لأول مرة منذ 36 عاما أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا ضد المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية، يطالب بوقف النشاطات الاستيطانية وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية وكذلك بوقف أعمال العنف بما فيها الارهابية في الضفة الغربية.
وبينما هاجمت اسرائيل هذا القرار، لم يعارض أي عضو من أعضاء مجلس الامن الـ15 مشروع القرار الذي تقدمت به كل من ماليزيا، نيوزيلندا، فنزويلا، والسنغال، ولا حتى حليفتها الكبرى الولايات المتحدة، التي فضلت الامتناع عن استخدام حق النقض (الفيتو) ضد هذا القرار.
وصوتت كل من فرنسا، روسيا، بريطانيا، الصين، نيوزيلندا، اسبانيا، مصر، ماليزيا، فنزويلا، أنغولا، أوكرانيا، اليابان، السنغال وأوروغواي الى جانب القرار، بينما امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت.
ويعد الموقف الأمريكي هذا تحركا نادرا من واشنطن التي عادة ما تدافع عن إسرائيل أمام مثل هذه القرارات، فيما اعتبر مراقبون هذا الموقع "طلقة الوداع" من الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي ازداد التوتر في علاقته برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما يعتبر مكسباً للقضية الفلسطينية، ولجهود القيادة برئاسة الرئيس محمود عباس(أبو مازن) والدبلوماسية الفلسطينية.
وبالرغم من دعوات أعضاء في الكونغرس الأمريكي الى الرئيس أوباما بمعارضة القرار واستخدام حق النقض، الا أن إدارة أوباما لم تذعن لهذه الدعوات.
وكان عضو مجلس الشيوخ الجمهوري ليندزي غراهام - المسؤول عن تحويل الأموال الأمريكية الى الولايات المتحدة، قد هدد بوقف تحويل الأموال في حال اعتمد هذا القرار متهما الرئيس أوباما بالمسؤولية عنه.
وأعلنت ماليزيا في مطلع النقاش إن مشروع القرار يأتي ردا على "محاولات غير مسبوقة من البرلمان الاسرائيلي لاضفاء الشرعية على المستوطنات الواقعة في الأراضي الفلسطينية تستوجب مجلس الأمن التدخل"، مشيرا الى أن المجموعة التي صاغت القرار عملت على توافق الآراء داخل المجلس.
وأوضح مندوب ماليزيا تردى الوضع في المناطق الفلسطينية المحتلة لدرجة يستجوب التدخل من مجلس الأمن، ولتجديد رفض المجتمع الدولي للمستوطنات والاحتلال الاسرائيلي، وطالب بتبني القرار ووقف الاستيطان لكي "لا يبقى حل الدولتين حبر على ورق".
لكن القرار أيضا "يطالب بخطوات مباشرة لمنع أعمال العنف بحق المدنيين، بما في ذلك الارهاب. ويطالب جميع الاطراف على تكثيف الجهود لانجاز حل دائم وعادل وسلمي للنزاع في الشرق الأوسط ووضع حد للاحتلال الإسرائيلي".
من جانبها أكدت نيوزيلندا في كلمة مندوبها أن "المستوطنات تهدد حل الدولتين في خطر وهي رسالة وصلتنا بوضوح في التقرير الأخير وفي التقارير السابقة للأمين العام. ولذلك قدمنا مشروع القرار".
بينما أوضح مندوب فنزويلا ان "هذا المشروع قد يكون تاريخيا اذ انه قد يساهم بتحقيق السلام"! وشكر مصر على جهودها من اجل تحقيق السلام.
واعتبر أن المستوطنات هي أكبر تهديد في الوقت الحالي لحل الدولتين وهي سبب بتردي الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، موضحا أنه يتوجب على مجلس الأمن تحمل المسؤولية "هذا القرار يؤكد حق الطرفين بالتعايش السلمي داخل حدود 1967، ووفق أحكام القانون الدولي والقرار 142. يتطرق ايضا لاشكاليات المستوطنات وزعزعة الاستقرار".
