لقاء فني مميز شهده معرض الكتاب العربي والدولي في عامه الستين ضمن فعالياته الموازية واليومية. صوت من يافا غنى سميح القاسم وعبر أنغام لبنانية وفلسطينية مشتركة. كان حفلا وديا دافئا، فقط يحتاج لتقنيات صوت مناسبة، ومزيد من الإعلان والدعاية. إنما هذا لم يترك أثراً سلبياً على عاطفة ابنة يافا سيدر زيتون، فغنت بحب لجمهور تختبره للمرة الأولى، وقصائد تؤديها حديثاً. كما ترافق الحفل مع كلمات ترحيب وتقليد زيتون درع النادي.
غنت أكثر قصائد الـ "سي دي" الذي صدر حديثاً بعنوان "أعيش اشتياقاً"، وأظهرت قدرة على الإحاطة بما تطلبه القصيدة من حضور في الصوت والجسد والإحساس، وبخاصة القصيدة المقاومة، كما مجمل قصائد سميح القاسم. المايسترو إحسان المنذر رافق زيتون في قيادة الفرقة الموسيقية، وهو الذي تولى تلحين وتوزيع خمسا من قصائد الـ"سي دي" التسع. وفي حفلها حيت زيتون الموسيقار الراحل ملحم بركات وأدت ميدلي من أغنياته. كذلك حيت فيروز بمناسبة ميلادها وغنت لها "نسم علينا الهوا". أما "كلمات" قصيدة الشاعر نزار قباني وألحان احسان المنذر، والتي نعرفها بصوت ماجدة الرومي فكانت معبرة للغاية بصوت زيتون. مغنية من فلسطين أمتعت الحضور بقصائد الكبير الراحل سميح القاسم وبألحان لمشهود لهم في عالم النغم. رحب بها الحضور، رافقها غناء وتصفيقاً وترحيباً.
لصحيفة "القدس العربي" اللندنية أثنى المايسترو اأحسان المنذر على صوت وإحساس زيتون الذي اقنعه بالدرجة الأولى بالتعاون معها. وتابع: إلى قناعتي بصوتها اضيف أن زيتون صاحبة قضية مثلي. فأنا عروبي الهوى وفلسطين قضيتي. وأذكر أني عندما كنت استمع إلى خطابات عبد الناصر كانت تجتاحني مشاعر الاعتزاز، وكذلك كنت أشعر برغبة في البكاء. أشجع سيدر زيتون على متابعة الطريق، خاصة وأنها تبحث عن عمل فني يبقى ويخلد وليس عن الشهرة.
الفنان الشامل مروان خوري، الذي تعاونت معه سيدر زيتون في تلحين قصيدة "أعيش اشتياقاً" حضر الحفل، وعبر لـ "القدس العربي" عن فرحه بهذا التعاون، وقال: من الطبيعي الاستجابة لطلب التعاون مع سيدر زيتون، ففلسطين هي الجامع المشترك. وكذلك نحن بصدد شاعر كبير له في داخلي زاويته الخاصة، هو يتميز بالثورة والعاطفة القوية. وبصراحة عندما طلبت مني تلحين قصيدة "أعيش اشتياقاً" لم يكن بد من الإقدام. لم أكن أعرف سيدر، تعرفت إليها مع الوقت، وعلمت بأنها تقدم فناً عنوانه التضحية وليس الربح. أحياناً تستهويني تلك المطارح، فأقبل. وكان لي شرف ضم اسمي إلى اسم المايسترو احسان المنذر والفنان رامي زيتون.
سيدر زيتون قالت لـ "القدس العربي" إن "التعاون الفلسطيني – اللبناني في التلحين والتوزيع حتم اطلاق الـ "سي دي" من بيروت. ولأنه كذلك لا بد من التشارك بفرحة اطلاق العمل، حيث يتمكن الجميع من الوصول. في بيروت أحسست بالاحتضان والدعم لفلسطين في هذا العمل الوطني لشاعر كبير معروف بثورته. كذلك كان اختيار الفنانين إحسان المنذر ومروان خوري بناء على متابعتي الدقيقة لأعمالهما، فهما حققا النجاح في تلحين القصائد وبخاصة النثرية. إحسان المنذر لا يحتاج لشهادتي، وكان مهماً كذلك التعاون مع مروان خوري لنكون على تماس مع جيل الشباب في الموسيقى. وكذلك لزوجي رامي زيتون تجربة طويلة معي، ولحن الكثير من القصائد. قصائد سميح القاسم مسؤولية وكنت أهتم بأن تكون مع أفضل الأسماء على صعيد النغم واللحن".
■ هل أربكك سميح القاسم، عندما وضع بين يديك كامل قصائده لتختارين ما ترغبين؟
□ بصراحة وفي طريق العودة من زيارته كررت مرّات لا تُحصى فتح الكتاب الذي وقع فيه على السماح، قرأته وقرأته ولم أكن لأصدقه. الرد بيني وبين ذاتي كان بالتحدي لمزيد من اثبات الذات لأكون بقدر المسؤولية التي ألقيت على عاتقي، ولأتمكن من احترام هذا الشعر الذي بت مؤتمنة عليه.
