أطلقت في الأيام الماضية إشارتان تطفحان بالأهمية، وتتصلان بالعلاقات التركية - الإسرائيلية التي تدهورت بعد اقتحام قوات إسرائيلية لسفينة "مرمرة" التركية.
وكانت الإشارة الأولى ما قاله رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، أمام لجنة الاقتصاد في الكنيست، بأنه سيرسل مبعوثاً خاصاً إلى تركيا لمناقشة مسألة تصدير الغاز. أما الإشارة الثانية فكانت إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن تطبيع العلاقات مع إسرائيل من شأنه أن يحمل الخير للطرفين.
وكانت جهات إسرائيلية عديدة قد أوحت لنتنياهو بأن الوقت حان لإصلاح العلاقات مع تركيا، بسبب أزمتها مع روسيا من ناحية وجراء تفاقم أزمة تطوير حقل "لفيتان" إثر انسحاب مصر من المفاوضات بشأن الغاز مع إسرائيل.
ومن الواضح أيضاً أن الأزمة مع روسيا، وحاجة تركيا القديمة للغاز الإسرائيلي، حفزت أردوغان على التحرك في هذا الشأن. ولكن من المنطقي الافتراض أن الولايات المتحدة، التي لعبت على مدى الأعوام الأخيرة دوراً محورياً في الجهود لإصلاح وتطبيع العلاقات التركية - الإسرائيلية لها دخل في الموضوع. وليس مستبعداً أن التصريحات من الطرفين قد تكون مرتبة ضمن مسعى مستتر يــقوم به الطــرفان مباشــرة أو عبر طرف ثالث.
فرغبة نتنياهو في إقرار صيغة الغاز في الكنيست، والتي اصطدمت أمس الأول بإصرار لجنة الاقتصاد على رفض الالتفاف على قرار المسؤول عن منع الاحتكارات، عبر الاستناد إلى البند 52 الذي يعطي مبرراً أمنياً لهذا الالتفاف، تبدو جامحة. وقد برر هو ورجاله الإصرار على الإقرار بأن تصدير الغاز يفتح أمام إسرائيل فرصة لإنشاء علاقات سياسية وثيقة مع دول المحيط ويعزز مكانتها الدولية.
ومع ذلك، في إسرائيل وتركيا قيادة تدّعي الحرص الشديد على الكرامة القومية، ومستعدة لافتعال إشكالات لإظهار هذا الحرص. وقد أعاق ذلك حتى الآن تسوية العلاقات الإسرائيلية - التركية حتى بعدما اضطر نتنياهو، بضغط من الرئيس الأميركي باراك أوباما، للاعتذار شخصياً وعلناً عن اقتحام سفينة "مرمرة". كما أن الاشتراطات التركية بربط التسوية وتطبيع العلاقات برفع الحصار الإسرائيلي عن غزة لا تزال تعرقل التسوية، التي معروف أن بنودها مبرمة منذ أكثر من عام، وكانت بانتظار موافقة نتنياهو عليها.
وفي كل حال فإن إسرائيل الرسمية تجنبت في اليومين الأخيرين التعقيب على كلام أردوغان بشأن الخير في تطبيع العلاقات بين الدولتين. وثمة في إسرائيل من يحاول الإيحاء بأن الأتراك يركضون خلف إسرائيل ويطلبون الرضى منها. ونقلت "يديعوت احرونوت" عن مصادر سياسية إسرائيلية قولها إن "الكرة في الملعب التركي. فنحن اعتذرنا، وعلى استعداد أيضا لتقديم تعويضات. وعلى أردوغان الكف عن إزعاجنا بالحديث عن إزالة الحصار عن غزة، لأن تركيا تعرف أنه ليس ثمة حصار ونحن لا ننوي دفع ثمن لتطبيع العلاقات". وتضيف المصادر السياسية الإسرائيلية أنها تلحظ رغبة تركية في تطبيع العلاقات منذ تفاقم أزمة إسقاط الطائرة الروسية، حيث تبدي أنقرة رغبتها في مد أنبوب من الحقول البحرية الإسرائيلية إلى تركيا ومنها إلى أماكن أخرى في العالم.
