من الخيمة إلى المجهول.. نزوح غزة يتحول إلى حياة دائمة بلا مأوى ولا مقومات للبقاء

خيام تؤوي نازحين فلسطينيين على ساحل مدينة غزة وبين مبانٍ متضررة جراء الحرب، في 10 أغسطس/آب 2026. تصوير: بلال أسامة.

تجريد سكان غزة من مقومات الحياة وتحويل النزوح إلى واقع دائم: تصاعد مؤشرات خطة التهجير القسري

لم تعد الخيمة بالنسبة إلى مئات آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة محطة مؤقتة في رحلة نزوح يفترض أن تنتهي بالعودة إلى المنزل، بل تحولت، مع امتداد الأزمة وتعذر العودة وإعادة الإعمار، إلى عنوان لحياة قسرية تتآكل فيها يومًا بعد آخر أبسط مقومات الأمان والخصوصية والصحة والاستقرار.

وفي أنحاء متفرقة من القطاع، تعيش أسر فقدت منازلها أو أُجبرت على مغادرتها بفعل العمليات العسكرية الإسرائيلية وأوامر الإخلاء المتكررة داخل خيام مهترئة، أو في مراكز إيواء مكتظة، أو حتى في العراء. وبينما كان يفترض أن توفر هذه المواقع حماية مؤقتة للنازحين، بات كثير منها يفتقر إلى المياه الكافية، وشبكات الصرف الصحي، والغذاء، والأدوية، ومواد النظافة، فضلًا عن غياب المأوى الملائم والحماية من تقلبات الطقس.

ويرى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في تقرير اطلعت عليه "وكالة قدس نت للأنباء" أن استمرار هذه الظروف، بالتزامن مع تدمير مساحات واسعة من المناطق السكنية وفرض قيود على إدخال مواد البناء والإعمار، لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التي تجعل البقاء في غزة أكثر صعوبة وتحد من إمكانية عودة النازحين إلى مناطقهم.

ويحذر المركز من أن تراكم هذه الإجراءات، إلى جانب تصريحات صدرت عن مسؤولين إسرائيليين بشأن هجرة سكان القطاع أو "تشجيعهم" على المغادرة، يثير مخاوف جدية من تحول النزوح الداخلي إلى واقع طويل الأمد، وربما إلى أداة ضغط تدفع السكان إلى البحث عن بدائل خارج غزة.

وبحسب المعطيات التي أوردها المركز استنادًا إلى تقييمات مجموعة إدارة المواقع، يعيش في القطاع نحو 2.17 مليون نسمة، يتركزون في مساحة محدودة، فيما يبلغ عدد النازحين المسجلين في مواقع النزوح نحو 1.7 مليون شخص، موزعين على أكثر من 1,590 موقعًا.

وتشير البيانات إلى أن الغالبية الساحقة من هذه المواقع عبارة عن تجمعات عشوائية للخيام أو مساحات مفتوحة تفتقر إلى البنية التحتية الملائمة، في حين تشكل المدارس والمباني العامة ومراكز الإيواء الجماعية نسبة أقل بكثير.

ولا تعكس هذه الأرقام اتساع حجم النزوح فقط، بل تكشف أيضًا عن تحول المؤقت إلى شبه دائم؛ فأسر كثيرة تعيش منذ شهور طويلة في المكان ذاته دون أن تملك تصورًا واضحًا لموعد العودة أو إمكانية إعادة بناء منزلها.

خيام لا تقي حرًا ولا بردًا

داخل المخيمات ومناطق النزوح، تتدهور الخيام نفسها مع مرور الوقت. فالاستخدام المطول والحرارة المرتفعة والرياح والأمطار أدت إلى تمزق أغطية كثير منها وتآكل أرضياتها، فيما تضطر الأسر إلى استخدام قطع النايلون والأقمشة القديمة لسد الثقوب ومحاولة توفير قدر من الحماية.

وبحسب البيانات التي أوردها المركز، تنام آلاف الأسر في العراء دون خيمة أو مأوى مناسب، بينما لم تحصل أعداد كبيرة من العائلات على مساعدات إيوائية خلال الأشهر الماضية.

ويضيف الاكتظاظ عبئًا آخر؛ إذ تضم بعض الخيام ثمانية أشخاص أو أكثر رغم تصميمها لاستيعاب عدد أقل، الأمر الذي يحرم العائلات من الخصوصية ويزيد الضغوط النفسية والاجتماعية، ولا سيما على النساء والأطفال.

ويصف محمد أبو عودة، وهو نازح يقيم مع أسرته في خيمة غرب مدينة غزة، حياته اليومية بأنها صراع دائم مع الظروف المحيطة. ويقول، وفق إفادة نقلها المركز، إن الخيمة تتحول نهارًا إلى مساحة شديدة الحرارة، فيما لا توفر ليلًا حماية كافية من الحشرات والقوارض، كما أن مياه الأمطار تسربت إليها خلال فصل الشتاء وأغرقت الأغطية والملابس.

ويضيف أن الحصول على خيمة جديدة أصبح خارج قدرته المالية بعد فقدانه مصدر دخله، في وقت وصلت فيه أسعار بعض مستلزمات الإيواء إلى مستويات لا تستطيع أسر كثيرة تحملها.

