هل المجتمع الإسرائيلي يقدس الحياة خلافا للمجتمع الفلسطيني الذي يقدس الموت؟ هكذا يعتقد المفتش العام للشرطة روني ألشيخ. "لا يمكن عدم لمس ذلك"، قال في الأسبوع الماضي في اجتماع عائلات ثكلى، "حول الفرق بين الثكل الذي نلاحظه في نظراتكم وبين الذي نلتقيه في السنوات الاخيرة بشكل كثيف في عيون بعض جيراننا. يبدو أنه في الوقت الذي اخترنا فيه تقديس الحياة واعطاءها مغزى إظهار مساهمة الضحايا في المجتمع والارث الذي تركوه لنا إلى الأبد، فقد اختار اعداءنا تقديم الموت. رسالتهم الخفية هي أنه لا توجد اهمية للحياة وأنه بكبسة زر أو بإخراج سكين يمكن الانتقال إلى عالم أفضل.. هذا برأيي مخالف لقيم المجتمع الإسرائيلي".
وقد تم تفسير أقواله كرد على المقارنة التي أجراها رازي بركائي بين الثكل الإسرائيلي والثكل الفلسطيني ("تخيل عائلات إسرائيلية ونحن للاسف الشديد نعرف هذه الحالات، الجرف الصامد مثلا، حيث تنتظر هذه العائلات جثث أبنائها الغالية كي تصل").
يتبين أن اقوال بركائي في مقابلة مع الوزير جلعاد اردان تبدو شيئا مفروغا منه وهي تعتبر من أكثر الأقوال التي تسعى إلى التخريب وقد قيلت هنا في الاونة الاخيرة. لأن عدم أنسنة المجتمع الفلسطيني فقط تبرر لإسرائيل التعامل غير الإنساني نحو الفلسطينيين الموجودين تحت سيطرتها. نحن نتعامل هنا مع الاخلاق. اذا كان الفلسطينيون بشرا مثلنا فهم يستحقون حقوقا مثلنا.
إن تأثيرات أنسنة الفلسطينيين تدميرية: إنهاء الاحتلال والابرتهايد ومنح المساواة والحقوق الكاملة واخلاء المستوطنات وما أشبه. لذلك تقرر، ومن الواضح أن الحديث يدور عن قرار اتخذه اليهود الذين يعيشون في إسرائيل بأن الفلسطينيين هم "النقيض"، على حد تعبير ألشيخ، لإسرائيل. إسرائيل هي الحياة والفلسطينيون هم الموت. الموت هو نهاية الحياة. الفلسطينيون هم نهاية إسرائيل. الدولة تريد الحياة وإسرائيل تريد الحياة وستقضي على الموت.
كل ذلك شعر به المفتش العام للشرطة. إنه يرى ذلك في العيون. ملامح الوجه هي من الامور القابلة للتفسير. وأحيانا يكون المغزى موجود في عيون الناظر الذي يسقط عليها ما يشعر به. الكلمات، في المقابل، تميل إلى أن تكون اكثر تحديدا. اليكم مقاطع من الخطاب الذي ألقته مريام بيرتس التي تصوغ حاليا قصة الثكل الإسرائيلي: "حظيت برؤية أوريال وايليراز يصلون بجانب حائط المبكى. رأيتهم يسيرون بزي الجيش الإسرائيلي ورأيتهما ملفوفون بعلم إسرائيل من اجل الدفن. في ذلك الموقف شعرت بروح شعب إسرائيل التي عادت وانبعثت للحياة أمام توابيت ابنائي، نظرت إلى السماء وصرخت – شعب إسرائيل حي.. أبناؤنا هم صنف نادر، جيل جديد، جيل الانبعاث الذي يعرف ماذا تعني الدولة وماذا يعني الاستقلال. هذا جيل اختار الدفاع عن حريته وهو مستعد للتضحية بحياته من اجلها. كل ليلة فوق سريره طلب ايليراز من الله: يا الهي اجعلني أداة في خدمتك، أنا هنا من اجل تنفيذ كل ما تطلبه مني... إنه أمر مشرف أن تكون عائلتي شريكة في الدفاع عن دولة إسرائيل".
الاقوال واضحة: لقد حظيت برؤية أبنائها وهم يدفنون كشهداء حرب. وبشكل خاص عند الدفن شعرت أن الشعب حي وصرخت إلى الله بأن شعب إسرائيل حي. أبنائها صلوا كل ليلة من اجل أن يكونوا رسل لله. سقوطهم في المعركة هو فضل كبير كان من نصيبها ونصيبهم.
هل هذه نظرية حياة.
من "هآرتس"
