في حوار مع المخرج والمراسل الحربي أوناي أرانثادي:

لم يكمل بالكاد التاسعة عشر عاما عندما قرر أوناي أرانثادي السفر إلى فلسطين المحتلة عام 1994، حيث زار القدس. وتشاء الصدف أن يتعرف هناك على رفيقة دربه وهي طالبة سويدية كانت تدرس آنئذ في جامعة بيرزيت العريقة، التي كانت إبانها تحت حكم المحتل قبل توقيع اتفاقيات أوسلو، ليمارسا معا غواية مهنة المتاعب التي زادت من درجة ارتباطهما .

القدس التي ستسافر معه أينما حل وارتحل باحثا عن توثيق اللحظة وحاكيا عبر الصوت والصورة، بل وشاهدا على أهم اللحظات المفصلية لشعب أريد له بعد مأدبة للئام أن يظل تحت الاحتلال …
أرانثادي، الذي يعيش منذ مدة في العاصمة السويدية استوكهولم، من مواليد سنة 1975 في مدينة غيتشو في إقليم الباسك شمال إسبانيا، وجد نفسه محققا لحلم ظل يراوده منذ فترة المراهقة باشتغاله مراسلا حربيا إثر تأثره بما يجري حوله ولتعاطفه الشديد مع ضحايا حقوق الإنسان في كل بقاع الأرض.
شهد أوناي مختلف أوجه الظلم الإنساني في مناطق الصراع في العالم، بدءا بفلسطين المحتلة، العراق، أفغانستان، الشيشان، الصومال، كولومبيا، أوكرانيا، الكونغو الديمقراطية. وحاول تقديم ما اقتنصته عيناه على شاشات فضائيات عالمية مثل، بي بي سي، سي أن أن وقناة الجزيرة. بعد ذلك سيدخل غمار تأسيس تجربة خاصة به إثر إنشائه مشروع "إنديبندنت دوكس" للأفلام الوثائقية المستقلة.
وأوناي أرانثادي مخرج وصحافي متخصص في الصراعات المسلحة وحقوق الإنسان، فاز فيلمه "جامبو أماني" أي (لدينا سلام) بعدة جوائز منها فضية أفضل فيلم قصير في المهرجان السينمائي الدولي في هيوستن في دورته 47، وجائزة أحسن فيلم قصير في المهرجان السينمائي الدولي لحقوق الإنسان في برشلونة سنة 2014.. وفيه يحكي عن قرار مجموعة من أفراد القوات الديمقراطية لتحرير رواندا، تسليم أسلحتهم والدخول في برنامج إعادة الإدماج للأمم المتحدة. كما أن فيلمه "كولومبيا إنبيسيبلي"،أي (كولومبيا غيرالمرئية)، يشكل تعرية وفضحا لواقع ضحاياه من الأطفال، وفيه يلقى القضاة الذين يبحثون عن الحقيقة حتفهم، في الوقت الذي يتمتع فيه الحاكمون برغد العيش ولامبالاتهم تجاه معاناة الشعب الكولومبي… التقيناه أثناء حضوره في مدينة سان سيباستيان لتقديم وعرض فيلمه "ورغم ذلك.. فإن القدس" ضمن دورة الفيلم الوثائقي الخاص بفلسطين… وكان لصحيقة "القدس العربي" اللندنية معه الحوار التالي:
■ بصفتك مخرج أفلام وثائقية كيف ترى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في عالم الصورة؟
□ أرى أن هناك أشياء كثيرة لكنها تعاني من عدة صعوبات للخروج من الدوائر البديلة والأقلية التي لا تصل إلى مستوى القنوات الكبرى ولا في كثير من الأحيان للمهرجانات الكبيرة. المخرجون أيضا أساءوا كثيرا لصورة الفلسطينيين كحاملي أسلحة أو قاذفي حجارة، في حين أن معظم المجتمع هم أناس عاديون يحاولون أن يعيشوا حياة طبيعية ولم يسبق لهم بتاتا أن حملوا سلاحا .
■ هل الأفلام الوثائقية الأوروبية والأمريكية حول القدس متحكم فيها أم إنها تعكس الواقع؟
□ عادة ما يتم تفضيل إسرائيل، وإلا سيتم خلق مسافة متساوية زائفة. هذا الصراع ليس بين طرفين متساويين، وليس صراعا بين فريقين على قدم المساواة في الذنب، ولكنه نضال المظلوم ضد الظالم.
■ انطلاقا من كاميرا التصوير هل يمكن تحويل الواقع في رأيك؟ ألسنا أمام استغلال تاريخ شعب عانى من دون حدود؟
□ لا يمكن تحويل الواقع، لكنها تساعد على تعجيل التغيير، أو على الأقل، ألا ننسى أنه موجود.