■ لماذا سميح القاسم، دون سواه من شعراء فلسطين؟
□ اللقاء الشخصي الأول مع سميح القاسم تمّ لدى غنائي في جامعة فلسطينية إثر أمسية شعرية له. كان تعارفاً ودياً أبدى خلاله رغبته بدعمي. بعدها مباشرة غنيت قصيدتي "شرف العائلة" و"الدفتر الأزرق". كنت في بداياتي الفنية وكذلك في بداية تأسيس عائلتي ولدي أطفال، لكني عاودت المسيرة بدءاً من السنوات السبع الأخيرة بمثابرة وجدية ومهنية مختلفة عن السابق. وعندما كان في بالي تقديم أغنية عنفوان وجدت في ديوانه قصيدة "ربما". توجهت له بالسؤال فأبلغني أن جوليا غنتها. فكان لا بد من البحث عن أخرى إذ لا يجوز إعادة ما شدت به القديرة جوليا. وكان اختياره لقصيدة "تقدموا". بعد تلحينها من قبل المايسترو احسان المنذر زرت شاعرنا الكبير في منزله لأسمعه القصيدة. كان ذلك في 1-6- 2014 أي قبل رحيله بشهرين، سمع القصيدة بصوتي وأعجب بها وتحدث هاتفياً مع احسان المنذر. طلبت منه سماحاً خطياً لأتمكن من تصوير الأغنية، وإذا به يكتب سماحاً عن قصيدة "تقدموا" وكافة القصائد التي اختارها من كتبه. تمّ ذلك بحضور زوجته وابنه، وكان موقفاً مؤثراً جداً.
■ كم سهل الاختيار من قصائد سميح القاسم، وهل من معيار يحكم ذلك؟
□ كان صعباً للغاية. بمجرد فتح دواوين القاسم تفتح شهية الاختيار، لكن في النهاية يجب التحديد فالإنتاج مكلف والموازنة محدودة. لهذا اختصرت ونوعت بإضافة أغنيات عاطفية بناء على نصيحة سميح القاسم في لقائي الأخير معه. فهو أهداني ديواناً لقصائد عاطفية فاخترت منه "قالوا أحبك" و"أعيش اشتياقاً". وأغنية "حب فلسطينية" عاطفية بدورها، ففي ظل الاحتلال والجدار والحدود والتصاريح والجوازات تتمازج بين العاطفي والوطني. وفي فلسطين يتحول الحب إلى شكل من أشكال النضال. وكان ضرورياً بالنسبة لي أن أضم لـ "السي دي" قصيدة "القدس لنا". كما ترمز "غوانتانامو" إلى شعب فلسطين المحاصر بجدار وإلى أسراه الذين يعدون بالآلاف. لقد جمعت القصائد المختارة الكثير من القضايا.
■ هل تنظرين إلى الغناء في الذكرى الـ60 لتأسيس معرض الكتاب الدولي في بيروت على أنه فكرة مهمة؟
□ مهم ومفيد للغاية أن نغني بين من يفهمون ما نقوله ويشعرون به. تقديم هذه القصائد لأول مرّة في معرض الكتاب في بيروت لا يوازيه أي حضور في أي مكان آخر. لمست من حضور تلك الأمسية رغبة بسماع كل كلمة من القصائد إضافة إلى اللحن.
■ تميز غلاف الـ "سي دي" بلونه الأزرق وثوبك الأبيض مع الوشاح كأنه حالة حب وانشراح؟
□ كانت لي العديد من الصور للغلاف. توجهت الآراء نحو أخرى لكني تمسكت بهذه الصورة. ومعها شعرت بأني أعيش معاني عنوان "أعيش اشتياقاً". نعم أعيش اشتياقاً لحياة فيها حرية، كرامة، ولحياة حب وسعادة وفرح. هو الشوق للحياة الطبيعية. فتحت ذراعي على غلاف العمل متمنية من الله تحقيق أحلام الشعب الفلسطيني.
■ قرأت في ارشيفك أنك تغنين بثماني لغات ولهجات؟
□ نعم، في الحفلات التي احييها بعيداً عن الغناء الوطني وخلالها بالطبع لي مستوى راقي يميزني وأتمسك به. واختار اغنيات للسيدتين فيروز وماجدة الرومي. وحتى في حفلات الأفراح اختار اغنيات ايقاعية ذات مستوى ومعنى. وفي تلك الحفلات اضيف تنويعاً من اغنيات يونانية، اسبانيولية، فرنسية وانكليزية.
يتضمن سي دي "أعيش اشتياقاً" القصيدة التي يحمل اسمها. "الغربة" وهي مختارة من قصيدة "اغنية حب فلسطينية" وقد شارك في غنائها الفنان معين شريف. "ملك القدس" مختارة من قصيدة "موعظة لجمعة الخلاص". "من أجل صباح". "وأنا من أنا". "قالوا أحبك". "غوانتانامو"، وأخيراً "تقدموا".
