المؤتمرات الفلسطينية في الخارج ، مخاض لولادة متعسرة أم ماذا؟

بقلم: أكرم أبو عمرو

شهدت الساحة الفلسطينية الخارجية في الفترة الأخيرة تنظيم العديد من المؤتمرات في أماكن عديدة بدأت في مصر حيث نظمت بعض المؤتمرات بالتنسيق مع مركز الدراسات الإستراتيجية في القاهرة، شارك فيها عدد من شرائح فلسطينية مختلفة ، من الكتاب والصحفيين ، ومنظمات العمل المدني ، ورجال الأعمال، وأخيرا الشباب ، في طهران نظم مؤتمر لدعم انتفاضة القدس ، وأخيرا كان مؤتمر اسطنبول الذي اعتبره منظموه مؤسسة شرعية لها هياكلها ، السؤال الآن ، لماذا هذه المؤتمرات ، وهل هي بداية مخاض فلسطيني لولادة متعسرة؟ ، أم ماذا ؟.
الشاهد لنا أن هذه المؤتمرات تعقد في ظل ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية اقل ما يقال عنا أنها سيئة ، تحيط بشعبنا منذ فترة ليبست بالقصيرة إذا حسبناها بأعمارنا القصيرة . ومنها :
1 - الانقسام البغيض وتداعياته التي تنخر في الجسد الفلسطيني لدرجة إصابته بالإعياء الشديد ، حيث تعثر المصالحة وإزالة الانقسام، وفشل جميع المحاولات واللقاءات والاتفاقات التي تناولت هذا الموضوع ، والحصار المحكم على قطاع غزة الذي يضم نحو 2 مليون نسمة ويشكل 38.9 % من سكان الأراضي الفلسطينية "الضفة الغربية وقطاع غزة"، وما يتبع الحصار من ارتفاع نسبة البطالة 41.7 % ، وارتفاع معدلات الفقر ، والمشاكل الاجتماعية والبيئية المتعددة والتي دفعت بالعديد من المؤسسات الدولية بإطلاق إشارات التحذير من كوارث إنسانية سيتعرض لها قطاع غزة ، بل أن الأمم المتحدة أصدرت تقريرا سابقا أعلنت فيه أن قطاع غزة سيصبح غير صالح للسكن بحلول عام 2020 .
2 - انسداد الأفق السياسي على صعيد حل القضية الفلسطينية سياسيا ، وأصبح الحل مرهونا لمفاوضات لا تعرف لها نهاية علما أنها بدأت منذ أكثر من عشرين عاما ، واتفاقيات لم ينفذ منها إلا القليل القليل ، لدرجة أنها أصبحت شبه منتهية ولكن بدون إعلان رسمي .
3 - تعرض قطاع غزة إلى ثلاث حروب إسرائيلية كان من نتائجها سقوط الآلاف من الشهداء والجرحى ودمار واسع في مرافق البنية التحتية والمنازل والمنشآت الاقتصادية .
4 – تغير الظروف العربية والاقبليمية والدولية ، حيث طال أمد الصراعات العربية الداخلية خصوصا في الدول الفاعلة عربيا ومنها سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر إلى حد ما ، وبروز بوادر لظهور بعض التكتلات الإقليمية المختلفة الرؤى والأهداف بقيادة كل من تركيا وإيران ، والتي من شانها أن تعمل على تحويل الصراع في المنطقة إلى صراعات مذهبية وطائفية ، بالإضافة إلى تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية ، ومواقفه المتطرفة والتي يطلقها بين الحين والآخر وجلها داعمة ومؤيدة لإسرائيل وتجاهل للقضية الفلسطينية .
في ظل هذه الظروف تم تنظيم هذه المؤتمرات وربما هناك مؤتمرات أخرى هنا وهناك ، ولكن بمتابعتنا لدوافع وتوصيات هذه المؤتمرات كانت جميعها تدور حول نقاط مثل : وضع برنامج فلسطيني لمواجهة الظروف الحالية وحماية المشروع الوطني الفلسطيني ، والدعوة لوقف المفاوضات أو وإنهاء اتفاقات أوسلو بما فيها وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل ، وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية لتكون ممثلة لجميع أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات ، والعمل على وحدة الشعب الفلسطيني وإنهاء الانقسام . وهناك أمور أخرى تفصيلية لكن هذه هي الخطوط العامة .
