة «تسنيم» بأن القوات الأميركية استهدفت جزيرتي قشم وهنغام ومدينة بندر عباس في محافظة هرمزغان، في حين ذكرت وكالة «مهر» أن جزيرة قشم تعرضت لمقذوفات أميركية.

كما أعلنت شركة الكهرباء في جزيرة كيش انفجار مقذوفات قرب محطة الكهرباء، محذرة من احتمال خروج عدد من وحدات الإنتاج عن الخدمة.

وفي بوشهر، أفادت وكالة «مهر» بتفعيل منظومات الدفاع الجوي في محيط محطة الطاقة النووية، بينما تحدثت تقارير عن استهداف أربع نقاط في المدينة بقذائف معادية.

وفي المقابل، نفى مسؤولون أمنيون إيرانيون صحة تقارير تحدثت عن وقوع انفجارات في مدينة تشابهار بمحافظة سيستان وبلوشستان.

ولاحقا، أفاد التلفزيون الإيراني عن اشتباكات وتبادل إطلاق نار في مضيق هرمز، فيما قالت وكالة الأنباء الإيرانية: "دوي انفجار بمحيط مدينة حاجي آباد في محافظة هرمزغان جنوبي البلاد".
 
 وذكرت وكالة «تسنيم» عن محافظة هرمزغان الإيرانية: "الانفجارات في بندر عباس والمدن الساحلية والجزر الإيرانية ناجمة عن اشتباكات في مضيق هرمز".
 
وحسب وكالة «مهر»:" أصوات الانفجارات شرق سيريك مرتبطة بتبادل لإطلاق النار واشتباكات في مياه الخليج وخليج عمان ومضيق هرمز".

 

طهران ترد في البحرين والكويت والأردن

في الجهة المقابلة، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مواقع ومنشآت أميركية في البحرين والكويت.

وقال الحرس إنه استهدف قاعدة الجفير في البحرين، بما يشمل مستودعات للدعم العسكري ومركزاً للاتصالات ومقار لإقامة القوات الأميركية، مشيراً إلى أن الهجوم جاء رداً على الضربات الأميركية داخل إيران.

كما أعلن استهداف قاعدة علي السالم في الكويت، في وقت قالت فيه القوات المسلحة الكويتية إنها تصدت لهجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة داخل المجال الجوي للبلاد.

وذكر الجيش الكويتي أنه رصد صاروخاً باليستياً وخمسة صواريخ كروز و33 طائرة مسيّرة، مؤكداً اعتراضها، لكنه أعلن في الوقت نفسه إصابة أربعة من أفراد القوات المسلحة عقب استهداف سفينة تابعة للبحرية الكويتية.

وفي الأردن، أعلن الجيش الإيراني استهداف موقع لتمركز مقاتلات من طراز «إف-18» ومنشآت أخرى للجيش الأميركي في قاعدة الأزرق باستخدام الطائرات المسيّرة.

من جانبه، قال الجيش الأردني إن منظومات الدفاع الجوي اعترضت وأسقطت أربعة صواريخ دخلت المجال الجوي للبلاد قادمة من الأراضي الإيرانية، مؤكداً أن الحادثة لم تسفر عن إصابات بشرية أو أضرار مادية.

مضيق هرمز في قلب الصراع

تحول مضيق هرمز إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة بين الطرفين، بعدما أكد مسؤولون إيرانيون أن طهران لن تتراجع عن ممارسة ما وصفوه بسيادتها وإدارتها للممر البحري الحيوي.

وقال نائب وزير الخارجية الإيراني إن السيطرة على المضيق تمثل أولوية تتقدم حتى على الملف النووي، مؤكداً أن بلاده ستمارس سيادتها عليه «مهما كلف ذلك من ثمن».

كما قال المتحدث باسم الجيش الإيراني إن المضيق سيفتح فقط بعد تطبيق الترتيبات التي تضعها القوات المسلحة الإيرانية، مشدداً على أن طهران لن تتراجع عن موقفها.

وأعلن رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إحالة مشروع قانون يتعلق بأمن مضيق هرمز واستدامته، في خطوة تستهدف تعزيز الإطار القانوني الذي تستند إليه طهران في إدارة الممر المائي.

وأظهرت بيانات تتبع السفن تباطؤاً حاداً في حركة الملاحة بالمضيق، مع اقتراب النشاط البحري من مستويات شبه متوقفة، نتيجة المخاوف الأمنية وتزايد الهجمات على السفن.

ويمر عبر مضيق هرمز جزء كبير من صادرات الطاقة العالمية، ما يجعل أي تعطيل طويل للملاحة فيه عاملاً مؤثراً في أسعار النفط وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

استهداف ناقلات إماراتية

كشفت بيانات للملاحة البحرية وصور أقمار صناعية أن ناقلتي النفط «مومباسا بي» و«الباهية»، اللتين أعلنت الإمارات تعرضهما لهجوم داخل المياه الإقليمية العُمانية، لم تكونا تحملان شحناتهما النفطية الرئيسية وقت الاستهداف.

