إسرائيل تحرج مصر.. وتسعى لعلاقات متينة مع "المعتدلين"

أشغل ضرب النائب المصري أحمد كمال لزميله توفيق عكاشة بالحذاء تحت قبّة البرلمان، بسبب دعوته السفير الإسرائيلي في القاهرة حاييم كورن إلى بيته، الشارع العام المصري، معيداً إلى الواجهة مسألة التطبيع والعلاقة مع إسرائيل. وجاء هذا الحدث في ذروة الأحاديث والتسريبات الإسرائيليّة حول تمتين العلاقات الأمنيّة مع مصر تحت حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي بشكل لم يسبق له مثيل، وكثرة التصريحات حول التحالف مع الدول العربيّة "المعتدلة" في مواجهة التطرّف الإسلامي. وتقريباً استغلت إسرائيل كل مناسبة لإظهار أنَّ علاقاتها مع الدول المعتدلة، وخصوصاً مصر، ينبغي أن تؤثّر في موقف الاتّحاد الأوروبيّ إزاءها.
وليست صدفة أنَّ نبأ دعوة عكاشة للسفير الإسرائيلي في القاهرة، نشر أوّلاً في موقع "إسرائيل مصر" الذي تشرف عليه وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة، والذي كان قد أثار الأجواء قبل ذلك بإعلانه استضافة إسرائيل عدداً من الصحافيين العرب.
ومن المؤكّد أنَّ تتالي الأنباء الصادرة عن إسرائيل، خصوصاً في ظلّ الضجّة التي تعقب ذلك في مصر، راق للإسرائيليين الذين استغلّوا أيضاً تقديم السفير المصري الجديد، حازم خيرت، أوراق اعتماده قبل بضعة أيام للرئيس رؤوفين ريفلين، واجتماع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو به قبل يومين وإبراز ذلك أمام وسائل الإعلام.
وبدلاً من التزام الصمت، فإنَّ السفير الإسرائيلي في القاهرة، الذي شكّل اللقاء معه مادة تهييج في الحلبة السياسيّة والإعلاميّة المصريّة، أصرّ على وضع الملح على الجرح، فأجرى مقابلات مع وسائل الإعلام الإسرائيليّة يشرح فيها دوره. وأوضح في مقابلة مع "القناة العاشرة" في التلفزيون الإسرائيلي، أنَّه التقى مرّات عدّة السيسي، وأنّه يلتقي بانتظام رجال الحكم في العاصمة المصريّة، وأنَّ العلاقات مع مصر "جيدة جداً"، بحسب وصفه.
ومعروف أنّه رغم توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل منذ أربعين عاماً، إلّا أنَّ المسؤولين المصريّين تجنّبوا في الغالب اللقاءات العلنّية مع المسؤولين الإسرائيليين. ولكن في الآونة الأخيرة، وعلى خلفيّة الأحداث الإرهابيّة في سيناء والصراع بين القيادة المصرية و "حماس" في قطاع غزّة، يتحدّث الإسرائيليون عن تعاون أمني لم يسبق له مثيل مع أجهزة الأمن المصريّة.
ومؤخراً، أضيف إلى أسباب التعاون ما أشيع عن اتصالات إسرائيلية - تركيّة للمصالحة، ومن أهم بنودها حصول تركيا على موطَأ قدم في قطاع غزّة. هذه المصالحة مرفوضة مصرياً، خصوصاً إذا كانت لها آثار على مكانة تركيا في القطاع، سواء من خلال مشاريع بنى تحتيّة أو مساعدات أو حتّى مسألة الميناء. وترى مصر في تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان الراعي الأكبر لجماعة "الإخوان المسلمين" المصرية ولحركة "حماس" في قطاع غزة، ومن ذلك تشتق مواقفها.
ومن الواضح أنَّ استقبال الرئيس الإسرائيلي للسفير المصري الجديد بعد أكثر من ثلاث سنوات على شغور السفارة من منصب السفير في أعقاب الحرب الإسرائيليّة على غزّة العام 2012، حمل أكثر من معنى. فقد تعاملت معه إسرائيل الرسميّة على أنّه إشهار واضح وصريح لإنهاء مظاهر القطيعة بين مصر الرسميّة وإسرائيل. ولذلك وبكل مظاهر الحفاوة، تلقى ريفلين أوراق السفير المصري معلناً أنّه "هنا في المقر الرئاسي، أستقبل سفراء من كل أرجاء العالم. ولكن هذا حدث خاص أن أستقبل سفير أقرب جاراتنا وأهمّها".
ولم يكتفِ ريفلين بذلك، بل أعلن "أنني أرسل رسالة صداقة للرئيس السيسي، ولكل مواطني مصر. فمصر هي أم الدنيا، خصوصاً أنّها تلعب في منطقتنا دوراً بالغ الأهميّة". وشدّد على "أننا نعيش سوياً في منطقة معقّدة. لقد وجدنا سبلاً للعيش سوياً وبمودّة. هذه رسالة للمنطقة، ورسالة للعالم بأسره. لقد كنت في مصر في أيام حرب وأيام سلام. واتفاق السلام بين إسرائيل ومصر هو تحالف دولي وله الأولوية لدى الدولتين".
ولكن لم يفت رئيس الحكومة نتنياهو أن يترك بصمته على عودة السفير المصري، فالتقاه في ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية وبشكل لا يقلّ حفاوة عن استقبال ريفلين له. وأشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى أنَّ نتنياهو بحث مع السفير المصري الجديد العلاقات الثنائية بين الدولتين والأنباء حول قرب التوصل إلى اتّفاق مصالحة مع تركيا.
وقال بلاغ صادر عن ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيليّة، إنَّ اللقاء بين نتنياهو والسفير المصري تناول أيضاً العمليّة السياسيّة مع الفلسطينيين. وأوحى الديوان للصحافيين أنَّ عودة السفير المصري، وفق موقع "والا"، جاءت تنفيذاً لتعهّد السيسي لنتنياهو أثناء الحرب الإسرائيليّة الأخيرة على القطاع. وبحسب الموقع، فإنّه من المنطق الافتراض أنّ موضوع غزة كان أحد المواضيع التي بحثها نتنياهو مع السفير المصري.
في كل حال، وللدلالة على الفارق بين الأجواء في المستويين السياسي والشعبي، رفض اتّحاد كرة القدم المصريّ إجراء مباراة ودية مع المنتخب الإسرائيلي. وكانت صفحة السفارة الإسرائيلية في القاهرة على "فايسبوك" أوّل من أثارت الاقتراح، ما سبّب جدلاً واسعاً، ليحسمه بعد ذلك المتحدث باسم اتّحاد كرة القدم المصري، رافضاً فكرة اللعب مع إسرائيل.تقرير كتبه حلمي موسى لصحيفة "السفير" اللبنانية

المصدر: القدس المحتلة - وكالة قدس نت للأنباء -