من جانبها أكدت سامنثا باور - مندوبة الولايات المتحدة أن "الولايات المتحدة لن تؤيد استخدام اي اراضي اضافية للمستوطنات وتوسيع الاستيطان. نطالب بتجميد فوري للإعمار وهو نشاط قد يخلق الثقة بين الطرفين. انشطة الاستيطان تقود ثقة العرب بامكانية التوصل الى تسوية نهائية على المفاوضات العادلة... هذا ما قاله الرئيس رونالد ريغان في العام 1984".
وتابعت "هذا الاقتراح لم يتحقق في نهاية المطاف، لكن كلماته لا تزال نيرة ومناسبة وتشير الى التزام الولايات المتحدة بتحقيق سلام شامل ودائم بين الاسرائيليين والفلسطينيين. هذه سياسة دأبت عليها كل الحكومات الامريكية الجمهورية أو الديمقراطية قبل ريغان وحتى يومنا هذا. الأراضي التي احتلت عام 1967 تقوض نجاعة حل الدولتين والتآكل بالاستقرار والأمن بالمنطقة".
من جانبه، عقب مندوب مصر في مجلس الأمن، عمرو أبو العطا، على ما جرى بالقول: الاستيطان غير قانوني، وهو موقفنا الثابت ولا تغيير فيه".
وأضاف:" يجب ان نتحلى بالحكمة وبالمعالجة الواقعية دون مزايدات وبخاصة قضية الاستيطان التي ترتبط بشكل مباشر بقضايا الحل الدائم."
وشدد على ضرورة حل القضية الفلسطينية بالاستناد الى قرارات 242و338، وغيرها قرارات الشرعية الدولية.
وتابع مندوب مصر:" إن الثوابت والمحددات الخاصة بالاستيطان والقضية الفلسطينية منصوص عليها بقرارات سابقة صادرة عن مجلس الأمن."
وأردف: "لقد وجدت مصر اليوم مضطرة لسحب مشروع القرار لسحبه من الناحية الإجرائية على خلفية المزايدات التي تعرضت لها، وهذا أمر غير مقبول شكلا أو مضمونا، فلا يمكن المزايدة على مصر التي تعتبر القضية الفلسطينية جزءا من اولوياتها."
وقال:" لقد صوتت مصر لصالح مشروع القرار انطلاقا من مبادئها الراسخة، فهي أول من رفعت السلاح دفاعا عن الحقوق الفلسطينية والعربية المشروعة، وأول من صنع السلام مع اسرائيل، وهي من أشد المؤمنين بإمكانية إحلال السلام على أساس الأرض مقابل السلام."
وعقب مندوب فرنسا في هذه الجلسة على نتيجة التصويت بقوله:" إنه قرار تاريخي وهو القرار الأول الذي يتباه مجلس الأمن فيما يخص الصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي منذ عقود، والموقف أصبح واضحا وشفافا."
وتابع:" إن بناء المستوطنات يشكل خطرا على السلام، فكان لا بد من أن يمر بتوافق جماعي، فالاستيطان تسبب بتوتر على الأرض، وما يجري من توسع استيطاني هو خلاف لقرارات المجتمع الدولي."
وشدد على أن التدخل من قبل مجلس الأمن كان ضروريا لوضع حد لسياسة فرض الحقائق، منددا بفرض قيود على حرية الحركة، مضيفا: هذه سياسات غير قانونية".
بدوره، قال سفير الصين" إننا نرحب بهذا القرار الخاص بالمستوطنات، مؤكدا أن القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع في الشرق الأوسط والمنطقة، وأن إحقاق حقوق الفلسطينيين مصلحة دولية."
وأضاف أن" التوسع الاستيطاني من شأنه أن يعقد المشكلة ويؤدي لانهيار الوضع الإنساني على الأرض، مؤكدا أن الصين دعمت مجلس الأمن في قراره تجاه القضية الفلسطينية."
