كانت تلك الخيمة الصغيرة، التي لا تزيد مساحتها عن خمسة أمتار، وارتفاعها عن مترين، الموجودة فوق أنقاض منزل دمره جيش الاحتلال الإسرائيلي، خلال عدوانه على قطاع غزة عام 2014م، بديلاً مرًا، ومأوى لذاك الشاب، الذي فقد منزله، وشقته التي كان يُجهزها من قوت يومه، وعانى وكابد كثيرًا وهو يعيش بها..
ذاك الشاب لم يترك عملاً قاسيًا إلا وعمل به، من أجل توفير قوت يومه، حتى وجد من جميع وتنظيف "الخردة" مهنةً يعملُ بها، ويبني رويدًا رويدًا شقته داخل منزله المتواضع، في منطقة الزنة المُدمرة ببلدة بني سهيلا شرقي محافظة خان يونس جنوبي القطاع، تمهيدًا للزواج، قبل أن يتم تدميره بالكامل، ويتبدد مُستقبله..
وعلى الرغم من تفكيره في الحياة ورسم مُستقبله كما أي شاب من سنه، كان ذاك الحُلم وتلك الأمنية التي تمناها كثيرًا وهي "الشهادة"، ترافق معظم تفاصيل حياة الشاب سلامة موسى أبو جامع "24عامًا"، حتى نالها في يوم ميلاده!، الذي يوافق السابع من نوفمبر/تشرين ثان.
فلم يترك موكب تشييع شهيد إلا ويخرج ويُشارك به، ولم يدع مسيرة إلا ويحرص على المشاركة بها، ولا تفوته أي مسيرة على السياج الحدودي مع الأراضي الفلسطينية المُحتلة، إلا ويُشارك بها، ويُبدي شجاعةً في مقارعة الاحتلال، من خلال التقدم ورفع العلم الفلسطيني عدة مرات على السياج..
معاناة ثم شهادة!
تلك الجراءة جعلته معروفًا بين كثير من سكان المناطق الشرقية بخان يونس، وبين الشبان الذين يتظاهرون سلميًا نهاية كل أسبوع "الجمعة"، على خط التماس مع الاحتلال الإسرائيلي بالمناطق الشرقية، حتى شارك معظم المُتظاهرين في حمله لحظة إصابته، بعد أن رفع العلم الفلسطيني على الشريط الحدودي.
وكان يُصر الشهيد "أبو جامع" على المبيت داخل منزلهم، على الرغم من أنه أيل للسقوط، بعد الحرب مباشرةً، لكن جرى إزالة ركامه قبل أشهر، على أمل إعادة بنائه، وأعطيت عائلته خيمة، وأصبحت مأوى له، فيما تم تسليمها كرافان خشبي، تعيش به حتى اليوم..
يوسف أبو جامع شقيق الشهيد "سلامة" يقول لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "تناولت الغداء برفقة شقيقي الشهيد سلامة داخل الخيمة، ولم يُكمل، وأخبر والدتي أنه ذاهب لبيت عمي ليُكمل غدائه، ولم نكن نعلم حينها، أنه ذاهب للمناطق الحدودية، شرقي خان يونس، ليُشارك بالمواجهات، إلا عندما أصيب، ونال ما يُريد".
ويضيف شقيق الشهيد "هاتفني أحد أصدقائي، وأخبرني بإصابته، وتقبلت الأمر، وكنت بجوار شقيقتي، ولم أشعرهم بشيء، وتوجهت مسرعاً للمستشفى الأوروبي، وقبل وصولي أخبروني باستشهاده، وتقبلت الخبر، والحمد الله(..) وأخبرني شاب شاهد استشهاده أنه قال لرفاقه (من يستشهد يغفر لي، وإن استشهدت سأغفر لكم)، ونطق الشهادتين..".
فراق مؤلم
أما والدة الشهيد سلامة، فبدت أكثر واحدة تتألم على فراق فلذة كبدها، وبدا ذلك من عدم قدرتها على الحديث، فاكتفت بالقول : "حسبنا الله على اليهود، الله ينتقم منهم، فتحت عليه الخيمة وكان نائمًا، وطلبت منه أن يتناول الغداء، وأرسلت له صحنًا به طعامه، بعدما استفاق من النوم، ولم يُكمله، وطلبت منه برجاء عدم الذهاب للحدود، خشية على حياته"، وهنا بكت الأم ولم تقدر على مواصلة حديثها..
لكن والد الشهيد بدا مُتماسكًا، ومُتقبلاً لخبر استشهاد نجله، لكن لم يستطع أن يُخفي ألمه لفراق نجله، ويقول لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء": "نجلي كُتب له الشهادة، قبل أن يدخل عامة الرابع والعشرين بست ساعات قريبًا، وهو كثيرًا ما طلبها، ونالها في يوم ميلاده، ونسأل الله له القبول، فشهادته شرف لنا".
ويتابع والد الشهيد "أخبر جيرانه وأصدقائه بالمنطقة التي نعيش بها، أنه ذاهب بلا عودة هذه المرة!، وأنه ذاهب للشهادة، فصدق الله فصدقه، ونسأل الله له الرحمة، وتقبلت الخبر باحتساب، وكنت متوقع خبر استشهاده بأي لحظة، لأنه كان يتمناها".
ويستطرد "هاتفني الكثير وأخبرني أنه مُصاب، تارة في قدمه، وتارة في يده..، وكنتُ أشعر أنه شهيد، إلى أن ذهبت للمستشفى مُسرعاً، ورأيته مُصابة بعيار ناري في قلبه، وأخبرني الأطباء باستشهاده، فتقبلت الخبر، واحتسبته شهيدًا، فكان بسيطًا محبوبًا، يعمل في (الخردة)، وخسر الكثير بعد تدمير المنزل، وضاقت به الدنيا، وعاش حياة قاسية في الخيمة".
ويشدد والد الشهيد "لن يُثنينا استشهاد سلامة وغيره، عن مواصلة مقاومة المحتل، في الدفاع عن المسجد الأقصى، حتى تحريره وبقية أرضنا، ونحن مستعدون لفداء أهلنا وكل ما نملك للقدس، ولن تخيفنا تهديدات الاحتلال، ولا جبروت وقوته، ونطالب بوحدة الصف الوطني والفلسطيني.
وتشهد الأراضي الفلسطينية، منذ نحو خمسة أسابيع، العديد من المواجهات وعمليات الطعن والدهس وإطلاق النار، تجاه جيش الاحتلال الإسرائيلي على خطوط التماس، خاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة، أسفر عن استشهاد 80 فلسطينيًا وإصابة الألاف، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.
