المتحف الفلسطيني .. رؤية طموحة ومغايِرة تقاوم التحديات وتسعى لحفظ الذاكرة

تفتتح مؤسسة التعاون، غداً الأربعاء الثامن عشر من أيار، مبنى المتحف الفلسطيني في مدينة بيرزيت.
ويأتي افتتاح المبنى تحت رعاية الرئيس محمود عباس، وفي سياق إحياء الشعب الفلسطيني للذكرى الثامنة والستين للنكبة، بحيث يتبع تدشين المبنى برنامج حافل من الفعاليات والمعارض في أماكن مختلفة من فلسطين وفي لبنان.
ويشمل برنامج الافتتاح إطلاق عدد من مشاريع المتحف التوثيقية والتاريخية والإلكترونية، بالإضافة إلى افتتاح معرض "أطراف الخيوط: التطريز الفلسطيني في سياقه السياسي" في بيروت.
وأكد عمر القطان، رئيس فريق عمل المتحف، أن مبنى المتحف في بلدة بيرزيت الواقعة حوالي 23 كيلومتراً شمال مدينة القدس في الأراضي الفلسطينية المحتلة، سيكون جاهزاً لاستقبال الزوار.
وأضاف "نحن سعداء جداً بأن نرى فكرة المتحف التي تبلورت منذ العام 1997 وهي تتحول الآن إلى حقيقة، ويعود الفضل إلى الجهود الكبيرة التي بذلها أعضاء مؤسسة التعاون وطاقم العمل خلال السنوات الماضية.. ونطمح أن يكون المتحف بمصاف المتاحف العالمية، وأن نستطيع تقديم التاريخ الفلسطيني بطريقة تليق بشعبنا وإبداعه وتضحياته وصموده، كما نأمل أن يكون المتحف الفلسطيني سباقاً في طروحاته ومركزاً بحثياً ومنبراً للحوار، وفضاء يحتضن الفن والإبداع والتاريخ والثقافة الفلسطينية، وصرحاً يعرّف بفلسطين في العالم ويوفر الفرصة لاستشراف الغد ولبناء جسور بين الفلسطينيين أنفسهم وبينهم وبين العالم".
وفيما يلي حوار خاص مع عمر القطان، رئيس فريق عمل المتحف مع "أيام الثقافة"  يتناول العديد من المحاور المتعلقة بالمتحف الفلسطيني الذي اعتبرته صحف عالمية، من بينها "نيويورك تايمز"، واحداً من أهم الإنجازات الثقافية للعام 2016 على مستوى العالم.
افتتح القطان حديثه بالتأكيد على أن "ما سيحدث غداً هو افتتاح لمبنى المتحف الفلسطيني .. المتحف بكامله يُفتتح عند افتتاح أول معرض، وأتأمل أن يكون ذلك في الخريف المقبل، لكنه يعتمد على تقييم د. محمود هواري المدير الجديد للمتحف والفريق العامل معه".
وفضل القطان الحديث منذ البداية عن السؤال الذي لربما يشغل بال الكثيرين، ويتعلق بافتتاح المتحف على مرحلتين، تبدأ الأولى بافتتاح المبنى، فقال: كان أمامنا خياران، أولهما أن ننتظر حتى نعيد تطوير برنامج جديد وكامل، أو أن نفتتح على مرحلتين، وقد انحزنا للخيار الثاني، كوننا وجدنا في المبنى بحد ذاته إنجازاً فنياً ومعمارياً يستحق الاحتفاء.
وأضاف القطان: عندما نتحدث عن المبنى كإنجاز، فإن هذا لا يعني إنجازاً على المستوى المعماري، بل كونه جاء نتيجة جهد جماعي في زمن الفردانية الطاغية، فالتكاتف والتمحور حول إنجاز مشروع وطني عبر مجموعة من الفلسطينيين بات أمراً نادراً، ويستحق الاحتفاء به للتذكير بأهمية هذه الجهود.
وتابع: تدشين مبنى على مستوى عالمي بجهد ومال في غالبيته العظمى فلسطيني، وفي الظروف الحالية، له أبعاد عاطفية ورمزية مهمة للغاية .. لو كنا نعيش في ظروف مثالية، لافتتحنا كامل المتحف وليس المبنى فقط لمناسبة ذكرى النكبة الثامنة والستين، لكن الكثير من متاحف العالم في دول غنية أو ذات خبرة كبيرة فيما يتعلق بالمتاحف، وتعمل فيها فرق متخصصة، ولا تعيش تحت احتلال عسكري، تتأخر افتتاحات المتاحف لديها، فمتحف بيكاسو في باريس، على سبيل المثال، تأخر افتتاحه خمس سنوات عن الموعد الذي كان مقرراً، وارتفعت كلفة تجديده خمسين مليون يورو، وهو المتحف المدعوم من الحكومة الفرنسية وبلدية باريس، فما بالك ونحن نعمل في ظروف استثنائية وبإمكانيات محدودة .. هذه ليست أعذاراً، فأنا لا أحب الأعذار، لكنه جزء من نقاش داخلي ديمقراطي في المؤسسة .. صحيح أن استقالة المدير السابق للمتحف تسببت بتأخير افتتاحه بشكل كامل، لكن حتى لو لم يستقل لما تمكنا من افتتاح المعرض الأول بالتزامن مع افتتاح المبنى.
وشدد القطان على أن مشروعاً بهذا الحجم وهذا الطموح لا بد أن ينفذ بشكل تدريجي، "كوننا غير مسيطرين على أدواتنا ومصيرنا"، وكون مصادر تمويل المتحف، وهي فلسطينية في غالبيتها العظمى (90-95%)، محدودة، وليست مصادر تمويل حكومية، وبالتالي "أرى أنه من المهم التطرق لهذه الأمور، كيف يدرك الجميع، أننا وصلنا إلى هذه المرحلة رغم كل المصاعب، وها نحن نحتفي بمبنى وحدائق تحقق مستوى جمالياً وتقنياً غير مسبوق على المستوى الفلسطيني".