الملاحظ عن جميع ما تناولته هذه المؤتمرات هي نفسها مطالب الشعب الفلسطيني ، لكن أين المشكلة ، ولماذا لا نعمل على تطبيق وتنفيذ هذه المطالب ، في اعتقادي أن السبب هو الصراعات الحزبية بين الفلسطينيين ، صراعات داخل الحزب أو الفصيل الواحد ، كما هو في حالة حركة فتح التي انبثق عنها تيار أطلق على نفسه التيار الإصلاحي يقوده النائب وعضو اللجنة المركزية السابق محمد دخلان ، ويرفض الرئيس محمود عباس قائد حركة فتح هذا التيار ويعتبره انشقاقا أو تجنحا عن الحركة الأم ، وكذلك الخلاف الطويل والمتجذر بين حركتي فتح وحماس والذي تمخض عنه الانقسام منذ عشر سنوات وما زال ، وأخيرا برزت الخلافات بين حركة الجهاد الإسلامي وحركة فتح ، وقد عبر عن هذا الخلاف أمين عام الجهاد الإسلامي في المؤتمر الذي عقد مؤخرا في طهران متهما السلطة بأنها تقف عائقا أمام المقاومة واستمرارها .
في ظل هذه الحالة تجد أن قيادات السلطة الفلسطينية لا تنظر إلى هذه المؤتمرات بعين الاهتمام عدا بعض التصريحات الرافضة لهذه المؤتمرات من بعض المسئولين ، والسؤال الآن أيضا هل لهذه المؤتمرات من نتائج سريعة وملموسة على صعيد شعبنا الفلسطيني في الداخل والخارج ، أم هي عبارة عن فرقعات صوت مؤقتة ، رغم انه ما زال الوقت مبكرا للتعرف على مدى أهمية هذه المؤتمرات ونتائجها ، لكن شبه التجاهل الرسمي الفلسطيني لها ربما يكون من الخطأ الكبير ، لان في استمرارها وتكرار تنظيمها يمكن أن تلقي بظلالها السلبية على الانجازات الفلسطينية السياسية خلال الفترة الماضية مثل مسالة الاعترافات الدولية سواء على صعيد الدول أو البرلمانات أو المنظمات الدولية ، كما أن هذه المؤتمرات ستعمل بالفعل على استقطاب الفلسطينيين في الخارج في ظل غياب دور فاعل للسلطة على هذا الصعيد ، وبالتالي ستعمل هذه المؤتمرات إلى اتساع الفجوة بين فئات المجتمع الفلسطيني ومكوناته ، وبالتالي سندخل في متاهة أصعب من الانقسام الذي سيمتد أثاره ومظاهره إلى أوساط الفلسطينيين في الشتات ، ما يؤدي إلى تشتيت الجهود الفلسطينية ويضعف قضيتنا بدلا من تعزيز مكانتها وإعادتها لمكانتها الأولى على رأس سلم الاهتمامات الدولية .
أننا ومع تأييدنا لكل جهد وطني فلسطيني يعمل على تعزيز صمودنا على أرضنا ، وتعزيز مكانة قضيتنا بيت القضايا الدولية ، واستقطاب الدعم والتأييد والمناصر الدولية لنا ، لكننا ضد الجهود المؤدية إلى التشرذم والتفكك وترسيخ الانقسامات سواء بين أبناء الفصيل الواحد أو بين الفصائل أو حتى شرائح المجتمع المختلفة ،
اعتقد انه من الضروري أن تفتح السلطة وقياداتها الآذان لسماع الغير ، وقبل انتشار ظاهرة المؤتمرات الخارجية أن تعمل السلطة وقياداتها على لم الشمل وتوحيد الصف ، وذلك بالدعوة إلى لقاء وطني يضم كافة القوى لسماع كل الآراء بصراحة وأمانه ، والاستجابة إلى ما يطرح من أراء متفق عليها .
كما انه لا بد من إجراءات تمهيدية لنجاح هذه اللقاءات ، إجراءات حسن النوايا ، وقف كل أشكال الاعتقال السياسية سواء في الضفة أو غزة ، والإفراج عن جميع المعتقلين الذين تم اعتقالهم مؤخرا ، بالإضافة إلى وقف التصريحات التحريضية من طرف ضد طرف آخر .
الوقت يجري بسرعة ، ولكن هناك مجال كبير للمراجعة وتصحيح المسار ، فعدونا لا ينام وها نحن نسمع بين الفينة والأخرى التهديدات تلو التهديدات تارة بشن حرب جديدة على قطاع غزة ، وتارة بالحديث عن كيانيه غزة وإقامة الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة ، في الوقت الذي يعمل بكل طاقته على التوسع الاستيطاني .إن أفضل مكان لعلاج مشاكلنا هو أرضنا من هنا نبدأ .

أكرم أبو عمرو
غزة – فلسطين
26/2/2017