علي بدر في روايته "الكافرة": "الزجّ" المسيء لمجزرة صبرا وشاتيلا!

على عكس ما كتب عن رواية "الكافرة"، أحدث روايات العراقي علي بدر، والثانية عشرة في مسيرته الروائية، سأركز على الجزء الأخير من الرواية، وبالتحديد من تلك الصفحة التي اكتشفت فيها، أن الشخصية الذكورية المحورية في الرواية "أدريان"، والذي تعاطف مع فاطمة الهاربة من الإرهاب بشتى أشكاله في العراق إلى بلجيكا، هو ابن أحد مرتكبي مجزرة صبرا وشاتيلا.
حتى الآن قد يبدو الأمر شبه اعتيادي، ولكنه حين يبرر الروائي للأب قاتل الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا، جريمته، بذريعة أنها جاءت من باب الانتقام لشقيقته الطفلة الصغرى "إيلين"، أي عمة "أدريان"، وعائلته بعدما عاثت "ميلشيات من المسلمين في الحرب الأهلية" ببلدته المسيحية قتلاً، فإن بدر لا يرتكب فقط خطيئة في حق شهداء فلسطين فحسب، بل في حق التاريخ، وكأنه يعبث بعقول قارئيه في كل أنحاء العالم، ويقلب الجلاد (الأب هنا)، على غير الواقع، نادماً حتى الانتحار.
قد يتساءل البعض: "ولكن أين هي صبرا وشاتيلا في الرواية؟"، وهنا نحيل القارئ إلى الفيلم الذي أشار إليه الروائي كمتكأ أساس في هذا الجزء من "الكافرة"، حين يشير إلى اسم الفيلم "مقابلات مع أفراد ميلشيات الحرب الأهلية اللبنانية"، ويقول: "المخرجة ألمانية، اسمها وصورتها على الشريط .. كان الفيلم يقدم مقتطفات لأحداث الغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982 .. فلسطينيون، ميلشيات مسيحية، أحزاب لبنانية. صراع دموي مع موسيقى معبرة".
وإذا ما دققنا في معطيات الفيلم الذي يتحدث عنه الروائي، فإنه لا فيلم أجريت فيه مقابلات مع مرتكبي مجزرة صبرا وشاتيلا، إلا فيلم الألمانية مونيكا بورغمان، ويحمل اسم "مجزرة"، وهو سبق أن عرض في فلسطين ذات مرة، وشاهدته في المنزل أيضاً قبل سنوات، لكني ما زلت أذكر الكثير من تفاصيله، وهنا يتضح لنا أن بدر يقصد مجزرة صبرا وشاتيلا.
وعلى عكس ما جاء في الفيلم، جاء في الرواية ما يوحي بإصرار الراوي على تعزيز صورة القاتل النادم، والذي يعيش "كابوساً يريد الهروب منه"، فيقول عن أحدهم، وهو والد "أدريان" في الرواية: "كان الرجل المرتبك، بقميصه الأبيض، وعينيه الحمراوين، يعترف طوعاً .. كان يتكلم بصورة متلعثمة في البداية، ثم أخذ صوته يصفو (...) كان كلامه أشبه بعلاج للتنفيس عن الكتمان والاحتقان، وهواجس القتل المحشورة في ذاكرته، قال: إنه يريد أن يهرب من صورة البنت الصغيرة التي أراد قتلها، وقد اختفت في المنزل الذي قتل فيه جميع عائلتها. صورة البنت الصغيرة ظلت تلاحقه حتى الآن. لا يريد شيئاً الآن سوى أن يهرب من كابوسها، يريد الهروب من شبحها الذي يلاحقه ... في مقطع آخر كان يحاول أن يحمي نفسه بالستارة التي بجانبه".