التاريخ النباتي
ولفت القطان إلى أن الحدائق المحيطة بمبنى المتحف تروي التاريخ النباتي لفلسطين، فعبر التدرج من الأسفل إلى الأعلى، نجد النباتات الأصلية، ومن ثم النباتات القادمة من الخارج منذ آلاف السنوات خلال الهجرات المتعددة والمتبادلة، وما بعدها، وهذا بحد ذاته منتج جمالي، إضافة الى قيمته التوثيقية، خاصة أن هذه الحدائق في المستقبل قد تحوي أعمالاً تركيبية أو تماثيلَ ثابتة ذات بعد جمالي متميز.

التحدي الأكبر
وتحدث القطان عما وصفه بـ "التحدي الأكبر"، ويتعلق بـ"جرأة الفكرة" .. وقال: حين بدأنا بالتفكير في مشروع المتحف العام 1997، كانت الأمور تتجه نحو البساطة والتقليدية بإنشاء نصب تذكاري لمناسبة مرور خمسين عاماً على نكبة فلسطين، ودار نقاش ديمقراطي يعكس باعتقادي قوة المؤسسة وتقاليدها، تطورت الفكرة إلى متحف، حيث برز العديد من الأسئلة، أولها حول الموقع، وهنا وجدنا أنه أينما بُني المتحف، لن يكون الموقع على تماس مع الكل الفلسطيني، خاصة مع إجراءات الاحتلال في تقطيع أوصال الشعب الفلسطيني ما بين الضفة الغربية، وقطاع غزة، والقدس، والداخل الفلسطيني، إضافة إلى الفلسطينيين في الشتات والمنافي، والثاني أن معظم المتاحف تنطلق كوعاء لمجموعات ما، ونحن ليست لدينا مجموعات ولم نزل، ولكن هناك متاحفَ أُخرى انطلقت بلا مجموعات كالمتحف "الأفروأميركي" في واشنطن، وهو متحف يروي أيضاً رواية شعب مضطهد سُلبت روايته.
وحول سبل المواجهة، قال: الحل بخصوص تحدي المكان، تمحور حول فكرة أن المبنى الأُم هو بمثابة سفينة، لكن، ومن خلال الموارد والإمكانات، يخلق أقماراً صناعية، إن جاز التعبير، مرتبطة فيه عبر الإنترنت، وتبادل الخبرات والمعارض، وجهد التوزيع، والتسويق، وغيرها، وهذا ما بدأنا نحققه بالفعل، فبعد افتتاح المبنى بأسبوع سيتم افتتاح أول معرض خارجي في بيروت، كما أننا سنعلن عن اتفاقية تعاون مع مركز طراز وتديره السيدة وداد قعوار في الأردن، وعلى هذا المنوال يكون العمل مع مؤسسات وأفراد في فلسطين وخارجها لكنهم على تماس دائم معها، بشكل أو بآخر.. هذا النموذج حي وحيوي، وبات منتجاً، إضافة إلى البعد الافتراضي أو الحيز الإلكتروني الذي يتمتع به.

