ذاته الوجه الذي نلتقي به في كل مرة على مدرجات صالة المسافرين في محافظة خان يونس جنوبي قطاع غزة، بعدما فاتها الحظ، ولم يُسعفها لتنل فرصة السفر، عبر تلك البوابة الحديدية المُهترئة، التي لا يزيد عرضها عن خمسة أمتار، وتُشكل مُتنفسًا لنحو مليوني شخص يعيشون في القطاع.
الكل هُنا يخوض معركة سلمية مع ذاته ومن حوله لأجل الوصول لمسؤول أو نافذة تسليم جوازات السفر؛ لكل واحد منهم أسلوبه وطريقته الخاصة في الوصول، لكن معظمها تفشل، لأن العمل يسير وفق كشوفات مُعلنة مُسبقًا من قبل هيئة المعابر ووزارة الداخلية في قطاع غزة.
بين المشافي
موسى بربخ "56سنة" بدا كل ما حوله سوداويًا، لكنه هو البارز، لوقوفه مُتكئًا على الجدار الحديدي الفاصل بين ساحة الصالة والمُدرجات، يُمسك بيده أوراق طبية لنجله المريض، وجوازات السفر، ويُحدق النظر بموظفي الداخلية، على الأمل الوصول لهم، وتحقيق ما يرنوا له.
يقول بربخ لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "نجلي يوسف (29عامًا) فقد نظره بعد زواجه بحوالي ستة أشهر، وهو يعمل مُحاسب، وأصبح عاجزًا عن فعل أي شيء، تم تحويله للعلاج في مستشفى المقاصد بمدينة القدس المُحتلة، ولم تنجح العملية هناك".
ويضيف بربخ "تقرر تحويله لمصر، وحصلنا على كافة الأوراق اللازمة، لكن معاناة السفر، وقلة فتح المعبر حال دون سفرنا"؛ مُشيرًا إلى أنه أتى الفتحة الأخيرة للمعبر قبل حوالي (19يومًا)، ولم يتمكن من السفر، ووعده الكثير بتسهيل سفر نجله، بعدم أطلعوا على وضعه الصحي.
ويُعاني "بربخ" الذي يقطن مدينة رفح جنوبي القطاع من تبول لا إرادي، "حسب والده"، "ولم يتمكن اليوم من الإتيان به للمعبر، خشية أن يتبول على نفسه أمام الناس، لأن الفتحة الماضية ادخل لغرفة خاصة نظرًا لحساسية وضعه الصحي، ويشعر والده بالخجل في حل أتى به، لأنه يضطر لاستخدام حفاضات (بامبرز)، حتى لا يتبول".
مُستقبل تعليمي مُهدد
الطفل عز الدين الزايغ "12سنة" جلس بجوار والدته رائدة الزايغ "35عامًا" وشقيقته جنى "4سنوات" على كرسي من الخشب، بجوار عناصر من الشرطة النسائية، قرب نافذة تسليم الجوازات بانتظار النداء على أسماؤهم من قبل الموظفين.
والدته أمسكت بمسبحة طويلة تُسبح بتمتمه وتدعي أن تتسهل أمورهم، وبيدها الأخرى جوازات سفر أبنائها، أما نجلها "عز الدين" فيذهب بين فينة وأخرى ليطمئن والدته أين وصلت الأمور، ويحاول أن يصل لموظفي التسجيل، ويأتي بخبر يُفرح والدته.
يقول "الزايغ" لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "هذه هي المرة الخامسة التي نأتي بها للمعبر، ولم نتمكن من السفر، وأخر فتحه للمعبر دخلنا الجانب الفلسطيني من المعبر ولم نتمكن من السفر، بعدما تم إرجاعنا، في أعقاب إغلاق معبر رفح من قبل السلطات المصرية، بشكل مفاجئ، قبل نحو (19يومًا)".
ويضيف "فاتني عامٌ دراسي كامل، فأنا أدرس في النرويج في الصف السابع الإعدادي، ووالدي وبقية أشقائي هناك، وأتينا قبل تسعة أشهر أنا ووالدتي وشقيقاتي جنى (4سنوات)، وروان (14سنة) فاتها هي الأخرى عام دراسي، وحنين (6سنوات)".
ويتابع "لستُ متفائل بالسفر، اليوم حافلتنا الثامنة، ومضى على قدومنا خمس ساعات ولم يتم النداء على الأسماء، أشعر بحزن شديد وخوف على ضياع مستقبلنا، بسبب المعبر، نحن جئنا زيارة قبل تسعة أشهر، وتوقعنا العودة بعد أشهر على أبعد تقدير، لكن طال الأمر".
بيت بلا راعي
أما رمضان دحلان "67عامًا" فاتكأ هو الأخر على الجدار الحديدي المُحيط بالصالة، ويُمسك بجواز سفره وأوراقه الثبوتيه، على أمل السفر، ويقول لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "أحمل الجنسية المصرية، ولدي منزل في القاهرة، وتعرض للتكسير، وأريد الذهاب لأعرف ما الذي حدث به، خلال أحداث يوليو 2013".
ويواصل "دحلان" حديثه "مُسجل للسفر من شهر أغسطس/ أب الماضي، ولم أتمكن من السفر، وتمكن نجلي سمير (40عامًا) من السفر الفتحة الماضية، ولم يحالفني الحظ، ثلاثة أيام نذهب ونعود ليلاً، ونجلي في مصر لا يعرف شيئًا، وأقوم عبر الهاتف يوميًا بتوجيهه لتسيير أموره هناك".
ويستطرد "رقمي تسجيلي 11713، واليوم أتيت دون وجود اسم لي في الكشوفات، لكن جئت على أمل أن يتم النداء على الجالية المصرية؛ ولدي أولاد يرغبون بالسفر وأسماؤهم في نطاق (9ألاف) ولم يصلهم الدور"؛ مُناشدًا كافة الجهات بالعمل على إبقاء معبر رفح مفتوحًا للجميع.