■ تعتبر أن الصحافيين يسعون إلى أدرمة القصص كيف ذلك؟
ـ بالمعنى الذي تحدثت عنه سابقا، يعتبر ذلك سهلا، فالذين يصورون دائما يصورون مشهد العنف، وليس الحياة الطبيعية وأنهم يريدون إحلال السلام حال الغالبية العظمى من الفلسطينيين.
■ لقد قلت وفقا لحديثك مع صديقك مثلي الجنس الإسرائيلي إن العقدة النفسية للإسرائيلي تظهر بشكل واضح عندما يستقل الطائرة بأي معنى؟
□ إنهم يعرفون أنهم مذنبون في شيء ما، لذلك عند السفر يخفون جنسيتهم على سبيل المثال، ومن جانب آخر يعانون تناقضا كبيرا. إنهم يحتلون قطعة من الشرق الأوسط، ولكن في الواقع لا يحبون الشرق الأوسط. إنهم يريدون جعل المنطقة مثل أوروبا، وهذا خطأ، ودليل على أنهم لا يشعرون بارتياح في الوضعية الحالية ولا في إسرائيل المصطنعة.
■ هل يمكن تغيير الصورة التي تتلاعب بها إسرائيل لتحقيق التعادل بين القاتل والضحية؟
□ نحاول ذلك عبر السينما، الثقافة، الصحافة ولكن من الصعب للغاية في الوقت الذي تستمر فيه القنوات واستوديوهات هوليوود الكبرى تصوير الفلسطينيين كإرهابيين صغار محتملين وهمجيين ذوي طبيعة عنيفة.
■ في فيلمك الوثائقي أظهرت لنا فلسطين أخرى فوفقا لمعلم فن الإيقاع، المطلوب هو الحفاظ على رتم الآلة الموسيقية، لأن الإسرائيلي يريد كسر الإيقاع. هل لديك هذا الخوف من أن إسرائيل يمكن أن تكسر إيقاع الفلسطينيين؟
ـ بطبيعة الحال، يكسر الإيقاع الطبيعي للشعب الفلسطيني كله بشكل عام وللفرد بصفة خاصة. لمنع التنقل يتم إجهادهم بالغارات الجوية والرصد المستمر، بألف طريقة يهدفون لكسر علاقتهم مع الأرض التي يعيشون عليها.
■ هل يمكن اعتبار فيلمك الوثائقي أداة لكسر إيقاع وسائل الإعلام الإسرائيلية؟
□ نعم، يمكن وآمل أن يكون كذلك.. إنه نسخة مختلفة عن السائد .
■ حسب خبرتك الصحافية في مناطق أخرى من الصراع ما هو الفرق بينها وبين فلسطين؟
□ الفرق هو الفضاء. سأحكي لك شيئا كنت في طولكرم، حيث كان هناك هجوم وعشرات الطلقات من الإسرائيليين العسكريين المطوقين للمدينة، وبعد ركوبي السيارة وفي عشرين دقيقة وصلنا إلى ضواحي تل أبيب، حيث كان هناك حفل راقص لموكب مثليي الجنس يضم الآلاف من الشبان الإسرائيليين في حفلات شرب الخمر والتدخين والرقص. هذا فقط يحدث هناك. في مساحة صغيرة جدا، اختلافات كبيرة.
■ بالنسبة لك كيف ترى القدس في عالم الإعلام
□ الناس يعتقدون بالفعل أن هذه المدينة هي 100% إسرائيلية. لقد نسوا أنها احتلت منذ عام1967، وأن إسرائيل انتهكت القانون الدولي المتعلق بعبور الخط الأخضر.
■ ما الذي يمكن أن تقوله للمخرجين الذين يريدون تصوير أفلامهم في فلسطين؟
□ اذهبوا من دون أدنى تردد. الفلسطينيون مضيافون جدا ويضعون كافة التسهيلات التي يقدرون عليها .
■ قلت إن إسرائيل تسيطر على المجال الإعلامي وإن للفلسطينيين مخرجا وحيدا يتمثل في الكفاح المسلح؟
□ مشكلة الكفاح المسلح هو عدم المساواة. قوة إسرائيل هائلة. فالأمر لا يقتصر على قصف إسرائيل لقطاع غزة. فطائراتهم والعديد من القنابل أمريكية. فقط الطيار إسرائيلي، ولكن البقية الأخرى المشاركة في الحرب تمثل تحالفا دوليا وبطبيعة الحال من الصعب للغاية تحقيق الفوز.
■ هل يمكن الحديث عن مخرج أفلام وثائقية مستقل؟
□ أحاول أن أكون، وبشكل جذري. كما قال إدوارد سعيد، العمل على الإعلام والتقرير هو ليس لنيل الاستلطاف من أي أحد. وإلا سيكون ذلك كوميديا أو علاقات عامة. واجبنا أن نحكي لكي تكون هناك عدالة. رغم ما يسببه ذلك من إزعاج.

 

المصدر: مدريد- خالد الكطابي -