بوتين عندما خصّ بعض الزعماء العرب ؛ بانهم بحاجة الى هرمون الرجولة ؛ لم يفصح بان السبب يكمن في تسلطهم على شعوبهم ؛ لكن ؛ كان السبب عنده ؛ انهم لم يتواطأوا معه هذه المرة ؛ لتدمير الرقّة السورية ؛ على من تبقى من المليون نسمة فيها ؛ رغم التجويع المركّب والتعذيب والقتل . وغاب عنه أن بعض الزعماء قد التحقوا بركب التحالف الدولي للقضاء على تنظيم الدولة الاسلامية ؛ مع توخي الحذر من الحاق الضرر بالمدنيين الامنين في وطنهم ؛ ولم يرق لهم موكب القيصر .
مع ظهور اسم الدولة الاسلامية في الرقة او غيرها من المناطق الخاضعة لسيطرتها ؛ السوريون الهاربون من بطش الاسد ؛ استبشروا به خيرا ؛ وعوّلوا على قادة الدولة ؛ انهم قادمون ؛ تصحبهم سماحة الاسلام ورحمته و عدله ، لكن الصورة التي طغت على مشهد ادارتهم للبلاد ؛ اتسمت بالشدة والغلظة في التعامل ؛ والقتل بلا ضوابط مع المواطنين في بلدانهم أو المدنيين من اعدائهم ؛ وبذلك يكونوا قد اكرهوا الناس على طاعتهم والولاء لهم والتدين بدينهم ؛ مع ان الوارد في عقيدة المسلمين ( لا اكراه في الدين . . )
الشعب السوري كغيره من شعوب العالم ؛ توّاق للامن والامل بمستقبل واعد ؛ فيه الاستقرار ؛ لا تعنيه المسميات ( امة عربية واحدة ؛ ذات رسالة خالدة ، أو دولة الخلافة ) ، كل ما يعنيه : أن يقود البلاد من يوفر لهم الامن والاستقرار .
كل الشعوب في العالم تتوق الى ما يفتقده الشعب السوري من الشعور بلم الشمل واعمار البلاد والعيش بطمانينة ؛ لا ان يعيشوا على احر من الجمر ؛ في الترقّب الى ما هو اسوأ ؛ وكأنهم يعومون فوق بحر من البارود ؛ أو يستظلون تحت غيمة من المتفجرات .
شعب فلسطين يعاني كما يكابد الشعب السوري ألم التشرد والتشتت والضياع . . . يستنبت له الاحتلال الاسرائيلي الاعذار في المحاكم المقيدة بقرارات سياسية ؛ لتثبيت وجوده وتوسيع دوائر استيطانه ؛ فمحاكمة قتلة عائلة دوابشة حرقا ؛ لم تكن صورية فحسب ؛ بل عقدت جلساتها لتتجاوز مسرحية الدولة القائمة على اسس ديموقراطية ؛ فتحقق بذلك هدف ترويع وارهاب أصحاب الارض في فلسطين بشتى ابتكارات القتل الحديثة .
ربما يحققون حلم ازالة الوجود الفلسطيني ؛ رغم تعارضه ما احتوته صفحات التاريخ ، فاليهود لم يتمكن هتلر من ابادتهم ؛ رغم المحرقة ، واليابانيون لم تستطع امريكا من القضاء عليهم ؛ رغم هيروشيما .
رئيس الحكومة الاسرائيلية يعزف على ناي السلام ليلا نهارا ، وكلام الليل يمحوه النهار ، فبين ليلة وضحاها ؛ وبالتعاون مع الادارة المدنية ؛ بلور خطة سياسية جديدة ؛ بنقل اربعين الف دونما من اراضي الضفة الغربية الى السلطة الفلسطينية ، ومما يقارب الى تاكيد الخبر ؛ انه واثناء لقائه الأخير مع وزير الخارجية الامريكي كيري ؛ طرح امكانية ( تغيير الظروف الأمنية والاقتصادية ؛ شريطة اعادة الهدوء الى المنطقة ) ، الا ان مكتبه لم يصادق على الخطة الجديدة ؛ لكنه لم ينف في ذات الوقت .
وفي وقت لاحق ؛ وخلال مؤتمر حزب الليكود الاسرائيلي ؛ نفى ما جاء في صحيفة معاريف و على موقعها الالكتروني ؛ بنيته تسليم مناطق جديدة للسلطة ؛ فقال : ( لن يتم تسليم الفلسطينيين أية مناطق ؛ لا اربعين الف متر ولا عشرة آلاف متر ولا حتى متر واحد . .. )
هذا استخفاف بالطرف الفلسطيني المقابل في مفاوضات السلام المزعوم ؛ لا يخفي حقيقة ان رئيس الحكومة الاسرائيلية ؛ لا يخضع الى الابتزاز الاسرائيلي اليميني المتطرف فحسب ؛ بل يؤكد حقيقة اعتقاده الذي لا يقبل الشك بحرية تطويع الراي الى الرأي النقيض وتبدل القرار وقلب الحقائق .