وفضلا عن ذلك، تنظر تركيا بقلق إلى تنامي العلاقات الإسرائيلية مع المحور اليوناني (اليونان وقبرص اليونانية) في كل ما يتعلق بالغاز. ومن المقرر أن يلتقي نتنياهو الشهر المقبل مع نظيره اليوناني ألكسيس تسيبراس والرئيس القبرصي نيكوس أنستاسياديس للبحث في مسائل الغاز وتصديره. ويخشى الأتراك، وفق المصادر الإسرائيلية، أنهم إذا لم يتصرفوا بسرعة فسوف يخسرون على حد سواء الغاز والعلاقات الإستراتيجية مع إسرائيل.
وخلف الاعتبارات السياسية والأمنية في مسألة الغاز أيضا مصالح اقتصادية كبيرة. فشركات الطاقة التركية والإسرائيلية تحث الحكومتين بقوة على استغلال اللحظة الراهنة والإعلان عن تطبيع العلاقات. ولأن عواقب الأزمة الروسية - التركية ستنعكس على قطاع الطاقة، فإن أنقرة ترى في الغاز الإسرائيلي مخرجاً وفرصة لإصلاح العلاقات مع تل أبيب. ويقول رجال أعمال إسرائيليون، ضالعون في الأمر، إن "الأتراك تواقون لإنهاء الأزمة مع إسرائيل وتحقيق تقدم بشأن الغاز".
ويحاول مسؤولون محيطون بنتنياهو إبداء الدلال في هذه المسألة. وقد أشار مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى إلى أنه "ينبغي هنا إجراء تحليل استراتيجي معمق جداً، بسبب أن الأمر يتعلق بمعادلة مع ست دول: إسرائيل، تركيا، قبرص، اليونان، مصر وروسيا. لا ينبغي التسرع. ثمة مبررات لهذه الوجهة أو تلك".
وفي كل حال، فإن الأميركيين يحثون إسرائيل وتركيا على التقدم نحو تطبيع العلاقات. وكانت أميركا هي من حثت على مشاركة وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتس لحضور مؤتمر الطاقة في تركيا، حيث أعلن أنه ليس ثمة ما يمنع بيع الغاز لتركيا. لكن شتاينتس بضغط من نتنياهو لم يحضر المؤتمر.
وليس صدفة أن شتاينتس كان الوزير الإسرائيلي الوحيد الذي علق على كلام أردوغان الأخير بشأن تطبيع العلاقات. وقد أعلن شتاينتس "أنه لا ريب عندي في أن إعلان الرئيس التركي بشأن رغبته في تحسين العلاقات مع إسرائيل ينبع، من بين أسباب مختلفة، من التقدم في الشهور الأخيرة في صيغة الغاز، ومن الإقرار بين دول المنطقة بأنه خلال بضع سنوات سيكون بالوسع شراء الغاز من الحقول التي طورتها إسرائيل. وإلى جانب الإشارات والرسائل التي نتلقاها في الشهور الأخيرة من دول المنطقة، فإن هذا مثال آخر على الدور الإيجابي لحقول الغاز في تعزيز مكانة دولة إسرائيل".
وكان المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية دوري غولد، وهو مقرب جداً من نتنياهو ومسؤول عن إصلاح العلاقات مع تركيا، قد أعلن في رد على كلام أردوغان أن "إسرائيل دائماً وأبداً تتطلع لعلاقات مستقرة مع تركيا، وهي طوال الوقت تفحص طرق تحقيق ذلك".
عموماً وصل مدير دائرة غرب أوروبا في وزارة الخارجية الإسرائيلية أفيف شيرأون إلى تركيا قبل أسبوعين، واجتمع إلى عدد من المسؤولين الأتراك في الخارجية والبرلمان. وقال لصحافيين أتراك إن "إسرائيل ترغب في إيجاد حل للمشاكل القائمة في علاقاتنا، وآمل حدوث تقدم في الاتجاه الصحيح في المستقبل القريب". وكان آخر لقاء بين مسؤولين أتراك وإسرائيليين لتطبيع العلاقات قد عقد في حزيران الماضي في روما. وبحسب مصادر إعلامية إسرائيلية، فإن الأتراك لا يزالون يطالبون برفع الحصار عن غزة، فيما يطالب الإسرائيليون بإبعاد صالح العاروري عن تركيا وهو ما يكرر الأتراك أنه وعائلته في قطر.
