الجزائر وفلسطين... لا شأن للربح والخسارة بالأمر

ربما هي المباراة الوحيدة التي تكون نتيجتها على الهامش، فرغم أن اللاعب الفلسطيني في المنتخب الأولمبي أحمد أبو ناهية سجل هدفاً من جملة تكتيكية جميلة في الدقيقة الثالثة والستين، فازت به فلسطين على الجزائر، إلا أن هذا لم يكن مهماً أبداً.

دخلنا ملعب الخامس من يوليو، وجدنا يوم حشر صغير يقبع في مدرجاته، مع أن الحكومة في الجزائر قررت عقد المباراة في يوم عملٍ وخلال دوام الموظفين كي لا ينفجر الملعب بالحضور، ورغم ذلك بدا الملعب وكأن شعب الجزائر بأكمله قد ترك بيوته وأطفاله وجاء ليناصر فريقاً قد لا يتردد أحد في اعتباره الفريق الجزائري، لكن الحقيقة كانت غير ذلك تماماً، فما أن بدأت المباراة، وأمسك الفريق الجزائري بالكرة، وإذا بالصيحات الحماسية تنطلق من مئة ألف حنجرة في الملعب، كانت في حقيقتها كزلزال لا يقيسه ريختر، ولا يعرفه إلا من كان هناك، فشاشات التلفزيون تنقل الصورة واللون والصوت، لكنها لا تنقل المشاعر.

لأول مرة في تاريخ لعبة كرة القدم في العالم منذ اختراعها، يشجع الجمهور فريقاً خصماً ضد فريقه الوطني، الهتافات الموحدة في المدرجات: من الجزائرية، فلسطين حرية، فلسطين الشهدا، فيما أعلام فلسطين ترفرف في الأجواء وعلى الوجوه وفي الحناجر، فلسطين حاضرة في كل عشبة من الملعب، فيرتكب لاعب جزائري خطأً يقع فيه اللاعب الفلسطيني أرضاً فتشعر بأن الجمهور الجزائري سينزل بعد قليل ليضرب اللاعب الجزائري.

حتى حينما يتم تغيير لاعب فلسطيني، كانت المئة ألف تهتف له وتصفق، لا أظن أن أحداً من اللاعبين الفلسطينيين شعر بمثل هذه الروح حتى في فلسطين نفسها، لقد كان الجزائريون ينظرون إلى لاعبي المنتخب الفلسطيني وكأنهم كائنات آتية من الفضاء، فينزل أحد الجماهير إلى الملعب مقاطعاً اللعبة، ويسلم على من يصل إليه من الفريق الفلسطيني ويحتضنه ويقبله، فعل هذا مع أربعة لاعبين ربما، قبل أن يدخل رجال الشرطة إلى الملعب ويخرجوه بهدوء إلى خارج الخطوط البيضاء.

يسجل أبو ناهية الهدف، وتفرقع المدرجات بأصواتها وكأن الجزائر أحرزت كأس العالم، كنت إلى جوار بعض أعضاء الوفد الفلسطيني في المدرجات، وبدون مبالغة فقدنا السمع تماماً لثلاث دقائق بعد أن أحرز الفريق الفلسطيني الهدف... لن أبالغ إذا قلت إنني شعرت بسعادة بعض اللاعبين الجزائريين في أرضية الملعب حين تم إحراز هدف في مرماهم، هل يمكن لذلك أن يكون حقيقياً؟

ترتبط الأشياء ببعضها عضوياً، فكل شيء لا يمكن فهمه بمعزل عن مقدماته، فلأيام طويلة في العاصمة الجزائرية، ينقلب وجه الناس إلى طاقة نور حين تقول إنك من فلسطين، يجري إليك الأطفال ويقبلون يدك حين يعرفون أنك من فلسطين، تأتيك العجائز بأطباق من الدعوات التي تخرج من دم القلب حين يحسسن بأنك من فلسطين، والأبنية تفتح أبوابها حين تشعر بأنك من فلسطين، ولون الجلد يتحول إلى ألوان علم فلسطين حين يعرف أنك من هناك، فكان من الطبيعي أن تنتصر فلسطين في الجزائر لأنها ببساطة فلسطين التي لا يمكن أن يقتنع جزائري بغير عروبتها وانتمائها إلى الجزائر كما هي أية ولاية من الولايات الـ48 في الجزائر الكبيرة، فلسطين موجودة في كل مكان هنا، فحين تكون فلسطينياً عليك أن تكون على استعداد للإجابة عن مليون سؤال دفعة واحدة، عن الأطفال في فلسطين، عن لون ترابها، عن رائحة الزهر، عن مواسم البرتقال، عن الأكلات الشعبية، عن الأغاني، عن ترتيب المدن على الخارطة، عن عدد من يمشون في الشارع في الصباح، عن القطط الفلسطينية إن كانت تشبه قطط الجزائر أو هي من طينة أخرى، في الجزائر يعيدونك إلى فلسطين التي كدت تفقدها.

لا شأن للربح والخسارة في مباراة كرة القدم التي جرت مساء اليوم في العاصمة الجزائرية، فهذا أمر كما قلت، ثانوي تماماً، ففلسطين ربحت المباراة قبل أن تدخلها، فلسطين ربحت المباراة قبل أن يأتي فريقها من البلاد المقدسة، حين كتب جمهور الجزائر على صفحات التواصل: "فلسطين يجب أن تفوز، إذا هزمتم الفريق الفلسطيني سنقتلكم"، أي شعب هذا؟ أي انتماء هذا؟ أي حب هذا؟

كنا نسمع عن حب الجزائريين من بعيد، لكننا في أقصى شطحاتنا لم نكن نتخيل للحظة أن الأمور تجري بهذه الطريقة، أن نشاهد في سفارة فلسطين حصالة لطفلة فيها بضع سنتيمات لا تكفي لشراء مصاصة، تأتي بها الطفلة إلى السفارة وتطلب إيصالها لأهل غزة "الجائعين" على حد تعبيرها، لم نصدق أن امرأة من قرية جزائرية تمشي على قدميها مسافة 70 كيلو مترا أثناء عدوان 2014 لتأتي إلى العاصمة وهي تحمل بضعة أرغفة من الخبز وبضع حبات من التمر وتطلب من المسؤولين الجزائريين أن يوصلوا الخبز والتمر إلى فلسطين، فمن هو الذي يفكر الآن في نتيجة المباراة بين الجزائر وفلسطين؟ بل من هي الجزائر ومن هي فلسطين؟  
تقرير لوكالة الانباء الفلسطينية الرسمية "وفا".

المصدر: الجزائر - خالد جمعة -