بعد مناورات وألاعيب سياسيّة كثيرة، من بينها استقالة وزير ومنحه وزارة أكثر أهميّة من أجل تسهيل إقرار صيغة الغاز في إسرائيل، لم تشعر حكومة إسرائيل أنَّ أزمة قطاع الغاز تمّ حلّها. فما أن جلس رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ليرتاح من عناء المواجهة السياسيّة والقانونيّة والشعبيّة، حتّى ظهرت معالم الأزمة من جهة أخرى. فقد بدا واضحاً لكثيرين، أنَّ الجهد الهائل الذي بُذل لإقرار الصيغة، لم يجد نفعاً لسبب بسيط، وهو أنَّ الفائدة من حقول الغاز، صارت أقلّ بكثير جراء انخفاض أسعار النفط عالمياً. وبدلاً من إقامة الأفراح والليالي الملاح، اضطر وزير الطاقة، يوفال شتاينتس، لبدء جولة مداولات على أعلى المستويات لتحديد أثر انخفاض أسعار النفط ـ ما دون 30 دولاراً للبرميل ـ على كلّ قطاع الطاقة الإسرائيلي، وخصوصاً على تنفيذ صيغة الغاز.
شارك في المداولات ممثّلون عن إدارة النفط، وسلطة الغاز، و"بنك إسرائيل"، ووزارة المالية، ورئيس المجلس القومي للاقتصاد، ومدير عام وزارة الطاقة. ووضعت على الطاولة أوراق استشاريّة دوليّة تعرض البدائل الموجودة أمام إسرائيل، في ظلّ انخفاض أسعار النفط، والتكلفة الفعلية لتطوير حقول الغاز والإنتاج منها. وبرغم أنَّ الأوراق عرضت خيارات تصدير الغاز إلى تركيا ومصر وأوروبا، إلَّا أنَّ التوصيات تحدّثت أساساً عن تشجيع الاستهلاك المحلي عن طريق حثّ كبرى المصانع الإسرائيليّة للتحوّل إلى استخدام الغاز. ولكن كان ملحوظاً أنَّ التوصيات ركّزت على أهميّة تطوير واستغلال الحقول الغازيّة الصغيرة والمتوسطة، حيث لا تكون تكلفة الإنتاج مرتفعة.
ولا بدّ هنا من الإشارة إلى حقيقة أنَّ دراسة أزمة الطاقة في إسرائيل جراء انخفاض أسعار النفط، تعني في الواقع شيئاً واحداً: دراسة جدوى الاستثمار في حقول الغاز الجديدة، وخصوصاً حقل "لفيتان" الذي جرى التعامل معه عند اكتشافه وكأنَّه "منقذ" إسرائيل و "مغيّر أحوالها". فانسداد آفاق تصدير الغاز على نطاق واسع إلى تركيا (لأسباب سياسيّة)، أو مصر (لأسباب اقتصاديّة)، وارتفاع تكلفة الخيارات الأخرى أو محدوديّة جدواها، دفع كبار المسؤولين والخبراء في إسرائيل إلى الإقرار بواقع أنَّ أسعار النفط والغاز، عالمياً، لن تسمح بتطوير "لفيتان" و "تمار" في وقتٍ قريب. ويدفع هؤلاء نحو إقناع الحكومة بالعمل فقط على مدّ أنبوب آخر من حقل "لفيتان" إلى الساحل، لزيادة قدرة إسرائيل على استهلاك الغاز.
بل إنَّ بعض الخبراء الإسرائيليين صاروا يعرضون خيارات أقلّ تكلفة، وهي ترك الغاز في الحقول البحريّة والعودة إلى استيراد الغاز المسال من السوق العالميّة. والتبرير الذي يعرضه هؤلاء لهذا التحوّل، يقوم على أساس أنَّ سعر الغاز في إسرائيل ثابت وتمّ الاتفاق عليه أساساً بين شركة الكهرباء القطرية، وهي أكبر مستهلكي الغاز، وشراكة حقل "لفيتان"، فيما أنَّ سعره في العالم متغيّر. وسعر الغاز المسال عالمياً، بات أرخص ممّا تدفعه شركة الكهرباء لشراكة "تمار". ويقول خبراء إسرائيليون إنَّ قطر أبرمت، قبل أسابيع، صفقة لبيع باكستان 60 شحنة غاز مسال بسعر يبلغ 13.37 في المئة من سعر برميل النفط. وعندما يكون سعر برميل النفط 30 دولاراً، فإنَّ الباكستانيين يشترون وحدة الغاز المسال بسعر 4 دولارات، وهذا يعني أنّه أقلّ بـ 27 في المئة من السعر الذي تشتري به شركة الكهرباء الغاز من حقل "تمار".
