عقدين ونصف من الزمان عاشتها خنساءُ فلسطين المُسنة فاطمة يوسف الجزار (الشيخ خليل) التي وافتها المنية أول من أمس عن عمرٍ يُناهز "75عامًا"، وهي تُكابد الألم تلو الألم، برحيل فلذة أكبادها، واحد يُسابقُ الأخر، حتى استشهدوا جميعًا ولم يتبقى سوى اثنين منهم.
لم يتبقى أحدًا إلا وسمع عن تلك المُسنة التي شكلت نموذجًا يُحتذى به أمام العالم، بمواقفها الشجاعة والصلبة أمام الملأ، وصبرها وثباتها واحتفائها في مواكب تشييع أبنائها، فكلما نال أحد أبنائها شرف الشهادة، وقفة محتسبةً أمام المُصاب الجلل لم تتأفف، وخرجت صلبةً قوية، وتجرعت مراره وكأنه حُلوًا.
برزت "خنساءُ فلسطين" بمواقفها التي لا يكادُ ينساها أحدًا، من خلال حملها لسلاح أبنائها الشهداء الخمسة "أشرف، شرف، محمود، محمد، أحمد"، في مواكب تشييعهم، والدعوة للاستمرار في الجهاد على نهج الشهداء، كما أنها كانت تُقدم دعمًا نفسيًا ومعنويًا للمقاتلين في المناسبات وغيرها، فدائمًا ما كانت تُقبل جبينهم ويقبلون جبينها.
أكثر كلماتها المشهور هي "الحمد لله يما، بدنا ولاد وشباب يبقوا مناضلين في سبيل الله، ولا بدنا نربي شباب همل يتقطعوا على الحيطان (الجدران)، الواحد بيفتخر (يفتخر) في ابنه أن يكون مجاهد في سبيل الله، لأنه الله يحثنا جميعًا على الجهاد، لازم علينا أن نجاهد شرف لنا لأنه فرض علينا، أسأل الله أن يلحقني بأبنائي شهيدة عما قريب"..
عقود الثبات والاحتساب
قبل نحو "25عامًا" بدأت مسيرةُ عطاء وتضحيات "خنساءُ فلسطين" فاطمة الشيخ خليل، باستشهاد نجلها "أشرف" مطلع يوليو 1991، خلال مشاركته مع المقاومة الإسلامية في عملية جنوب لبنان؛ ثم تبعه بعام تقريبًا في الثاني من يناير 1992، شقيقه "شرف" في اشتباكٍ مُسلح مع البحرية الإسرائيلية بالقرب من مخيم نهر البارد في لبنان.
وفي السابع عشر من أكتوبر عام 2004، كان نجلها "محمود" على موعدٍ مع الشهادة، بعدما نال من جسده صاروخ أطلقه طائرة استطلاعٍ إسرائيلية على منزله بمخيم يبنا وسط محافظة رفح؛ وبعد نحو عامٍ تقريبًا بتاريخ الخامس والعشرين من سبتمبر 2005، كان فلذة كبدُها "محمد" المُلقب "بالهشت" قائد سرايا القدس برفح على موعد مع الشهادة، بعد استهداف سيارته.
وبعد ست سنوات تقريبًا في التاسع والعشرين من أكتوبر 2011م، انضم "أحمد" ليرفع حاضنة الأم الصابرة لخمسة شهداء؛ بعد أن التحق بأشقائه "محمد، محمود، شرف، أشرف"؛ لم يتوقف تدفق شلال العطاء عند هذا الحد، فكان "لخنساءُ فلسطين" الشرف، بأن يلتحق شقيقها خضر الجزار شهيدًا.
رغم تقبلها استشهاد أبنائها الذين تسابقوا على الشهادة، إلا أن الحمل لم يبدوا سهلاً عليها، فتبقى مشاعر الأم تُهيمن على جسدها الذي أنهكه المرض؛ وأزداد بعد استشهاد أبناء بناتها "خالد ورائد الغنام"، "وحسن أبو زيد"، وزوج ابنتها "خالد عواجة"، كما كان لها شرفًا بأن تكون جدة الأسير في سجون الاحتلال "فراس أبو زيد" .
الأم والأب
في العام 1983 توفي زوج "خنساءُ فلسطين"، لتُصبح أمًا وأبًا لأسرة مكونة من "12فردًا" "7ذكور و 5 إناث"؛ لم يكُن سهلاً عليها هذا الحمل، لكنها كابدت على نفسها، حتى ربتهم جميعًا على المقاومة، ونالوا الشهادة واحدًا تلو الأخر، وهي تودعهم فُرادى.
