الخطة السياسية الخفية عن العين

تشرح نظرية المؤامرة بشكل خفي على نحو ظاهر ما لا تراه العين، ولا تسمعه الأذن ولا يعرفه الرأس. هناك الكثير ممن يسيرون أسرى خلف تفسيرات كهذه في مجالات واحداث مختلفة وقعت في الماضي أو تجري في الحاضر. وتضيف هذه النظريات طعما للحياة، فهي مشوقة، عاصفة بالخيال، وهي غير مرة تشفي ضائقة لا حل لها أو تبث أملا في المستقبل الذي يبدو قاتما.
كتب المؤرخ العظيم البروفيسور يعقوب تلمون، الذي استخف بالتخمينات عديمة الأسس الداعمة بسخرية ذكية في آخر ايامه يقول ان حياته المهنية كانت فشلا. فلماذا؟ لأنه في كل حياته بحث عن المؤامرة الكبرى ولم يجد غير الصدف. ورغم تحذير السفر الذي أطلقه البروفيسور تلمون، ورغم أن الأماني الكامنة في المؤامرات محكومة بشكل عام بالتحطم – تعالوا نسير معها هذه المرة، مرة أخرى واحدة.
في الأيام الأخيرة يهمس لي هامسون عالمون بالأمور من محيط نتنياهو: أنت، أنتم، لا تفهمون عظمة خطوة ضم ليبرمان إلى الحكومة، جوهر المناورة، علاقاتها، معانيها السياسية بعيدة الأثر. القصة – الهمس والغمز – تسير على النحو التالي تقريبا: في الاشهر القريبة القادمة تنتظرنا انعطافات سياسية حادة. فالمبادرة الفرنسية لانعقاد مؤتمر دولي، والتي ليست فقط فرنسية بل عموم اوروبية بل وحتى عالمية، الاشهر الاخيرة للرئيس الأميركي أوباما الذي سيحاول تأطير ارثه في الشرق الاوسط، خطاب الرئيس المصري السيسي الذي يمثل الدول العربية المعتدلة: كل هذه سيستقبلها نتنياهو باستبشار وبأذرع مفتوحة. نعم. ستعجب، يقولون لي. فهو يفهم عظمة الساعة، ويشخص نافذة الفرص، يشعر بالريح التي تهب.
والله؟ أسأل وأفتح عيني كصحفي ابن يومه. نعم بالفعل، يقولون، ليبرمان هو ذخر مزدوج ومزدوج الغاية: سيكون شريكا حقيقيا ونشطا في هذه الخطوات، وهو بالطبع لن يشتم من الخارج بل يبارك من الداخل. فهل سمعت خطاب دخوله إلى وزارة الأمن؟ وزير من حزب العمل، يوجد مستقبل وحتى ميرتس، ما كان يمكنه أن يصيغ كلامه بشكل مختلف: دولتان لشعبين، وحدة الشعب أهم من وحدة البلاد، تصريحات الرئيس المصري تستدعي الانصات والاحترام المناسبين. والرد السريع من أبو مازن هل سمعته أيضا؟ فهو يقول إن اليمين وحده يعرف كيف يصنع السلام وينبغي أن نحاكم الزعماء وفقا للأفعال وليس وفقا للأقوال. وماذا عن الاقوال الدافئة للمبعوث البارد من الامم المتحدة إلى الشرق الأوسط، نيكولاي ملدنوف؟ كل شيء مطبوخ ومعد مسبقا. لا توجد هنا أي ذرة صدفة.
وماذا عن نفتالي بينيت، يسأل السائل، هل سيواصل الجلوس على كرسيه بينما تتطاير شظايا كثيرة جدا لتصيب مقعدته؟ أوه، ذا سؤال جيد، وعليه جواب مزدوج: بينيت سيسره أن يبقى في الحكومة ولن يكون أسعد منه ليرى بطلا كتوما، اوري ارئيل وبتسلئيل سموتريتش يستقيلان. بينيت يريد في يوم من الايام أن يكون رئيس وزراء، وهو يعرف انه من الطرف – اليميني او اليسار – لا يوجد أي احتمال لان يصل إلى هناك. فقد شهدتموه لتوه يتسلق إلى قمة الشجرة وينوء كالقط الحبيس، يستجدي ليتسمان ليؤدي دور مطفئ الحرائق والنجدة. فقط كي يتلقى الطاقم الوزاري للشؤون الأمنية مستشارا عسكريا. لا بد أنك توافقني انه كانت لنفتالي بينيت مخارج اكثر نجاحا، ولكن هذا كان سبيله للاحتجاج على أنهم فضلوا ليبرمان عليه. وكبديل، اذا انسحب بينيت او هدد بالانسحاب – فان بيبي سيكون ملزما بجلب هيرتسوغ. وليس صدفة أنه تعهد له بمؤتمر دولي، مفاوضات مباشرة وفورية مع الفلسطينيين، وحتى منح حزب العمل حق الفيتو على توسيع المستوطنات.
مثير للاهتمام، أقول لنفسي واواصل العمل على نفسي بنفسي: بيبي هو مؤرخ ابن مؤرخ، يعرف ان بن غوريون أقام الدولة، بيغن صنع السلام مع مصر، رابين السلام مع الاردن واوسلو، باراك فك الارتباط عن لبنان، شارون عن قطاع غزة – بينما هو لم ينجح حتى في صنع السلام مع ميني نفتالي وغي الياهو أو فك الارتباط عن القاضية ديتا بروزنين. يا الله، نتنياهو، اتجه نحو تاريخنا وأدر ظهرك إلى قاعدتك وأجري علينا جولة أخرى – جولة أخيرة بالتأكيد.

يديعوت أحرونوت 

المصدر: بقلم: امنون ابراموفيتش -