رحلات فلسطينية
"رحلات فلسطينية"، عبارة عن منبــر بحثــي تفاعــلي يســعى لاستكشــاف التاريــخ الفلســطيني بجوانبــه المختلفــة منــذ منتصــف القــرن التاســع عشــر، تــم تطويــره بالتعــاون والشــراكة مــع مؤسســة الدراســات الفلســطينية، وشــركة Palestine Visualizing-VP ، ويطلقه المتحــف الفلســطيني داخــل أروقتــه وعبــر موقعــه الإلكتروني باللغتيـن العربيـة والإنكليزيـة، وذلـك مـن أجـل تقديـم روايـات فلسـطينية معاصـرة عبـر سـرديات تاريخيـة نقديـة، بطريقـة تفاعليـة.
وكانت مؤسسة الدراسات الفلسطينية قامت بكتابة تاريخ فلسطين الحديث في المائة وخمسين عاماً الأخيرة، بطريقة غير مفتعلة وبسيطة تصل إلى الجميع، حيث تم تسليط الضوء على 1500 حدث وجدوا أنها مركزية بنص مقتضب في مائة كلمة، منذ العام 1857، مع التركيز على عشرة أحداث مركزية كُتب عن كلٍ منها ما يقارب الألف كلمة، في حين قام المتحف الفلسطيني بالبناء الفني لهذا المسرب بالصور والفيديوهات والوثائق من مشاريع وبرامج أخرى، وبالحديث عن الأوضاع الثقافية والاجتماعية المرافقة لتلك المرحلة، ومن هنا تتشكل تقاطعات ما بين السرد السياسي التاريخي، وما بين السرد الاجتماعي الثقافي، وفق بناء على منصة إلكترونية على الموقع الإلكتروني للمتحف، بما يشكل بالولوج إليه جولةً إلكترونية افتراضية في هذه الحقبة التاريخية المهمة.

المجموعة الرقمية
وفيما يتعلق بفكرة "ألبوم العائلة"، فقد تقرر توسعة نطاقها، بحيث تصبح جزءاً من بناء أوسع هو المجموعة الرقمية، أو الأرشيف السمعي البصري الفلسطيني، وهذا الأرشيف لن يكون مقتصراً على الصور، بل يتسع للملصقات، والرسائل، والمخطوطات، والمواد المرئية والمسموعة بكافة تنويعاتها، بشكل مدروس يعتمد على البحث المعمق، وليس بشكل عبثي، بما يصب في حفظ الذاكرة الفلسطينية، وهو المتوقع أن يبدأ مع نهاية العام الجاري.

