منذ نعومة أظافره، أحب أحمد عايش "29عامًا"، ابن قرية "بيت عور الفوقا" قضاء مدينة رام الله، في الضفة الغربية، التصوير، لكن لم يستطع أن يمتلك كاميرا، لعدم توفر إمكانيات مالية لديه، ليبقى يرادوه حُلم الحصول على كاميرا حتى بلغ سنة العشرين.
في تلك الأيام التي دخل فيها "عايش" عامه العشرين، انتشرت الهواتف الذكية الحديثة التي تتوفر بها الكاميرا بكثرة، وأصبح ثمن بعضها في متناول الجميع، أقدم على شراء واحدًا منها؛ وباشر بعد ذلك ممارسة هوايته في التصوير، بجانب عمله "آذن/مستخدم" في وزارة التربية والتعليم العالي.
وقبل سنوات أهدته شقيقته التي تقطن في الولايات المتحدة الأمريكية كاميرا، من نوع "نيكون دي 3000"، وعدسة "200.55" و "18.55"؛ ما شجعه على الاستمرار بممارسة هوايته؛ فاصبح ينطلق يوميًا نحو الطبيعة في قريته البسيطة، التي تملأها الحقول الزراعية والجبال، والزهور والأعشاب الطبيعية، التي تعتبر ملاذ لكثير من الطيور والحيوانات والحشرات..
التصوير عبر الكمين!
ولأن عدسات المصور "عايش" الذي لا يحمل أي شهادات علمية، لا تصلح كثيرًا لتصوير الطبيعة، اضطر للتفكير باستخدام طرق، تجعله يتغلب على تلك المُعضلة، وأهم تلك الطرق وأبرزها، هو نظام "الكمين" والذي يقوم على إنشاء "بيتًا" من الخشب، ووضع عليه أوراق أشجار للتمويه وسط حقل في القرية تتردد عليه الطيور "كما يقول"..
ويرقد بداخله حتى لا تراه الطيور ولا الحشرات، ويضع أمامه حوض صغير به ماء وطعام ليجذب الطيور، كما لا يفوته وضع حجارة أو أغصان أشجار جافة، لأن الطير يقف عليها لاستطلاع المكان، قبل النزول على الطعام، وهنا تكون المرحلة الأولى التي يقتنص خلالها صورته عن مسافة لا تزيد عن مترًا، أو مترين!
نجح "عايش" في هذه الطريقة، وتمكن من التقاط صور لكثير من الطيور والحشرات في قريته، التي تتردد على الحقول في مُختلف الفصول على مدار العام؛ عبر كاميرته المتواضعة، مُستخدمًا "علبة رقائق الشبس" الفارغة، التي يضع في داخلها العدسة، لتجميع الضوء للعدسة، لأن هناك طيور تقف في الظل، يصعُب توفير ضوء طبيعي لتصويرها..
ويعتمد في معظم تصويره على التصوير عن قرب، وهو نوع من أنواع التصوير، يعرف باسم "تصوير الماكرو"، وهو التصوير عن قرب، أي تصوير فوتوغرافي للأشياء بمسافة قريبة جدًا، وعادة يكون للأجسام الصغيرة جدًا.
جهد عالِ ومُخرجات
ولم يكن على "عايش" سهلاً هذا التصوير، كونه يحتاج لإمكانيات ومعدات للتصوير، ولصبر طويل، لأن الطيور والحشرات لا تتوفر في كل وقت من اليوم، فلها طقوسها؛ ما جعله يقضي أكثر من أربع ساعات يوميًا دون كلل أو ملل لأجل التقاط صورة أو صورتين؛ وأحيانًا يركض خلف الحشرات لتصويرها، ويبحث عنها بين الحقول بعناية كبيرة.
وتمكن من خلال هوايته التي يهدف من خلالها إبراز جمال وطبيعة فلسطين الخلابة، والتي لا يلتفت لها كثير من المصورين المحترفين وغيرهم، من التقاط كم كبير جدًا من الصور للطيور المهاجرة والمستوطنة بفلسطين، والحشرات، والفراشات، التي التقط صورًا لأكثر من "40نوع" منها.
ومن الطيور التي التقطتها عدسات كاميرا "عايش" : "طائر النقارش الأصفر ابو الحناء (أو الروبين)، طائر السمنية، البلبل، الدبساء، الدوري، يمامة النخيل، الشحرور، المينا الهندية، الصقر، اليمامة الضاحكة، العندليب، الحلزون، الفراش".
أما الفراشات التي التقطتها عدسته فتزيد عن " 40 نوعًا" منها: "ذيل السنونو، الفراشة الزرقاء، البيضاء المرقطة، الباشا الكبيرة.."؛ وساعده استاذ الجغرافيا في القدس داوود الهالي على تدعيم صوره بالمعلومات العلمية فيستفيد الزوار ويزيدون معرفتهم بتراثهم.
إعجاب وانتشار وجوائز
واتخذ "عايش" من وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة "فيس بوك" منبرًا، لنشر كافة أعماله، التي حظيت على اعجاب الكثيرين من أصدقائه، ما شجعه على الاستمرار، والمشاركة في مسابقات إلكترونية، ومنها مسابقة نظمها اتحاد المصورين العرب، لحوالي "662صورة" وفازة صورته بالمرتبة الأولى..
وتخطى حُلمه المشاركة في مسابقات فقط، إيمانًا منه بالمخزون الكبير من الصور الذي بات يمتلكه، والذي ممكن أن يُعتبر مرجعًا للدارسين والباحثين، بل وصل به التفكير بطباعة صوره في كتاب، فقام بتسليم أكثر من "40صورة" لوزارة التربية والتعليم لطبيعتها وتوزيعها مع كتابة توضيحات على كل صورة، وما زال بانتظار الطباعة.
ويهدف "عايش" من خلال تصويره أيضًا، الذي انتقل من عمله "كآذن" إلى "مصور مناهج التربية والتعليم"، بفعل موهبته، إلى أن تعريف العالم على طبيعة فلسطين، وتثقيف الأجيال، وتوثيق الحياة البرية الجميلة؛ كما يطمح أن يُقيم معارض داخل وخارج بلده، ويرفع رأسها ويمثلها أمام العالم.
على الرغم من عدم دعمه من قبل أي جهة وتشجيعه، ومساعدته على التقدم، وتوفير معدات كذلك متقدمة للتصوير له، إلا أنه يشعر بسعادة كبيرة لأنه أصبح من المتميزين في التصوير، ولديه جمهور يتابعونه ويشجعونه؛ كما أنه مُصمم على تطوير نفسه، والاستمرار بتصوير الطيور في نطاق قريته البسيطة، التي لم يخرج خارجها قط لالتقاط الصور..
وتقع قرية المصور "عايش" غرب مدينة رام الله وتبعد عنها حوالي 14 كم، وترتفع عن سطح البحر حوالي 600م؛ وهي قرية بناها الكنعانيون وسموها (بيت حرون العليا)؛ تبلغ مساحة أراضيها 3818 دونماً؛ وتحيط بها أراضي قرى بيتونيا ، بيت لقيا ، بيت عور التحتا ، ودير ابزيغ؛ وتعتبر القرية ذات موقع اثري يحتوي على جدران قديمة وبقايا صليبي وبركة وتقع في أراضيها خربة دير حسان ، وخربة الزيت وخربة حرفوش.