ويرى خبراء أنَّ أحلام "نوبل إنرجي" و "ديلك" في أن يوقّعا قريباً مع شركة "بريتش غاز" على عقد لتصدير الغاز من "لفيتان" إلى منشآت الشركة للتسييل في مصر، ستتبدّد. وكانت شراكة "لفيتان" قد وقّعت مع "بريتش غاز" على ورقة نوايا في حزيران 2014، تقضي بأن يوفّر حقل "لفيتان" 150 مليار متر مكعّب من الغاز لمنشأة تسييل الغاز التابعة لـ"بريتش غاز" في "إدكو" في مصر لمدة 15 سنة. وقيل حينها إنَّ قيمة الصفقة تبلغ 30 مليار دولار، وهي أكبر صفقة وقّعتها شراكة "لفيتان"، نظرياً، مع أيّ زبون، وتقضي بتصدير حوالي سدس مكمن الغاز. وكان يفترض بهذه الصفقة، لو تحقّقت، أن تسهّل تطوير الحقل، لكن من الواضح أنَّ عراقيل إداريّة في إسرائيل وأخرى اقتصاديّة، تعترض تنفيذ الاتّفاق.
وكما هو معروف، فإنَّ "بريتش غاز" أصلاً على وشك أن تُباع لشركة "شل" الهولنديّة التي ستغدو أكبر شركة تسييل غاز في العالم. وهناك اعتقاد أنَّه حتى لو وقّعت شراكة "لفيتان" هذا العقد مع "بريتش غاز"، فإنَّه حال إتمام صفقة شراء "شل" لـ "بريتش غاز"، سيتحوّل العقد إلى مجرّد كلمات ميتة لا معنى لها في الواقع. ويعود هذا التقدير إلى واقع أن "شل" لا تتّجه إلى توسيع استثماراتها، إذ أعلنت قبل أيّام عن انسحابها من مشروع بقيمة 10 مليارات دولار لإنتاج الغاز الطبيعي في أبو ظبي كانت تمتلك فيه 40 في المئة، مبررةً تراجعها بظروف سوق الطاقة العالمي. ويصعب الافتراض أنَّها بعد شراء "بريتش غاز"، ستغيّر اعتباراتها بشأن الاستثمار في البحر المتوسط، حيث المجازفة أعلى.
ولكن ما لا يقلّ أهميّة عن ذلك، أنَّ شركة "شل" التي تعمل في قطر وتصدر الغاز منها إلى مصر، لن تعمد إلى منافسة نفسها باستخدام الغاز الإسرائيلي. وإلى جانب ذلك، وبعد الاتفاق النووي مع إيران، تتطلّع الشركة إلى توسيع أعمالها في إيران، وهو ما يجعلها تفكّر مرتين قبل أن توسّع استثماراتها في إسرائيل. بل إنَّ "شل" سبق وأعلنت قائمة الدول التي تنوي تركيز وتوسيع أعمالها فيها، وإسرائيل ليست واحدة منها.
وفي نظر الخبراء، فإنَّ خيار التصدير الوحيد الباقي أمام إسرائيل هو تصدير الغاز إلى مصر، وفق اتّفاق مع شركة "دولفينوس هولدينغ". ويقضي هذا الاتفاق بتصدير الغاز إلى مصر عبر استخدام أنبوب الغاز البحري الذي كان يُستخدم لنقل الغاز المصري من العريش إلى عسقلان. غير أنَّ المشكلة الأكبر التي تواجه هذا الخيار، هي المسألة الأمنيّة في سيناء، حيث هناك تاريخ طويل لتفجير الأنبوب ومنشآته. وأمام استمرار عدم الاستقرار في سيناء جراء عدم انتهاء الحرب بين "ولاية سيناء" والجيش المصري، يصعب الحديث عن تنفيذ هكذا اتّفاق. وكان رئيس الأركان الإسرائيلي، الجنرال غادي آيزنكوت، قال إنَّ بوسع الجيش المصري القضاء على "داعش" في سيناء خلال عام. وعلى الأقل، خلال مثل هذا العام يصعب الحديث عن هكذا خيار لتصدير الغاز.