الماء.. انتظار يومي

ولا تنتهي معاناة النازحين عند حدود المأوى. فالحصول على المياه تحول بدوره إلى مهمة يومية معقدة.

وتعتمد مواقع نزوح كثيرة على الصهاريج لنقل المياه، بسبب تضرر شبكات المياه أو تعطلها. ويجعل ذلك حياة السكان مرتبطة بتوافر الوقود وانتظام عمليات التوزيع، فيما تضطر الأسر عند نقص الكميات إلى ترتيب أولوياتها بين الشرب والطهي والغسيل والاستحمام.

إنعام سرسك، وهي أم لخمسة أطفال وتقيم في خيمة بمدينة غزة، تقول إن الأسرة قد تنتظر وصول صهريج المياه لساعات طويلة، وأحيانًا دون أن يصل. وعندما تتوفر المياه، تضطر العائلة إلى تقسيم الكمية المحدودة بين الاستخدامات الضرورية وتأجيل احتياجات أخرى.

أما الوصول إلى دورات المياه، فله معاناة أخرى؛ فالكثير من المرافق بعيدة أو مكتظة أو تفتقر إلى النظافة والمياه، ويصبح الوصول إليها أكثر صعوبة ليلًا، خصوصًا بالنسبة إلى الأطفال والنساء وكبار السن.

الصرف الصحي والنفايات.. خطر يحيط بالخيام

في عدد من مواقع النزوح، تتجمع مياه الصرف الصحي قرب الخيام أو تمر عبر الممرات الترابية، بالتزامن مع تراكم النفايات وغياب خدمات منتظمة لجمعها.

ومع ارتفاع درجات الحرارة، تنتشر الحشرات والقوارض والروائح الكريهة، ما يزيد المخاوف من انتقال الأمراض وتلوث الطعام والمياه.

ماهر أبو الروس، وهو نازح يعيل أسرة كبيرة في منطقة مواصي خان يونس، يصف مشهدًا تتداخل فيه النفايات مع المياه العادمة ونقص مياه النظافة. ويقول إن الأطفال يعانون أحيانًا من طفح جلدي والتهابات، بينما تضطر الأسرة إلى المفاضلة بين شراء الطعام أو المياه أو مواد النظافة، وغالبًا ما تكون الأولوية للطعام.

وتوضح هذه الإفادات أن الأزمة لا تتعلق بعنصر واحد يمكن عزله، بل بمنظومة كاملة من الاحتياجات المتداخلة؛ فشح المياه يؤثر على النظافة، وتراكم النفايات يزيد انتشار الأمراض، ونقص الدواء يجعل الحالات الصحية البسيطة أكثر صعوبة، بينما يحول الفقر دون قدرة العائلات على توفير البدائل.

المرض أقرب من العلاج

وبفعل الاكتظاظ وتلوث البيئة وضعف خدمات الصرف الصحي والنقص في المياه، تتحول مواقع النزوح إلى بيئة مناسبة لانتشار الأمراض، في وقت تواجه فيه المنظومة الصحية نفسها نقصًا حادًا في الإمكانات.

ويشير المركز إلى انتشار أمراض جلدية وحالات حمى ومشكلات في الجهاز التنفسي والإسهال الحاد، مع ارتفاع المخاطر خصوصًا لدى الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والأشخاص ذوي الإعاقة.

وتضاف إلى ذلك مخاطر الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب في مناطق قريبة من تجمعات سكانية ومواقع نزوح، بما يجعل حركة الأطفال في المساحات المفتوحة محفوفة بمخاطر يصعب على الأسر التحكم فيها.

الأشخاص ذوو الإعاقة.. النزوح أكثر قسوة

بالنسبة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن، يصبح مجرد الوصول إلى دورة مياه أو الحصول على المياه تحديًا يوميًا.

سامي أبو حلاوة، البالغ من العمر 67 عامًا ويعاني إعاقة حركية، يقول إنه يحتاج إلى مساعدة في كل مرة يغادر فيها الخيمة لأن الطريق إلى المرافق الصحية غير ممهد وبعيد نسبيًا.

وفي بعض الأحيان، بحسب إفادته، يضطر للبقاء لساعات داخل الخيمة لأنه لا يستطيع التحرك بمفرده.

وتكشف مثل هذه الحالات أن مواقع النزوح صممت، في كثير من الأحيان، من دون مراعاة كافية لاحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، سواء من حيث الممرات أو قرب المرافق أو إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية.

الليل يضاعف الشعور بالخوف

مع حلول الظلام، تتزايد الصعوبات في مواقع تفتقر إلى إنارة كافية. ويجعل ذلك حركة السكان أكثر خطورة، ويصعب الوصول إلى دورات المياه ومصادر المياه، كما يزيد مخاوف النساء والأطفال من التنقل ليلًا.

ولا يحمل الليل معه الراحة بالضرورة؛ فالاكتظاظ داخل الخيام وغياب الخصوصية والحرارة أو البرد والضوضاء المحيطة تجعل الحصول على نوم طبيعي مسألة صعبة بالنسبة إلى كثير من العائلات.

