الأب الروحي لليسار الصهيوني يعلن ضياع حل الدولتين ويعتبره فكرة غيبية

تزعم إسرائيل الرسمية أنها ما زالت تؤيد حل الدولتين وفق رؤيتها بينما على الأرض تواصل أياديها الاستيطان والتهويد والسلب والنهب. ويبدو أن ما يعرف بمعسكر اليسار المتداعي بات يتراجع عن هذا الحل. بعد خمسين عاما من النشاط من أجل تسوية الدولتين بدأ غداة احتلال عام 1967 أعلن الأديب الإسرائيلي أ. ب يهوشع (80عاما) أن إيمانه بتسوية الدولتين قد تبدد نهائيا. يهوشع الذي شكّل مرشدا روحانيا وملهما لليسار الصهيوني برؤيته حل الدولتين للصراع الفلسطيني الإسرائيلي يقول إن هذه التسوية صارت حلا غيبيا داعيا للبحث عن حل آخر، معللا ذلك بالدعوة للنظر للواقع.
قال ذلك بعد لقاء جمعه ضمن ندوة في القدس المحتلة مع رئيس إسرائيل رؤوفين ريفلين الذي يرفض تسوية الدولتين ويعارض تقسيم البلاد. وتابع يهوشع في ندوة نظمت بمناسبة الذكرى الخمسين لاحتلال الضفة الغربية "منذ 1967 كنت أؤمن بتقسيم إسرائيل لدولتين وتقاسم القدس بين عاصمتين واستغرق الإسرائيليون والفلسطينيون وقتا طويلا حتى اعتقدوا بتسوية الدولتين. (الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر) عرفات تنبه عام 1988 للموجات الكبيرة للمهاجرين الجدد من روسيا فبادر للاعتراف بإسرائيل لأنه خشي أنه بعد قليل لن يبقى للفلسطينيين شيء. ومن جهته تعود حزب العمل على الفكرة أول بأول".
وفي معرض تبرير انقلابه على رؤيته هو يقول يهوشع إن اتفاقات أوسلو لعام 1993، منحت الشرعية لفكرة الدولتين وإن اليمين يبارك عليها. ويضيف منطلقا من مصلحة إسرائيل طبعا "لئلا نتجول في مركز نابلس ومخيمات جنين ولكن من جهة أخرى يستمر هذا الصراع منذ 140 عاما وتدخل كل الوسطاء في العالم ولم يتم توفير حل. ونحن لا نستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة أو أوروبا بأن يفرضوا علينا حلا ولا يجوز السماح بأن يفرض أحدهم حلا علينا".
ويعتبر يهوشع اليوم أن تسوية الدولتين باتت غير ممكنة ويكفي النظر للواقع مدعيا أن الاعتقاد بإمكانية اقتلاع 450 ألف مستوطن من مستوطناتهم وهم، متسائلا هلا يمكن تقسيم القدس اليوم؟ ويقول إن الواقع ثنائي القومية بات حقيقة واقعة وتسوية الدولتين فكرة غيبية داعيا المثقفين اليساريين للتفكير بحل آخر. وبخلاف الموقف الإسرائيلي الرسمي المعلن يعتبر يهوشع أن إسرائيل بحدود الخط الأخضر باتت دولة ثنائية القومية نظرا لأن 20٪ من سكانها عرب. ويمضي بلهجة نقد ذاتي مبطن "مع كل الحروب والإرهاب والانتفاضات خلقنا هنا واقعا ثنائي القومية والفلسطينيون يريدون دولة واحدة ولن يقولوا ذلك علانية ولذا فهم يكسبون الوقت. هم يريدون كل فلسطين وليس22 ٪ فقط منها وهم لن يغادروا لمكان آخر. فهم أبناء المكان وسكان البلاد الأصليون".
ودعا للتفكير تفكيرا صعبا معقدا وللبدء بذلك من القدس بتحويل سكان شطرها الشرقي العرب لمواطنين في إسرائيل دون أن يطرح تسوية منطقية حقيقية مكتفيا بمقترحات مستوحاة من فكر اليمين. وفي المرحلة الثانية، حسب يهوشع، ينبغي منح المواطنة الإسرائيلية لمائة ألف فلسطيني يقيمون في مناطق "ج" في الضفة الغربية المحتلة. ويتابع "هذه أقوال صعبة لشخص مثلي تجول مع رؤية أخرى طيلة عقود لكن الواقع يوجه أسئلة وينتظر أجوبة".
في المقابل يرى يهوشع في الاحتلال مرضا خطيرا ينبغي على الإسرائيليين التخلص منه دون أن يشير للحق الأساسي الطبيعي للفلسطينيين بالتحرر والاستقلال. ويعبر هذا الاعتراف للأديب البارز عن الغلبة النهائية لليمين في إسرائيل وعن انهيار وربما موت معسكر "اليسار الصهيوني" الذي فاوض الفلسطينيين سنوات طويلة دون تحقيق تسوية على الأرض مما يثير علامات تساؤل حول جديته ونواياه بخلاف اليمين الذي يجاهر بمعظم رموزه برفض التسوية وبرهانه على سياسة فرض الواقع وعلى قوة السيف.
يهوشع الأديب المنتمي لحزب "ميرتس" المعارض يتبنى بأقواله هذه رؤية نفتالي بينيت وزير التعليم رئيس حزب المستوطنين "البيت اليهودي" الذي يمارس فعليا ضم الضفة الغربية المحتلة من خلال تشريع المستوطنات بقانون تبييض الأرض المسلوبة. وحتى "المعسكر الصهيوني" الحزب المعارض الأكبر سبق وتراجع عن تسوية الدولتين بتصريحات متكررة لرئيسه عضو الكنيست يتسحاق هرتسوغ الزاعم أن الحل ينبغي أن يكون إقليميا لأن تسوية الدولتين اليوم غير ممكن ولا يتردد بالانضمام لليمين باتهام الجانب الفلسطيني دون تمييز بين حركة حماس والرئيس محمود عباس. ويعتبر هرتسوغ قانون تشريع المستوطنات موت إسرائيل كدولة يهودية وتحولها لدولة ثنائية القومية لكنه على الأرض لا يتحرك فعلا لطرح بديل واضح صريح بل يمضي معظم أوقاته بمداولات سرية للانضمام للائتلاف الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو.
وردا على سؤال حول عدم خوفه من فقدان الهوية اليهودية لإسرائيل نتيجة رفض تسوية الدولتين أجاب يهوشع بالنفي وتساءل وهو يبدو كمن يهرب للأمام : هل فقدت القدس هويتها اليهودية بعد ضم شطرها الشرقي؟ بالعكس فهي ازدادت قوة.
لم يتطرق سامي ميخائيلي زميله البارز الأديب الإسرائيلي من أصل عراقي لواقع الاحتلال ونظر لما تشهده إسرائيل من مد فاشي عنصري، فتساءل في مقال رأي نشره أمس، أين اختفت دولة الآمال؟. ويخلص ميخائيلي لقول يتضمن تلميحا خطيرا "في سنوات عمري التسعين شهدت امبراطوريات شريرة آمنت أنها ستصمد ألف سنة لكنها انهارت وتحولت لغبار تحت أقدام الإنسان المتطلع لأن يكون إنسانيا. هذا الكابوس المرعب الذي يلفنا حكمه أن ينتهي".

المصدر: الناصرة – وديع عواودة -