كل ذلك من اجل الحفاظ على حكومة طيّعة لابتزاز رئيس حزب البيت اليهودي نفتالي بينيت والذي ادعى انه اجبر نتنياهو على التراجع عن ملاحظات أصدرها مؤخرا حول امكانية انسحاب احادي اسرائيلي من الضفة الغربية . ومن اجل الاصغاء جيدا الى الى مشروع قانون جديد ؛ قدمه عضو الكنيست الاسرائيلي عن حزب ( البيت اليهودي ) موتي يوغافا ؛ والذي يقضي بمنع استخدام بيوت العبادة والصلاة للانظمة الصوتية في دعوتها للصلاة ؛ لانه حسب مشروع القانون ( يعاني مئات آلاف الاسرائيليين في حيفا وتل أبيب والسبع والقدس من ازعاج يومي ) .
كل ما تشتهيه النفس الاسرائيلية في أرض اللبن والعسل وعناقيد العنب ؛ تقدم لها على طبق من ذهب ؛ حتى هدم الاقصى ؛ لا يستعصي على اشارة من نتنياهو ؛ وكل ما يؤجّل الهدم اويمنعه هو معتقده الديني ؛ وكأن المعتقد اليهودي ينذرهم باقتران هدم المسجد الاقصى بنهاية اجلهم .
يتردد رئيس الحكومة الاسرائيلي في اتخاذ المواقف الحاسمة في القضايا الاسرائيلية ؛ سواء على صعيد محلي او على صعيد دولي ، ظنا منه أن التردد يسلمه من الحصار السياسي الدولي ؛ كما استنفذت امريكا كل قواه أثناء معارضته للاتفاق الذري مع ايران ، او تدفيع الثمن الاسرائيلي ؛ كما أرغمه بينت على التراجع عن نيته في تسليم اراض للسلطة الفلسطينية ، وتركه عاجزا أمام فتية من الشعب الفلسطيني ؛ تجاوزوا حالة الاستسلام لواقع الاحتلال الاسرائيلي ؛ وعبروا معترك المواجهة الفردية ؛ حتى انساق نتنياهو الى حلبة التحدي لارادتهم ؛ فاغرى هوى شخصيا عند بعض جنوده ؛ وحرف المواجهة الجدية الى دمية ؛ يلهو بها الجنود ؛ يروون ظمأ او يتمتعون بمشاهد دماء تراق ؛ لفتية او فتيات ؛ ذاهبين الى مدارسهم او عائدين ، تسقط السكاكين امامهم او من خلفهم أو من فوق رؤوسهم بقدرة قادر ؛ لتكون حجة عليهم ؛ وذريعة لاطلاق رصاص قاتل يستقر او يخترق الاعناق اوالصدور .
الصراعات التي خاضها الاسرائيليون ؛ وعلى مدار عقود من الزمن ؛ واجهوا بها جيوشا عربية او تنظيمات فلسطينية أو مرابطين في الاقصى أو فتية متمردين على واقع الاحتلال ؛ لم توفر لهم الامن ولا الشعور باستقرار الدولة ؛ حروب متواصلة وعداوة مستمرة وتوسع لا يعرف حدودا ثابتة .
في قلب الحدث دائما ؛ ومحور الصراع ؛ شعب فلسطين لا يفقد الامل في العودة الى أرضه والى جدران بيوت ما زالت قائمة والى قرى مهدمة ، تقترن آمالهم بتضحيات براءة المقاومين من كل جيل متجدد ؛ رغم خذلان المنكسرين اذلالا لمغريات الحياة الدنيا ؛ بالمال والجاه والشعور بفعالية هرمونات الرجولة المصدرة من بوتين ؛ بشرط استعراضها على من يعيشون حالة الفقر والعوز والاستضعاف .
هرمون الرجولة عند قادة الشعوب المغلوبة أو عند كل معتد على أمن وسلامة الفرد او المجتمع التوّاق الى العيش بكرامة ؛ اما ان يكون ذا مفعول بدرجة عالية تتجاوز الحدود ؛ فترتد على من هم تحت رحمتهم وحمايتهم ؛ تعذيبا وقتلا بربريا ؛ أو أنه فاقد لأهميته عند الثائرين على واقع الاستعباد ؛ فيرتد كيد المعتدين الى نحورهم ؛ ويقيم أنصار المعتدين لهم مأتما وعويلا .
..........................................................................................
بقلم : بديع عويس