وهنا أستعير ما كتبه اندور هاموند في موقع "ميدل إيست أونلاين" حول الفيلم، حين قال: "يثير هذا الفيلم الوثائقي الانزعاج بسبب الانعدام التام تقريبا لإظهار الندم من جانب هؤلاء الرجال الذين كانت وجوههم في الظل من خلال عمل طاقم التصوير الألماني"، وهذا تأكيد على تلفيق، أو الإصرار على تلفيق حالة الندم للأب قاتل الفلسطينيين، من جهة، وإشارة إلى ما يمكن أن يكون تكتيكاً روائياً مقصوداً، وهنا تكون الخطيئة أكبر، عند الحديث عن ملامح وعيون حمراء، وما غير ذلك، في حين لم يظهر التصوير أي وجه من بين وجوه القتلة الستة الذين تحدثوا بالفيلم بنوع من الفخار.
وإذا ما كان من حق الروائي، أو أي روائي، إعمال خياله في عمله السردي، وهنا في "الكافرة"، التلاعب الذي ربما يكون جائزاً من ناحية فنية أو تقنية في تفاصيل الفيلم، فإن هذا المخيال، يذهب بقصد إلى فكرته التي اتضح أنه يصر عليها منذ البداية، وتتعلق بشرعنة ما، وتبرير ما، للقاتل الأب، خاصة حين يتحدث عن أن مشاهد أخرى في الفيلم صورت معه في مصحة نفسية بالسويد تظهر وجهه ويديه، وهو ما يعطي انطباعاً إضافياً حول الأزمة النفسية التي عاشها القاتل، وهو بطبيعة الحال ما لم يكن في الفيلم، بل وما لم تدلل عليه الوقائع، خاصة أنني بحثت طويلاً، واستمزجت آراء كتاب وباحثين في هذا المجال، ومنهم من التقى بعض مرتكبي مجزرة صبرا وشاتيلا، وشددوا على أن حالة الندم هذه غير واردة على الإطلاق، وأن الشعور الذي يمكن أن ينقله القتلة لمن يقابلهم، هو افتخارهم بما فعلوه، وهذا ما يؤكده الفيلم أيضاً.
ففي الفيلم، هناك من يتحدث، حسب أندور هاموند أيضاً، عن "كيف أمسك برجل كبير في السن ووضع ظهره على جدار وقطع جسمه على شكل صليب، وقال: إذا شنقتك أو أطلقت عليك النار فسوف تموت لكن هذا قتل مزدوج. ستموت مرتين لأنك ستموت أيضا من الخوف"، بل إنني ما زلت أذكر كيف تحدث أحدهم عن تناوبه وزملاءه على اغتصاب فتاة فلسطينية قبل قتلها في المجزرة .. لم يكن الندم بادياً على أي منهم، ولا حتى في نبرة أصواتهم.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، ففي الرواية، يحول علي بدر  "أدريان" إلى مخلّص لزوجته ابنة صبرا وشاتيلا، التي قتل والده شقيقيها، ثم والديها، وكان يبحث عنها، قبل أن تفر من مصيرها الذي كان محتماً لتختبئ أسفل قدمي أمها الشهيدة، مغطاة بغطاء سرير ليومين، كان خلالهما والد "أدريان" يبحث عنها لقتلها.
واللافت أن الرواية، ودون أن تبدي تفاصيل مقنعة، جعلت "أدريان" الذي يصوره الراوي على أنه مثال الإنسانية، يتزوج من شقيقة محمد التي نجت من جريمة والده، في كنيسة !
وهنا تبرز تساؤلات عدة، بعد أن نشير إلى أن هذه اللعبة الروائية تبين الفلسطينية وكأنها تنتظر ابن قاتل أسرتها ليحنو عليها ويتزوجها .. ومع أنه لم يكشف لها هويته الحقيقية، إلا أن الراوي استدر تعاطف القارئ مع "أدريان" طوال فصول روايته، وجعله شخصاً محبوباً لكل من يقرأ "الكافرة"، مع قناعتي بأن ابن القاتل ليس قاتلاً بالضرورة.
ومن هذه التساؤلات، التي لم يبررها علي بدر في روايته: كيف تزوجت الفلسطينية المسلمة من مسيحي لبناني، ولماذا كان الزفاف في الكنيسة؟!