كثيرًا ما كانت اللاجئة الفلسطينية "الشيخ خليل" التي تنحدر أصولها لبلدة "السوافير" قضاء المجدل المُحتلة تحبُ الوطن، والمقاومة، وتحث على" الجهاد، والصبر والثبات، حتى تحرير فلسطين"، كما كانت من أهل الدين والإيمان "كما يروي نجلها الأكبر رضوان.
يقول نجلها رضوان لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "رغم استشهاد أشقائي واحدًا تلو الأخر، لم تكن تقف في طريق واحدًا منهم، وتمنعه عن المقاومة، فكانت مُستعدة لأن تضحي بنفسها لأجل الوطن والدين، وكثيرًا ما تشد من أزر المجاهدين، وتشجع أبنائها على الشهادة".
وتتصف الشيخ خليل "كما يقول نجلها" بالشجاعة، والصبر، وعزة النفس، والشخصية القوية، والخُلق الحسن، فلم يُذكر يومًا أنها كذبت، وكانت أكثر حنانًا على أبنائها وأحفادها وجيرانها وكل من يعرفها، فبالكاد أصفها "بنبع الحنان المُتدفق، والعطاء اللامحدود".
ويضيف "أمي كانت صابرة مُحتسبة، صحيح أنها كما أي أم تتألم لفراق أبنائها، لكن كانت تصبر وتحتسب، وتُقاسي على نفسها، ولم تُظهر حُزنها للآخرين؛ وكنا نشعر أنها تتألم لتأخر استشهاده أحيانًا، فكانت دائمًا تتضرع لله عز وجل بأن يرزقها إياها وتلحق بأبنائها".
ويتابع نجل الشيخ خليل "كانت تحرص رغم كبر سنها، على المشاركة في المناسبات، وحفلات تأبين الشهداء، وتُلقي كلمات حماسية، تحث على الجهاد، والثبات، ومقاومة الاحتلال؛ كما أنها كانت تتمتع بذاكرة قوية، وهمة عالية، وثقافة، رغم أنها لم تكُن مُتعلمةً".
فخر بالأم
شريف الشيخ خليل نجل "خنساء فلسطين" الثاني في الترتيب من بين أشقاء الذكور، يُعبر عن فخره بوالدته، التي كانت نموذجًا للتضحية والعطاء، وعاشقه للشهادة، التي تمنى أن تكون نالتها، بعد رحلة طويلة مع المرض، في أعظم شهور العام، وهو شهر رمضان، وأعظم أيامه ذكرى "معركة بدر"، في السابع عشر منه.
يستذكر "الشيخ خليل" والدته التي ربتهم وسط مُعترك الحياة، بعد وفاة والدهم، الذي عاشوا من بعده في فقرٍ شديد، رغم ذلك لم تلجأ لاحدًا، ولم تستقبل لا مساعدةً ولا زكاةً، ويستحضر أحد المواقف "عندما جاء أحد أخوالها ومعه مبلغًا من المال، وأراد أن يعطيها منه زكاته، فأبت أن تأخذها ، فأصر عليها فرفضت، فرمى بالمال في المنزل وأغلق الباب لينصرف، فردت إليه المال من فوق الباب.!".
ويُشير إلى أن والدته كانت دائما ما تردد : " الحمد لله الذي شرفنا بهم شهداء، اللهم إلحقني بهم"؛ ومن شدة تمنيها للالتحاق بهم شهيدة، كانت تطلبها حتى وهي مريضة، خصوصًا بعد أن تعرض "زرها" للكسر، ولم تستطع الحركة من حينها قبل عام ونيف، وغادرة لمصر قبل رمضان، وتوفيت هناك.
حياةُ "خنساءُ فلسطين" رغم قسوتها وشظف العيش فيها، إلا أنها كانت عامرةً بالعطاء، فتُساعد بعض الشباب في تكاليف الزواج، وتتصدق، ولم يطرق بابها أحدًا وتصده، وكلما ودعت شهيدًا من أبنائها أو أحفادها ازدادت صبرًا؛ واحتضن منزلها درسًا دينيًا أسبوعيًا لنساء الحي، وأوصت قبل موتها ببقائه مستمرًا، وكانت حياتها عامرةً بالإيمان والصبر والالتزام في الدين..