وأظهرت البيانات أن ناقلة «مومباسا بي» كانت قد أفرغت شحنة تجاوزت مليوني برميل قبل الهجوم بأيام، بينما كانت آخر المعلومات المتعلقة بناقلة «الباهية» تشير إلى إبحارها من دون حمولة نفطية تجارية.

ورغم عدم حملهما شحنات كبيرة لحظة الهجوم، فإن استهداف الناقلتين المرتبطتين تشغيلياً بالإمارات يمثل تطوراً خطيراً من شأنه زيادة المخاوف بشأن سلامة السفن التجارية العاملة في المنطقة.

وأعلن مركز الأمن البحري العُماني إجلاء 18 فرداً من طاقم ناقلة «الباهية»، في حين ظل ثلاثة آخرون في عداد المفقودين. كما أعلن إجلاء طاقم ناقلة أخرى ترفع علم ليبيريا عقب استهدافها قرب السواحل العُمانية.

وأفادت المنظمة البحرية الدولية بمقتل شخصين في هجمات استهدفت سفناً في مضيق هرمز خلال يوم الثلاثاء.

ترامب يتراجع عن رسوم عبور هرمز

وفي تطور سياسي واقتصادي لافت، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب التراجع عن خطته لفرض رسوم بنسبة 20% على السفن العابرة من مضيق هرمز.

وقال ترامب إنه قرر استبدال الرسوم باتفاقات تجارية واستثمارية تبرمها دول الخليج مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن المضيق سيظل مفتوحاً أمام السفن.

ويشير القرار إلى محاولة أميركية لتجنب تحميل حركة التجارة والطاقة أعباء مالية إضافية، في ظل ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وتصاعد المخاطر الأمنية في المنطقة.

وقال ترمب لشبكة «فوكس نيوز» لاحقا: "سنستهدف جميع جسورهم ما لم يوافقوا على العودة إلى طاولة المفاوضات" مضيفا"سنضرب إيران بقوة الليلة وغدا وبعد غد وسنستهدف في المرحلة النهائية محطات الطاقة والجسور".

 وقال ترامب" أبلغنا الإيرانيين أن عليهم التوصل إلى اتفاق وإلا فلن يبقى لديهم شيء (..) الولايات المتحدة حثت إيران على إبرام اتفاق عبر محادثات مع طهران يوم الثلاثاء"

وتابع "سنستهدف جميع جسورهم ما لم يوافقوا على العودة إلى طاولة المفاوضات (..) الضربات على إيران ستستمر حتى أقول إن هذا يكفي، نوجه لإيران ضربات قاسية جدا".

النفط يرتفع والمخاوف تتزايد

انعكست التطورات العسكرية سريعاً على أسواق الطاقة، إذ ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 5%، متجاوزة مستوى 87 دولاراً للبرميل، ومسجلة أعلى مستوياتها منذ 12 يونيو/حزيران.

ورغم تشديد العقوبات والحصار، أكد وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد استمرار صادرات بلاده النفطية بصورة طبيعية، قائلاً إن الوزارة تمتلك آليات للتعامل مع القيود الأميركية والحفاظ على تدفق الصادرات.

لكن شبه توقف حركة السفن في هرمز واتساع الهجمات على الناقلات قد يضعان هذه التصريحات أمام اختبار صعب، خصوصاً مع ارتفاع كلفة الشحن والتأمين واحتمال إحجام شركات دولية عن دخول المنطقة.

مخاوف من اتساع الحرب

تثير الهجمات المتبادلة على الأراضي الإيرانية والقواعد الأميركية في دول الخليج والأردن مخاوف من تحول الحرب إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، بعدما تجاوزت الضربات حدود الطرفين المباشرين.

ودانت قطر استهداف ناقلتي النفط الإماراتيتين في مضيق هرمز، بينما حذر الرئيس اللبناني من أن الاعتداءات على دول الخليج والأردن تهدد أمن المنطقة واستقرارها بأكملها.

وفي ظل عودة الحصار الأميركي وتصاعد الهجمات الإيرانية، تبدو مذكرة التفاهم السابقة وكأنها فقدت مفاعيلها بالكامل، وهو ما عبر عنه الناطق باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني بقوله إن الاتفاق لم يعد قائماً بعد عودة العقوبات والحصار.

وبينما تؤكد واشنطن أنها تسعى إلى حماية الملاحة وإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، تصر طهران على أن إدارة مضيق هرمز تمثل خطاً أحمر لا يمكن التراجع عنه.

وهكذا بات الممر البحري الأكثر حساسية في العالم في قلب اختبار عسكري وسياسي بالغ الخطورة، قد تحدد نتائجه مستقبل المواجهة بين واشنطن وطهران، وترسم في الوقت نفسه ملامح الأمن الإقليمي وأسواق الطاقة خلال المرحلة المقبلة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - وكالات