وبالعودة إلى الفيلم، أستعير ما كتبته كريستينا فورش، في موقع "دويتشه فيله"، حوله، حين قالت: قام المخرجون الثلاثة مونيكا بورغمان ولقمان سليم وهيرمان تايسن بإجراء لقاءات مع ستة من أفراد الميلشيات التابعين للقوات المسلحة اللبنانية، الميلشيات التي اشتركت في المجزرة، من أجل تصوير هذا الفيلم. وقد حاول مخرجو الفيلم التوصل إلى البواعث التي دفعت الجناة للقيام بأعمال العنف الفظيعة هذه: الرغبة في الوصول إلى السلطة؟ هل يعود الذنب في ذلك إلى طفولة بائسة؟ أو أن السبب في ذلك يعزى إلى تدريب الجيش الإسرائيلي اللاإنساني لأفراد الميلشيات الفتيان؟ أهي الأحكام المسبقة ضد الفلسطينيين، أو حتى نوع من غسيل الدماغ الذي يؤدي إلى ذبح آخرين، في حين يتحول القتل إلى أمر اعتيادي؟، مشددة على أن الفيلم "ربما يطرح أسئلة أكثر بقدر ما يفينا من أجوبة".
وحول الفيلم المنتج في العام 2005، قال أندور هاموند: بعد 23 عاماً من قتلهم للاجئين فلسطينيين، لم يظهر مرتكبو المجزرة من اللبنانيين أي نوع من الندم، وهم يعيدون رواية أحداث المجزرة في فيلم وثائقي رهيب للمخرجة الألمانية مونيكا بورغمان، في حين يصر علي بدر بإيحاءاته وتلميحاته، وأحياناً تصريحاته، على حالة الندم التي رافقت والد "أدريان"، والتي انتهت، كما أشرت آنفاً، بانتحاره!
وبعيداً عن الحديث في فنيات الرواية، ولغتها المتميزة، والسرد المحكم، لفتني، أن بدر، وفي الصفحتين الأخيرتين للرواية، أسقط علينا شخصية لفلسطيني، يحكي لصديقة "أدريان" العراقية، عن "طفولته التعيسة في فلسطين، إخوته وأخواته في بيت لحم، ثم أخذا يضحكان لتبادل بعض النكات باللغة العربية" .. وللحقيقة، حاولت مراراً أن أجد مبرراً روائياً أو فنياً للزج مرة أخرى بفلسطين وعذاباتها في فقرة عابرة، عبر هذه الشخصية، التي لو غابت عن المشهد لن يختل قيد أنملة، ولم أجد!
يبقى أن أشير إلى أن الرواية تتحدث في الأصل، عن حكاية فاطمة، الفتاة العراقية التي تفر من المسلحين المتطرفين الذين سيطروا على بلدتها، إلى بلجيكا، بعد أن خاض كل من والدها وزوجها عمليات انتحارية ذهب ضحيتها مدنيون عراقيون، حيث تتحول إلى صوفي البلجيكية في محاولة للهرب من ذاكرتها البائسة، هي التي قررت أن تضاجع سبعين شخصاً، كرد فعل على ما قاله لها زوجها قبل تنفيذه العملية الانتحارية، على حد وصف الرواية، مبرراً فعلته بتشوقه لسبعين حورية عذراوات في الجنة.
في بروكسل تدور حكاية صوفي أو فاطمة و"أدريان"، واللذين يصبحان صديقين حميمين، قبل أن تنتقل بنا "الكافرة"، عبر مقتنيات "أدريان" من صور وأشرطة، إلى فترة الحرب الأهلية في لبنان، وبالتحديد العام 1982، الذي شهد الغزو الإسرائيلي لبيروت، كما شهد مجزرة صبرا وشاتيلا، وهو ما أثار حفيظتي كفلسطينية، لدرجة أنني فكرت للحظات بإلقاء الرواية من أقرب نافذة. تقرير كتب لصحيفة " الأيام" الفلسطينية

المصدر: كتبت بديعة زيدان: -