"جيفارا قارئ بلا حدود".. حكايات مصوّرة ومكتوبة حول «التشي» القارئ والكاتب

قلة في العالم من لم يسمع بجيفارا، أو الـ"تشي"، أو آرنستو، كرمز أممي لمقاومة الظلم والطغيان، فله في فلسطين حضور لا يزال طاغياً إلى يومنا هذا، لكن في المقابل قلة من تعرف الكثير من التفاصيل حول جيفارا القارئ والمثقف والمعلم، وهو ما حاول المعرض الفوتوغرافي "جيفارا قارئ بلا حدود"، وافتتح في صالات مؤسسة عبد المحسن القطان بمدينة رام الله، أمس، تسليط الضوء عليه.
وضم المعرض الذي نظم بالتعاون ما بين "القطان"، وممثلية الأرجنتين في فلسطين، صوراً نادرة لجيفارا، وهو يمارس القراءة، وكتباً كان يقرأها، أو كتبها، أو ترجمات عنها، وشيئا من عبارات نادرة له حول القراءة، أو لآخرين حوله كقارئ، وليس فقط كثائر.
ووفق القائمين على المعرض، والذي شهد النور للمرة الأولى في "روساريو" عبر مركز الدراسات الأميركية اللاتينية قبل عامين، فإنه يهدف إلى تعريف وتقريب الجمهور من الموسوعة الغنية والمتنوعة من القراءات التي غذت فكر "التشي"، منذ الطفولة المبكرة وحتى آخر أيامه في الغابات البوليفية، حيث عرضت صورة له برفقة بعض الثوار وهو يقرأ لهم أحد الكتب، إضافة إلى الكتب المتعلقة بنشأته النظرية (السياسة، والتاريخ، والاقتصاد، والفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وغيرها)، كأساس لبناء نظريته الخاصة.
كما يهدف المعرض إلى التعمق في تلك القراءات الأخرى التي أثرت على حياته، من خلال أجناس أدبية مختلفة، مثل الرواية، والشعر، والقصة القصيرة، حيث يتضمن المعرض قائمة طويلة بالكتب التي قام جيفارا بقراءتها، وتلك التي كان يخطط لقراءتها، علاوة على صور له في لحظات القراءة، في أماكن قاسية وغير متوقعة، علاوة على ما يهدف إليه من التأكيد على أهمية الكتاب كأداة من أدوات التحرر.
واللافت، أن جيفارا، ومنذ كان شاباً، عمد إلى تكوين ما يمكن تسميته "فهرس قراءة"، عن طريق تدوين الكتب التي قرأها، والكتب التي ينوي قراءتها، حيث يظهر في المعرض فهرساً خطه في الغابات البوليفية يظهر واحداً وخمسين عنواناً أدبياً كان ينوي قراءتها، ولم يمهله الموت إتمام المهمة، علاوة على ما تضمنه المعرض من ملاحظات نقدية حول ما قرأه، خطها بيده، وفي مرحلة لاحقة بالآلة الكاتبة (الطابعة).
واشتمل المعرض على مراسلات بين آرنستو وعمته بياثريت، وكانت تقيم في المكسيك، ومنها رسالة في العام 1954، يطلب منها فيها أن تزوده بالجرائد اليومية، لافتاً إلى أنها "بعشرين سنتاً يمكن أن ترسل له الكثير من الجرائد القديمة"، في حين أشارت رسالة أخرى لعمته، بعد عامين من الأولى، إلى إلحاحه بإرسال المزيد من الجرائد، وأنه لن يطلب ذلك منها مجدداً، إن كانت لا تحب القيام بهذه المهمة، مع أن قراءة الجرائد "مثيرة جداً" لاهتمامه، وفي رسالة أقدم تعود إلى العام 1937، خاطب جيفارا عمته برسالة جاء فيها "أنا بخير، ولقد غادرت الفراش .. الجو جميل هنا .. إذا كان معك نقود، لا تنسي شراء كتاب هومبيرتو نوبيلتي".
ونقل عن فلاح كان على مقربة من جيفارا، يدعى رافائيل فيردسية، قوله: "في بعض الأحيان كان يقرأ هناك (الغابات البوليفية)، جالساً على حجر، لا أعرف الكتاب الذي كان يقرأه لأنني لم أكن أحب أن أسأل كثيراً .. ولكن أتذكر رؤيته يقرأ بينما كانت الحشرات تقرصه، ومن شدة تركيزه العميق بالقراءة، كان بالكاد يحس بها".