حتى إعداد الطعام أصبح تحديًا

فقدان مصادر الدخل ونقص الوقود ووسائل الطهي أجبر بعض العائلات على استخدام الحطب والكرتون، وفي حالات أخرى مواد بلاستيكية، لإشعال النار وإعداد الطعام.

رحاب عمران، وهي شابة نازحة مع عائلتها في مدينة غزة، تقول إن المشكلة لا تتوقف عند الحصول على الطعام نفسه، إذ قد تمتلك الأسرة كمية من المواد الغذائية لكنها تعجز عن إيجاد وسيلة آمنة لطهيها.

وفي بعض الحالات، يؤدي إحراق مواد غير مخصصة للطهي إلى انتشار دخان كثيف داخل الخيام ومحيطها، بما يزيد المخاطر على الأطفال والمصابين بأمراض الجهاز التنفسي.

النزوح داخل النزوح

حتى الموقع الذي تلجأ إليه الأسرة لا يوفر لها دائمًا استقرارًا دائمًا. فكثير من الخيام أقيمت على أراضٍ خاصة أو في أماكن لا تمنح سكانها أي ضمان قانوني للبقاء.

ويقول بعض النازحين إنهم اضطروا إلى دفع بدل مالي لأصحاب الأراضي مقابل إقامة خيامهم عليها، رغم فقدانهم منازلهم ومصادر دخلهم.

ويصف أحمد أبو ميري، النازح مع أسرته إلى أرض خاصة، شعورًا دائمًا بالقلق من إمكانية مطالبتهم بالمغادرة في أي وقت، مؤكدًا أن العائلة لا تعرف المكان الذي يمكن أن تتوجه إليه إذا أُجبرت على الرحيل مرة أخرى.

وهكذا يصبح النزوح قابلًا للتكرار داخل قطاع صغير ومكتظ أصلًا: منزل مفقود، ثم خيمة غير مستقرة، ثم احتمال انتقال جديد إلى موقع آخر لا يختلف كثيرًا في ظروفه.

من أزمة إيواء إلى سؤال عن مستقبل السكان

ويرى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن استمرار العائلات داخل هذه البيئة لفترات طويلة لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد أزمة إغاثية، بل بوصفه قضية تمس الحق في السكن والمياه والصحة والغذاء والأمان والخصوصية والعيش بكرامة.

كما يربط المركز بين استمرار النزوح وتعثر العودة وبين القيود المفروضة على إدخال مواد البناء ومستلزمات إعادة التأهيل، معتبرًا أن عدم تمكين السكان من إصلاح منازلهم أو إعادة بناء ما دُمر يطيل عمر الأزمة ويدفع نحو تحويل الخيام إلى بديل دائم للمساكن.

وفي قراءته القانونية، يعتبر المركز أن حرمان المدنيين من العودة الآمنة والطوعية واستمرار تدمير الممتلكات أو منع إعادة تأهيلها يثير مسائل جدية بموجب القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك القواعد المتعلقة بحظر النقل والتهجير القسري وحماية السكان المدنيين.

كما يرى أن تدهور الظروف المعيشية يجب قراءته إلى جانب الالتزامات المتعلقة بضمان وصول المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية، وقرارات محكمة العدل الدولية التي تناولت ضرورة منع تفاقم الظروف الإنسانية في قطاع غزة.

وتبقى هذه التوصيفات القانونية جزءًا من موقف المركز وتقديره للوقائع، بينما يحتاج تحديد المسؤوليات القانونية النهائية إلى المسارات القضائية والتحقيقية المختصة.

مطالب بفتح الطريق أمام العودة والإعمار

وفي ضوء هذه المعطيات، دعا المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إلى رفع القيود المفروضة على إدخال الخيام والكرفانات ومواد البناء والمعدات اللازمة لإزالة الركام، وتمكين السكان من العودة الآمنة والطوعية إلى مناطقهم، والبدء بإعادة تأهيل المنازل والبنية التحتية والخدمات الأساسية.

كما طالب بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ولا سيما المياه والغذاء والأدوية والوقود ومواد النظافة، وتطوير برامج إيواء تتجاوز الحلول المؤقتة التي أصبحت، مع مرور الوقت، جزءًا من الأزمة نفسها.

وبالنسبة إلى مئات آلاف النازحين، لا يتعلق السؤال اليوم بوجود خيمة فوق رؤوسهم فقط، بل بما إذا كانت هذه الخيمة ستظل عنوان حياتهم لسنوات، وما إذا كانت العودة إلى البيت ستبقى احتمالًا واقعيًا أم تتحول تدريجيًا إلى ذكرى بعيدة.

ففي غزة، لم يعد النزوح مجرد انتقال من مكان إلى آخر؛ بالنسبة إلى كثير من الأسر، أصبح انتقالًا من حياة كانت تملك فيها منزلًا وحيًا وخصوصية ومصدر رزق، إلى واقع لا تعرف فيه أين ستنام غدًا، ولا متى ستعود، ولا إن كان المنزل الذي تنتظره ما يزال قائمًا أصلًا.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة