فرضت السلطات الإسرائيلية إجراءات أمنية استثنائية في مدينة القدس المحتلة استعداداً لتشييع الرئيس السابق شمعون بيريز في المدينة اليوم الجمعة والذي سيشارك فيه عدد من زعماء العالم، فيما سجي جثمان بيريز لـ12 ساعة الخميس أمام مقر الكنيست ليتاح للإسرائيليين إلقاء النظرة الأخيرة على رئيسهم السابق.
ونشرت إسرائيل قوات كبيرة من مختلف فروع الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، وأغلقت شوارع، وأقامت حواجز عسكرية في مدينة القدس استعداداً لتشييع جثمان بيريز الجمعة الذي يأتي قبل أيام من عيد رأس السنة اليهودية الذي يليه بعد عشرة أيام عيد الغفران.
وأعلنت بلدية القدس المحتلة قائمة بأسماء الشوارع التي سيتم إغلاقها في المدينة منذ ساعات الصباح الأولى، ونشرت مناطيد في سماء المدينة لمراقبة الحركة في شوارعها قبل وأثناء الجنازة التي يتوقع أن تكون كبيرة. كما تم تركيب المزيد من كاميرات المراقبة في شارع السلطان سليمان في البلدة القديمة الواقعة داخل الأسوار، وفي سوق المصرارة مقابل باب العمود، الباب الرئيس للقدس القديمة.
وقال سكان القدس المحتلة إن الإجراءات الأمنية في المدينة أدت إلى أزمات سير خانقة في شوارع المدينة حيث يجري إيقاف السيارات وتفتيشها بدقة.
وقال القائد العام للشرطة الإسرائيلية روني الشيخ: "نحن نتعامل مع عملية على نطاق غير مسبوق".
وتم نشر تعزيزات أمنية يؤمنها 8000 شرطي ليومي الخميس والجمعة.
وسيتم قطع الطريق التي تربط بين القدس المحتلة وتل أبيب بشكل متكرر، من أجل تنقل رؤساء الدول والحكومات الذين سيحضرون الجنازة.
ولم تشهد إسرائيل أي جنازة على مستوى دولي مماثل منذ جنازة رئيس الوزراء السابق إسحق رابين عام 1995 الذي اغتيل على يد ناشط في اليمين المتطرف معارض بقوة لاتفاق أوسلو الموقع بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
وبيريز هو الشخصية الأخيرة من جيل مؤسسي دولة إسرائيل وأحد المهندسين الرئيسيين لاتفاق أوسلو للسلام مع الفلسطينيين في 1993 الذي منح من أجله مع رئيس الوزراء حينذاك إسحق رابين والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات جائزة نوبل للسلام.
وجاء مئات من الإسرائيليين من الأعمار كافة لإلقاء النظرة الأخيرة على النعش الذي غطي بالعلم الإسرائيلي، والتقط بعضهم الصور.
وقام الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون بإلقاء النظرة الأخيرة على الجثمان الخميس أمام مقر الكنيست. وبدا عليه التأثر عند وقوفه صامتاً بالقرب من جثمان الرجل الذي كانت تربطه به علاقة وثيقة. ولعب كلينتون دوراً رئيسياً في التوصل إلى اتفاقات أوسلو للسلام مع الفلسطينيين عندما كان رئيساً.
وتم تنكيس الأعلام صباح الخميس في كل المباني الرسمية في الدولة العبرية وفي البعثات الدبلوماسية الإسرائيلية في الخارج.
وسيشيع بيريز في القدس اليوم في جنازة سيحضرها قادة عدد من دول العالم. وسيدفن في مقبرة جبل "هرتزل" التي دفن فيها عدد من كبار القادة الإسرائيليين.
وسيشارك عدد من زعماء العالم في جنازة بيريز، مثل الرئيس الأميركي باراك أوباما والفرنسي فرانسوا هولاند والرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون وزوجته مرشحة الرئاسة هيلاري كلينتون، ورئيس وزراء كندا جاستن ترودو ورئيس وزراء أستراليا وملكة هولندا وولي العهد البريطاني الأمير تشارلز والعاهل الإسباني الملك فيليب السادس.
وأعلن مسؤول فلسطيني رفيع لصحفة "الحياة" اللندنية أن الرئيس محمود عباس (أبومازن)سيشارك في جنازة بيريز على رأس وفد رفيع يضم مسؤول دائرة المفاوضات في منظمة التحرير صائب عريقات ومدير المخابرات العامة اللواء ماجد فرج ووزير الشؤون المدنية حسين الشيخ ومسؤول لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي محمد المدني.
وقال المسؤول "إن الهدف من المشاركة إيصال رسالة للمجتمع الإسرائيلي مفادها أن الشعب الفلسطيني متمسك بخيار السلام ويقدر القادة الإسرائيليين الذين عملوا من أجل السلام مثل بيريز".
إلى ذلك، أعلنت النائب في الكنيست الإسرائيلية عايدة توما أن النواب العرب من القائمة العربية المشتركة لن يشاركوا في مراسم تشييع بيريز، ولن يسيروا في جنازته الجمعة.
وللقائمة العربية المشتركة المؤلفة من الأحزاب العربية 13 مقعداً في الكنيست، وهي القوة الثالثة من حيث عدد النواب.
واعتبرت توما ان بيريز "في النهاية تحدث عن السلام وهو صاحب مشروع اوسلو ووقع عليه، لكنه ايضاً راعي الاستيطان اليهودي في الأراضي المحتلة، وصاحب فكرة مفاعل ديمونا والتسلح النووي، ومن ارتكب مجزرة قانا عام 1996 في جنوب لبنان".
ووصفت بيريز بأنه "شخصية مركبة، ومن المبالغ فيه ان نكون جزءاً من الحزن القومي".
وقال عضو الكنيست من الحركة الإسلامية مسعود غنايم ان "بيريز لم يفعل شيئاً لمصلحة الشعب الفلسطيني، في حين قام بالكثير من الأعمال لمصلحة الحركة الصهيونية وبناء دولة اسرائيل".
واستذكر غنايم مواقف بيريز فقال "هو مؤسس المشروع الاستيطاني، وكان وزيراً للدفاع عام 1976 في يوم الأرض عندما سقط لدينا شهداء، لذلك لا يوجد ما يدعونا إلى المشاركة" في تأبينه وجنازته.
ولم يعلن أي من الزعماء العرب عن مشاركته في الجنازة.
وأعلنت الرئاسة الأميركية أن أوباما أمر أيضاً "بتنكيس العلم الأميركي في البيت الأبيض وسائر المباني الرسمية والعسكرية الأميركية داخل الولايات المتحدة وخارجها" احتراماً لذكرى بيريز.
وكان بيريز في وسط المعارك الكبرى في تاريخ إسرائيل وفي صلب السجالات العنيفة التي واكبت الحياة السياسية في هذا البلد. ويعتبره الإسرائيليون شخصية توافقية وأحد حكماء البلاد، لكن الشارع الفلسطيني والعربي إجمالاً يرى أنه لا يختلف عن قادة إسرائيل الآخرين ويصفه بـ "المجرم".
ويرتبط اسم بيريز ببداية أنشطة الاستيطان في الضفة الغربية وبقصف مخيم تابع للأمم المتحدة في بلدة قانا في جنوب لبنان في 1996 في مجزرة راح ضحيتها أكثر من مئة مدني.
وكان بيريز يصنف بين "صقور" حزب العمل، وقد وافق حين كان وزيراً للجيش في السبعينات على بناء أولى المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية .
غير أنه انتقل في ما بعد إلى صفوف "الحمائم" ولعب دوراً حاسماً في إبرام اتفاقات أوسلو، في وقت كان إسحق رابين يشكك بقوة في العملية السلمية.
وقال بيريز المعروف عنه اعتناؤه الشديد بصحته ومحافظته على نشاطه رغم تقدمه في السن، مرة إن سر عمره المديد يكمن في ممارسة الرياضة يومياً وتناول كمية قليلة من الطعام وشرب كأسين من النبيذ يومياً.
وفي سن الـ93، كان بيريز لا يزال ينشط من خلال "مركز بيريز للسلام" الذي يشجع التعايش بين اليهود والعرب، في وقت باتت آفاق تسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني مسدودة أكثر من أي وقت مضى.
واضطر إلى وقف نشاطاته مرتين في كانون الثاني (يناير)، لإصابته بعارضين في القلب خلال عشرة أيام. غير أنه أكد بين الفترتين اللتين أمضاهما في المستشفى، عزمه على استئناف العمل.
ولد بيريز عام 1923 في مدينة فشينيا في بولندا (أو روسيا البيضاء حسب الحدود الدولية الحالية) وهاجر مع عائلته إلى فلسطين عام 1934، وتلقى تعليمه في مدارس تل أبيب، وأكمل دراسته في جامعة هارفرد الأميركية. وشغل بيريز مواقع مهمة في دولة إسرائيل تدرج فيها من ناطق باسم حركة "الشباب العامل" في سني شبابه الأولى إلى رئيس لدولة إسرائيل في كهولته.
وفي 1953 تسلم بيريز منصب مدير عام وزارة الجيش، وفي عام 1959 تم انتخابه عضواً في البرلمان حيث واصل الصعود في الحياة السياسية إلى أن أصبح رئيساً للوزراء ثم رئيساً للدولة.