وما بين ماركس وشكسبير، ولينين وليزاما لاما، ومن خلال اختياراته الأدبية، يمكن للمهتمين العمل على إعادة بناء جزء من حياته القرائية، التي صنعت من أرنستو جيفار، التشي، أيقونة عالمية، وهو ما أكده زياد خلف المدير التنفيذي لمؤسسة عبد المحسن القطان، الذي كشف عن تنقل المعرض بين عدة محافظات فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما شدد عليه أيضاً إدواردو دي مايو، ممثل الأرجنتين في فلسطين.
وقال زياد حاج علي، قيم ومنتج المعرض لصحيفة "الأيام" الفلسطينية: "جيفارا قارئ بلا حدود" يركز على جانب آخر، ربما يكون مجهولاً لدى الكثيرين حول جيفارا، ألا وهو "جيفارا القارئ"، الذي اشتهر كطبيب ثم قائد ثوري أممي، اشتهر في الثورة الكوبية، قبل أن يرحل إلى الغابات البوليفية، حيث كان يمارس القراءة والكتابة بكثافة أكثر في تلك الفترة، كاشفاً عن أنه تم التواصل مع مؤسسة جيفارا الثقافية في الأرجنتين، وبالتحديد مع شقيقه، عبر مؤسسة عبد المحسن القطان والممثلية الأرجنتينية في فلسطين، وحصلنا على مادة المعرض، شريطة عدم استخدامها تجارياً، أو تعميمها، حيث تم الاتفاق على نقله لعدة أشهر إلى متحف جامعة بيرزيت، فيما يجري العمل على نقله إلى قطاع غزة، والقدس، و"نأمل أن نتمكن من ذلك"، خاصة أنه يكتسب خصوصيته من كونه يركز على جيفارا القارئ، وجيفارا الأديب.
من جانبه، قال محمود أبو هشهش، مدير برنامج الثقافة والفنون في مؤسسة عبد المحسن القطان لـ"الأيام": أهمية المعرض هي نجاحه في المزج ما بين القيم التي ناضل من أجلها جيفارا، ومن بينها قيم العدالة، والكرامة الإنسانية، والتحرر من الاستعمار، والمزاوجة ما بين رمزيته العالمية في هذا الإطار، وما بين فكرة المعرفة، التي هي أساس للنضال ولتحقيق القيم التي ناضل من أجلها جيفارا، ويناضل من أجلها، ومنذ عقود، أبناء الشعب الفلسطيني، لافتاً إلى أنه يجري التنسيق للمعرض منذ قرابة العام، وشاءت الظروف أن يتم إطلاقه في وقت تتصاعد فيه حدة المقاومة الفلسطينية، وبشتى الطرق، وبعضها مبتكرة، في مواجهة سياسات الاحتلال وجرائم المستوطنين، خاصة أننا بدأنا نفقد تلك المزاوجة ما بين الوعي والثقافة والمعرفة وما بين الكفاح المسلح، التي كانت ترافق المسيرة النضالية الفلسطينية في ستينيات، وسبعينيات، وثمانينيات القرن الماضي.
وأضاف أبو هشهش: هناك تراجع فلسطيني، وفي مجمل المنطقة، فيما يتعلق بالقراءة والجانب المعرفي، وجزء كبير مما يحدث في المنطقة أساسه الجهل، والادعاء بالمعرفة، ومن هنا يأتي هذا المعرض، لتوظيف جيفارا الرمز والأيقونة بالنسبة للفلسطينيين بشكل خاص، وفي العالم بشكل عام، للتذكير بأهمية الانحياز مجدداً للقراءة والمعرفة، بما يعزز الحركة النضالية والتحررية ضد ومن الاحتلال.
ويبقى أن نشير، إلى أن لإقامة معرض "جيفارا قارئ بلا حدود" في فلسطين، بعداً مهماً، ليس فقط للمكانة التي يحتلها في وجدان الشعب الفلسطيني، بل لكونه ناضل من أجل ما يناضل الفلسطينيون من أجله، ويتمثل في التحرر من الاحتلال، والنضال من أجل العدالة، على أمل استعادة الانحياز للقراءة والمعرفة في السياق الفلسطيني، كأداة مهمة من أدوات المقاومة، والانعتاق من الظلم الذي يمثله الاحتلال الإسرائيلي.

 

المصدر: يوسف الشايب -