بعيداً عن النمطية
ووفق القطان، يعتمد المتحف في حفظه للذاكرة، وعبر مشاريعه المختلفة وبينها الأرشيف ورحلات فلسطينية، على إنعاش الخيال الذي هو أساس الذاكرة والإبداع .. وقال القطان: نحن نعمل على حفظ أشياء كان بعض أصحابها على وشك التخلص منها بشكل أو بآخر، سواء لعدم إدراك أهميتها، او لعدم توفر الإمكانيات .. منذ خمسة عشر عاماً تحدث بشارة دوماني عن حمى الأرشفة عند الفلسطينيين الذين عاشوا التهجير والتشريد وسلب الأرض، وهو ما ينطبق على أي شعب يشعر بالتهديد، لكن المغاير في المتحف أننا نحاول تقديم نموذج يسمح للمواطن العادي أن يشارك في هذا الحيز، لحفظ ذاكرته أو ذاكرة أجداده، والعمل على تعزيز اهتمام الجمهور بما يقتنيه، ولو كان يجده عادياً.
وأضاف قطان: فلسفة المتحف، وما تتضمنه الخطة الاستراتيجية له، تقوم على إمكانية العمل دون مجموعات، عبر العمل على مواضيع، أو ثيمات معينة، ومن خلال البحث والنقاش، يتم اكتشاف أبعاد جديدة، وجماليات غير متوقعة أحياناً، ليتطور مع الوقت إلى مُنتج ما عبر معرض، أو مشروع تعليمي، أو حتى عبر الفضاء الإلكتروني، وهنا نجمع ما بين البحث، والحفظ، والتعرف على الأشياء الملموسة وغير الملموسة، والتي نجد أنها من المهم أن تكون ضمن مجموعة المتحف الفلسطيني، الذي من بين طموحاته أن يكون مرجعاً لكل مهتم بتاريخ فلسطين وثقافتها، ليس مرجعاً أكاديمياً بل مرجعاً معرفياً مصادرياً متاحاً للجميع، ويقدم مقاربات جديدة في مواضيع مهملة ومهمة أو حتى مثيرة للجدل تتعلق بالتاريخ الفلسطيني.

مقاطعة وصعوبات
وشدد القطان على أن القرار كان منذ البداية، عدم استخدام أية منتجات إسرائيلية في بناء المتحف الفلسطيني .. وقال: منذ البداية قررنا بناء المتحف دون استخدام أية مصادر أو منتجات إسرائيلية، وهذا يعني أننا بصدد التوجه نحو الصناعات المحلية والأجنبية التي تطلب استيرادُها إجراءات أكثر تعقيداً، خاصة أن الجمارك الإسرائيلية وبتواطؤ مع المقاولين والشركات في إسرائيل، سعت على الدوام إلى وضع عراقيل أمامنا للضغط علينا، وإجبارنا على التعاطي مع المنتجات الإسرائيلية، وأتذكر أن أحد المحبين لفكرة المتحف والمدركين لأهميتها في الإمارات العربية المتحدة تبرع بكامل تجهيزات المتحف من ألمنيوم وزجاج، ولكن تحقيق ذلك كان صعباً من حيث التنفيذ.
وتحدث القطان عن صعوبات التمويل، فالجهود التي تبذلها مؤسسة التعاون، أثمرت الكثير، ولكن المتحف سيبقى يسعى لاستقطاب تمويل خارجي إضافي، رغم "إدراكنا صعوبة ذلك، ليس فقط لكون المشروع غير مرغوب فيه من قبل الاحتلال، ولكن لكون فلسطين، ومع الأحداث المتسارعة في المنطقة العربية، وخاصة في سورية، لم تعد على رأس قائمة أجندة الممولين".. ومع ذلك نجح المتحف في الحصول على تمويل أجنبي للأرشيف السمعي البصري، رغم ما قد يراه البعض بأن فكرة المتحف الفلسطيني "طوباوية".. باعتقادي، "الطوباوية" في وضع من الاكتئاب العميق كهذا، قد يكون لها دور حيوي، مشدداً على أنه لم يتم إلغاء أي مشروع أو عمل فني كان مقرراً في السابق، بل ما تم هو إما تغيير مساره باتجاه رؤية تتوافق ورؤية المتحف، أو دمجه في إطار أوسع، أو تأجيله ليأخذ مساراً جديداً، وفق رؤية مدير المتحف الجديد، والفريق العامل في المتحف، خاصة أن العديد من هذه الأعمال تحتاج بالفعل، برأي القائمين على المؤسسة، إلى إعادة نظر، وفق معايير فنية صارمة، ورؤية واضحة.

المصدر: كتب يوسف الشايب: -