رجا صوافطة: شهيد بلا هوية

نسجت شقيقة الشهيد رجا حمدان صوافطة، من مدينة طوباس، حياة، بالدموع حكاية شقيقها الذي أنهت رصاصة إسرائيلية حياته وصادرت أحلامه قبل نحو 28 عاما، عندما تتحدث في الحلقة الرابعة والثلاثين من سلسلة "كواكب لا تغيب" والتي تنفذها وزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية.
وروت حياة، قصة شقيقها الشهيد فقالت، إنها رافقت رجا، صاحب البشرة البيضاء، والشعر الذهبي، والعيون العسلية، وطويل القامة، حتى لحظة استشهاده في يوم الأحد الموافق الحادي والعشرين من آب العام 1988، عندما خرج من المنزل، دون أن يعود إليه.
تقول بقلب مكلوم: "ارتدى أخي بلوزة خضراء وبنطلونا رمادي اللون، وقال لنا إنه ذاهب إلى جنين لاستصدار بطاقة هوية، وقد التقط صورة وقدم أوراقه، ثم عاد قاصدا مكان عمله في محددة عائلة أبو محسن، وقبل أن يصلها كانت المواجهات تشتعل في طوباس مع قوات الاحتلال، فنزل من الحافلة، وغير طريقه".

مطاردة ساخنة
ومما عرفته الأخت والأهل ونقله شهود عيان إلى العم عزت صوافطة "أبو طلال"، أن جنديا إسرائيليا لاحق رجا من زقاق إلى زقاق لمسافة 2 كيلومتر تقريبا، واضطر الفتى للاحتماء بمنزل المواطن حسن خضيرات، فصار الجندي الذي يجيد العربية يصوب السلاح نحو المنزل، ويهدد بإطلاق النار، فقرر الحداد الصغير الخروج من النافذة ورفع يديه كي لا يتسبب بالأذى للعائلة، وقال لملاحقه: (أنا هنا، لا شيء معي)، لكن الجندي أطلق عليه النار من مسافة قريبة، فاستقرت الرصاصة برأسه، ليسقط من النافذة.
وتتابع حياة والعم أبو طلال بصوت منهك وعيون تسكنها الأحزان: "سأل طفل من سكان البيت الجندي (لماذا أطلقت النار وقتلت رجا، ولم تعتقله؟) فرد: (لأنه عذبني كثيراً)!"
وحاول الشبان وأهالي الحي القديم في المدينة، إسعاف رجا، ونقل الفتى إلى مستشفى الاتحاد في نابلس، إلا أنه استشهد قبل أن يتلقى العلاج، ليعود إلى منزله بلا بطاقة هوية على أكتاف المشيعين الذين طافوا به طوباس، واكتفى الجنود بمراقبة المقبرة من على سطح بناية مجاورة.

مسجل وعريشة
ويحتل رجا، الترتيب السادس من بين ستة أولاد وابنتين، وهم: يحيى، ومحمود، وحياة، وسليمان، وأحمد، ورجا، وسهام، وموفق، فيما ظلت والدته نظمية رهينة أحزانها حتى رحلت في أيار 2009، وواصل والده الاكتواء بوجع الفراق لحين غيابه في حزيران 2015.
وتكمل حياة: "نحتفظ بالمسجل السكني لرجا، ومعه عشرات الأشرطة (الكاسيتات) التي كان يسمعها، وفيها  أغانٍ وطنية، وأخرى لعبد الحليم حافظ، وبعضها لفيروز وفريد الأطرش، ولم نخرج البطاريات من مكانها إلى أن ذابت داخل الجهاز، وما زالت ملابسه تعطر منزلنا، وتذكرنا عريشة كرم العنب به كل لحظة، فقد صنعها بنفسه هو ومعلمه الحداد سلمان أبو محسن".
ووفق الأخت التي تطوقها الأوجاع، حرص الشهيد الذي أبصر النور في طوباس يوم 28 تموز 1971، على توزيع الشوكولاتة والبوظة بعد استلامه لأول راتب من عمله، فيما اعتاد أن يجهز للعائلة طعام العشاء بعد العودة من العمل، فيأتي بالفلافل والخبز الساخن، ويجمع الأم والأب والإخوة على المائدة.
وتتابع: "كان أخي يشعر بالمسؤولية، وقرر أن يخرج من المدرسة ويتعلم حرفة، وكنا نشجعه للبدء ببناء بيت العمر، واختيار شريكة الحياة، لكنهم لم يمهلونا الفرصة لذلك، وبرصاصة واحدة وضعوا حداً لكل شيء".

استراحة وألم
وزرعت رصاصة الجندي الناطق بالعربية وأسمر البشرة، الحزن في قلب العائلة التي نقلت الابن الأشقر إلى  المدفن القريب، وصارت الأم تزور القبر يوميا، إلى أن دفنت بجوار صغيرها، فيما حظرت الأسرة تشغيل التلفاز خمس سنوات، وقاطعت كل الأغاني التي كان يستمع إليها الابن.
وأعادت عائلة صوافطة، إحياء اسم رجا، فرجا سلمان في السابعة عشرة، ورجا محمود، تجاوز العشرين، لكن الأحزان لم تفارق المنزل الذي تحتفظ جدرانه بالصورة اليتيمة لابنها الشهيد.
وانتقل الحداد من ورشته ومسرح أحلامه، إلى استراحته الأخيرة، وصار يجاور جده محمد وجدته عائشة ووالدته ووالده، فيما تحرس شواهد القبر أعمدة حديدية صنعها معلمه تكريمًا للمتعلم والعامل المجد.
وتنهي حياة: "حين نرى صاحبه مالك، وقد تزوج وأسس أسرة وصار أولاده طوله، نتذكر رجا، وتألمنا يوم استشهد صديقه مالك بانفجار لغم أرضي في الأغوار، وتعود الأحزان لقلوبنا عندما نجتمع في رمضان والأعياد والصيف وكل لحظة، فقد توقف قلب الأخ الكتوم والجدي والعطوف من غير رجعة".

قصص وتوثيق
بدوره، أشار منسق وزارة الإعلام في محافظة طوباس، عبد الباسط خلف، إلى أن سلسلة "كواكب لا تغيب"، والتي تنظمها الوزارة بالتعاون مع الاتحاد العام للمرأة، أعادت منذ انطلاقتها قبل نحو ثلاث سنوات، كتابة 46 قصة من القصص الإنسانية لشهداء انتفاضة الحجارة ممن ارتقوا بين الأعوام 1987 ولغاية 1993.
وأضاف خلف: "تنقلت الوزارة بين مدينة طوباس ومخيم الفارعة وبلدتي عقابا، وطمون، وقرية تياسير، كما سردت حكايات لشهداء امتزجت دماؤهم بتراب طوباس وغورها بعد النكسة وحتى منتصف الثمانينيات".

المصدر: كتب محمد بلاص: -