صور.. "ماضي" يكتب وصيته قبل استشهاده بساعات!

ما تزالُ قصص شهداء انتفاضة القدس المُشتعلة، تُلهب المشاعر والأفئدة، وتُعطي دلالة على صدقهم وإخلاصهم وحُبهم للوطن ونيل الشهادة لأجله، من خلال ما يخطونه من عبارات، وما يحدث معهم من مواقف، قبيل استشهادهم بفترةٍ قصيرة.

الشهيد سامي شوقي ماضي "38عامًا" من سكان مخيم دير البلح وسط قطاع غزة، كان أخر شهداء انتفاضة القدس أول أمس الجمعة، بعدما نالت رصاصة أحد قناصة جنود الاحتلال الإسرائيلي منه، على حدود مخيم البريج وسط القطاع، أثناء مشاركته في مسيرات الغضب الأسبوعية بوجه الاحتلال..

أخر كلماته ووصيته

قبيل ساعاتٍ من خروج الشهيد "سامي" متوجهًا لمسرح المواجهات، خط العديد من العبارات على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، وكتب وصيته، ومن ثم انطلق تجاه ما يصبو إليه، ومن تلك العبارات "اليوم يوم المواجهة مع الاحتلال شرق البريج ادعوا لنا تحياتي"، "رايتنا يحملها الأجيال جيلا بعد جيل على خطى الآباء المؤسسين عاشت الذكرى..".

واختتم أخر دخول له عبر مواقع التواصل الاجتماعي بوصية وغادر، ونصها الحرفي "هذه نهاية سنة 2015على وشك الرحيل، ولن تعود أبدًا سامحوني لو أخطأت، أعذروني لو ما أوفيت، أنا أسف على ثلاث أشياء ( لو زعلت إنسان، لو جرحت إنسان، لو اغتبت إنسان)..".

وتابع في وصيته "أشـــكـــر ثلاثة (من وفا لي وقدرني، من يعزني، من حبني)، والله يُسامح ثلاثة (من اغتابني في غيابي، من جرحني وزعلني، من سمع كلام غيري وتغير علي، اللهم إني عفوت فيما بيني وبين الناس فاعف عني يا رب العالمين)".

وداع مُؤلم جدًا

وعلى الرغم من توقع والدته نعيمة ماضي "63عامًا" باستشهاده، إلا أن وقع الخبر لم يكُن سهلاً على نفسيتها، وأبنائها، ونفسية زوجته المكلومة، وأبناؤها السبعة، الذين لم يصدقوا استشهاده، (أربع أولاد، وثلاث بنات)، الذين لا يتعدى أكبرهم (19عامًا)، وأصغرهم (عامين ونصف)..

 وما إن دخل جثمانه محملاً على الأكتاف منزله، تعالت الزغاريد، وعويل النسوة، خاصة والدته وزوجته وأطفاله وشقيقاته، وهنا شهدنا مشهد شقيقته "هبة" (28عامًا)، التي صرخت بصوتٍ عالِ وهي تبكي بحرقة (سامي ما مات، سامي راح يرجع، تعال يا سامي، سامي راح يرجع، عده رجع، ما مات سامي..!).

لحظات رقد الجثمان رقدته الأخيرة بين ذويه، التفت حوله النسوة لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليها، "اعتصرت القلوب ألمًا في تلك اللحظات، التي لم نقدر أن نُحدث فيها أحدًا، فأغمى على بعضهنّ، من بينهنَ زوجته، ووالدته، وبعضًا من شقيقاته لبعض الوقت".

ظن المُشيعون أن نقل جثمان الشهيد "سامي" وإخراجه من المنزل، بعد أقل من عشرة دقائق على إدخاله، سيهدأ الخواطر، لكن زادها ألمًا ووجعًا، فتعالت الصيحات والعويل، حتى ركضت بعض النسوة خلف الرجال لاستكمال وداعه داخل المسجد، الذي لا يبعد سوى "20مترًا" عن المنزل.

