تضع الطالبة الكفيفة أسماء خضر أبو هلال، من سكان محافظة رفح جنوبي قطاع غزة، يدها على اليُمنى على ظهر زميلتها، والأخرى تُمسك بها شهادة تفوقها، وتسير بفرحٍ وسرور، بدا عليها وتشعر به، دون أن تراه على من حولها، بعد أن حُرمت نعمة البصر منذ الصغر.
وعلى أنغام أنشودة "نجحنا والحمد لله، وفرحنا الحمد لله"، تدور "أسماء" تلوح بشهادتها يمينًا وشمالاً تغمرها الفرحة، وترتدي ملابس التخرج، ونحو "50 من زميلاتها"، داخل مدرسة "شفا عمر" الثانوية للبنات في رفح، التي تدرس بها، خلال حفلة تكريم لهنّ، من قبل إدارة المدرسة، ومديرة التربية والتعليم بالمحافظة.
وحصلت "أسماء" على التي تدرس في الصف الحادي عشر "العلوم الشرعية"، على معدل "99.75" الأولى على مدرستها، ولم تكن هذه المرة الأولى تحصد به هذا المُعدل، بل منذ صغرها تحافظ على مستواها الدراسي، ولم يذكر أنه تدنى لو لمرة واحدة.
وولدت الطالبة كفيفة منذ صغرها، فلم تكن ولادتها كما أي ولادة بعد تسعة أشهر، بل بعد سبعة أشهر، وأدخلت حضانة الأطفال في المستشفى لأسابيع، حتى تأكد لذويه أنها كفيفة بقدر من الله، ولم يكن لأي عامل أخر سببًا في ذلك "حسب ذويها".
وتعرض منزل "أسماء" للقصف الإسرائيلي، ما تسبب في استشهاد عدد من أفراد عائلتها، وتدمير غرفتها الوحيدة التي تقطن بها، وتمزقت كتبها وملابسها وأثاث غرفتها، لحين تم ترميمها، لكن ذلك لم يُثنيها عن مواصلة مشوارها في الحياة، الذي تخطه بصبرها وثقتها بنفسها وتفوقها، الذي سيقودها لتحقيق ما تصبوا له "كما تقول".
وأطربت مسامعنا بمقطع صغيرة من أغنية تحفظها وترددها باستمرار " شو بحلم شوف الفراشة حول الزهرة عم بدور، شو بحلم شوف العصفور فوق الشجرة وهو مسرور، وبحلم شوف الثلج هو عم ينزل بدل العتمة شوف النور"، لتكشف بذلك عن امتلاكها موهبة النشيد، والحفظ الذي يمكنها من حفظ أي شيء بسهولة وسرعة لوحدها.
واقع وطموح
وتتحدث "أسماء" لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "منذ الولادة لم أبصر في الواقع شيء، ولم أكن أعرف ما الذي يدور حولي، لحين كبرت، ودخلت الروضة وتفوقت بها، وحافظت على هذا التفوق، خلال دراستي بمدرسة خاصة في غزة، لحين التحقت بالثانوية بمدرسة حكومية".
وتقول : "أدرس بمدرسة (شفا عمر) بحي الجنينة التي أقطن بها، ومحافظة على مستواي في التفوق، ومُعدلي في نصف الفصل (99.7%)، الأولى على المدرسة، وطموحي بالحصول على مثله وأعلى في الثانوية العامة، على مستوى الوطن، وأحقق طموحي وأهلي، الذين أوجه الشكر لهم لدعمهم لي، وإيصالي لهذا المستوى".
ولا تواجه "أسماء" صعوبة في الدراسة، فتحصل على الكتب الخاصة من مدرسة النور والأمل "وفق حديثها"، وتلخص دروسها لوحدها في المنازل، مُستعينة ببعض دفاتر زميلاتها، وتدرس ما بين ثلاث إلى أربع ساعات يوميًا، "تلخص دروسها، ومن ثم تحضرها، وتراجعها، ومن ثم تحفظها".
وتمتلك قدرة عالية على الحفظ، مكنتها من حفظ "ثلث القرآن الكريم"، وكثير من الأناشيد، والمنهاج الدراسي، ولا تحتاج وقتًا كثيرًا للحفظ، وتطمح بأن تُصبح مدرسة جامعية، تخصص "شريعة"، كذلك تأمل تغير نظرة المجتمع تجاه المعاق..
فالمعاق لا يقل أهمية عن الغير معاق في المجتمع، فهم متفوقون كغيرهم وأكثر، ومثال ذلك عميد الأدب العربي الكفيف طه حسين، فهما كانت الإعاقة فللمعاق عقل يفكر به، وقلب يشعر به بمن حوله، ويثبت في أكثر من موقع جدارته وتفوقه وتميزه "كما تقول".
تقديم الدعم
ولا تقصر عائلة "أسماء" معها بشيء، فتعمل جاهدًا على تهيئة الظروف من حولها، لتبقى متفوقة، وحتى لا تشعر بنقص، أو عجز، كما يقدمون لها الدعم النفسي، كي تبقى تحافظ على تفوقها، ولا تشعر كذلك بفقدانه نعمة النظر "حسب والدها خضر أبو هلال".
ويُعبر والدها لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء"، عن سعادته وفخره بتفوق نجلته "أسماء"، ولا يترك أي مناسب إلا ويُصر على الحضور ليُشاركها فرحتها، ويُثني على مجهودها، ويرفع من معنوياتها، ويقول : "نجلتي منذ الصغر ولدت كفيفه، لكنها تفوقت بدراستها، وكأن الله تعالى حرمها من شيء ومنحها أشياء".
ويُلفت إلى أن الجميع لا يُقصر معها ويقدم الدعم لها، داخل وخارج المنزل والمدرسة، والكل يُقدم لها الدعم ويساعدها، لكن على المُجتمع أن يُنصف المُعاق، ويُغير نظرته عنه، ويُساعده، ويقف معه، ويكون لهم نصيب في الوظائف عند نهاية دراستهم، حتى لا يكون عبء على أحد.