صبر واحتساب

وبعد نحو نصف ساعة من خروج الجثمان من المنازل، استطعنا الدخول والوصول لوالدة الشهيد "سامي" التي أحاطتها عشرات النسوة، اللواتي يرتدنّ الملابس السوداء، كي نتحدث معها، بعد أن هدأت قليلاً بفعل كلمات الصبر والاحتساب التي تُمليها عليها ممن يجلسنّ حولها..

وتقول ماضي لـمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "الله يرحمك يا مجاهد، الكل كان يحبه، احتسبك شهيد يا حبيبي، الله يرحمك، كنت حاسة إنك راح تستشهد، كتب الوصية وقال (سامحوني)، وخرج وطلب أن أسامحه وأدعو له، ولم أراه وهو خارج، رغم إني طلبت رأيته، وقلت (الله يسهل عليك من قلبي ويسامحك)".

وأضافت بعدما انهمرت من عيناها الدموع "ودعته بقلبي وروحي، خرج ليدافع عن أرضه، في سبيل تحرير فلسطين، والمسجد الأقصى الذي زرته قبل أسبوعين، الكل مفروض يجاهد اليوم، ويشارك في الانتفاضة، بشكل أكبر، والكل يجب أن يتوحد، خاصة قيادات شعبنا، والله ينصرهم على عدوهم".

وتابعت والدة الشهيد "سامي" بعدما رفعت يداها للأعلى "حسبنا الله على (إسرائيل) ومن عاونها، وينتقم منها، على شعبنا أن يقاوم حتى أخر قطرة دم، الجزائر قدمت مليون شهد لتنال حريتها وتحريرها، ونحن يجب أن نقدم ضعفهم لأجل ذلك، وربنا يصبرني ويصبر أمهات الشهداء على فراق أبنائها، ونتمنى من المقاومة الرد والثأر لدماء الشهداء".

أما "أحمد" نجل الشهيد "سامي" فلم يقدر أن يعود مُجددًا ليرى والده ومن حوله الجميع يبكي، فاحتضنه ابن عمه ووضعه رأسه على صدره، في محاولة لجبر خاطره، ولملمة جراحه، وتحدث بكلمات محدودة وهو يبكي بحرقة "لوكالة قدس نت للأنباء" : "فاجئنا استشهاد والدي، وكان مؤلمًا علينا، وربنا يرحمه، ويصبرنا، سأنتقم له".

الشعبية تتبنى الشهيد

وبحسب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي تبنت الشهيد، وقالت بإنه أحد قياداتها التي انتمى لها عام 1991م، ويتولى منصب ممثل الجبهة في اللجنة الشعبية للاجئين بمخيم دير البلح، وتقلد عدة مناصب تنظيمية قبل ذلك، وحاصل على شهادة البكالوريوس في الحقوق.

وأكدت الجبهة في بيان لها، أن طريق المقاومة والاشتباك المفتوح مع "العدو الصهيوني" هي الطريق لتحرير فلسطين، مشيرةً إلى أن اندلاع مواجهات عنيفة بمشاركة الألاف مع قوات الاحتلال من الجنوب حتى أقصى شمال القطاع، على خطوط التماس، تجسيد لنهج ورؤية الجبهة التي عمدّته بدماء الشهداء..

وتابعت "وتأكيدًا على موقفها الداعم والمُساند لاستمرار الانتفاضة وتصعيدها، ضد الاحتلال، حتى تحقيق العودة والاستقلال والحرية"، لافتة إلى أن استشهاد "ماضي" واستمرار شلال الدم النازف من خاصرة هذا الوطن الجريح، من القطاع حتى الضفة والقدس، لنؤكد أن الانتفاضة، التي يخوضها الشباب المنتفض، أجهزت على ما تبقى من رهانات على خيار التسوية العقيم، وغسلت عار الاتفاقيات والمفاوضات التفريطية.. 

المصدر: دير البلح – وكالة قدس نت للأنباء -