كارثة اليهود وكارثة الفلسطينيين

بقلم: غازي السعدي

ضمن الحملة الإسرائيلية، باتهام العالم بالمسؤولية عن المحارق النازية من جهة، واستعطاف العالم لتأييد ودعم إسرائيل من جهة أخرى، قال "نتنياهو" في الذكرى السنوية للمحارق التي تقام في إسرائيل أنه لو قامت الدول العظمى في عام 1943، بالتحرك ضد معسكرات الموت، وقصفت معسكرات النازية، لكان بإمكانهم إنقاذ أربعة ملايين يهودي، لكن عدداً من المؤرخين والباحثين في موضوع المحرقة، كان أبرزهم "يهودا باور" الإسرائيلي، وصف ادعاءات "نتنياهو" هذه بأنها هراء مطلق، لأن الطائرات في ذلك الحين لم يكن بمقدورها الوصول لتلك المسافات، فطائرات "P-51" الأميركية-البريطانية الصنع لا تستطيع الطيران مسافات بعيدة والوصول إلى معسكرات النازية، لكن "نتنياهو" يواصل حملته ضد الحلفاء لابتزاز المزيد من المساعدات واستدرار تعاطف العالم، ولتبرير الادعاءات الإسرائيلية بأن العالم يكره إسرائيل، وأنها تواجه العالم بأسره لوحدها، ففي ذكرى ما يطلقون عليه بـ "الكارثة"، قال الرئيس الإسرائيلي "روبي ريفلين"، أن جميع الأوروبيين يتنصلون من المحارق، بل يقولون أن اليهود هم الذين جلبوها على أنفسهم، "راديو إسرائيل 25-4-2017"، ويضيف "ريفلين": أن العالم منقسم إلى قسمين: محبو العالم من ناحية، والنازيون والإسلاميون من الناحية الأخرى، لكنه رفض القول بأن أية انتقادات تجاه إسرائيل هي لاسامية، فهذا خطأ، وأن مثل هذه الاتهامات لا تقل خطورة عن ذكرى المحارق.

لقد نجحت الحركة الصهيونية بفرض رؤيتها بمنع التشكيك بمصداقية المحارق النازية، وبعدد ضحايا تلك المحارق الستة ملايين، حسب مصادرها، أو التشكيك بوجود أفران الغاز في تلك الفترة، وترفض الأقوال بان ما تطلق عليه بالكارثة هي مؤامرة، وأن اليهود كانوا مسؤولين عنها، حتى أن بعض الدول الأوروبية شرعت قوات تجرّم من يشكك بالمحارق، وأنه لا يسمح بإجراء أبحاث ودراسات تكشف عكس الادعاءات الإسرائيلية، بالنسبة لمصرع الملايين الستة، لكن المصادر الإسرائيلية تغض النظر عن ذكر عدد الضحايا من غير اليهود، فإسرائيل والحركة الصهيونية والوكالة اليهودية يكرسون سنوياً إقامة المراسم في هذه الذكرى، التي تُستغل لكسب التعاطف والأموال، إضافة إلى المليارات التي حصلت عليها، لدرجة أن هناك سياسيين إسرائيليين يحرضون ويدّعون بان الفلسطينيين ساهموا في كارثتهم، وكان "نتنياهو" قد اتهم عام 2015 المفتي الراحل الحاج "أمين الحسيني"، بإقناع "هتلر" بالقضاء على اليهود عام 1942، وهو ادعاء سخيف، لتكريس احتلالهم للأراضي الفلسطينية، ويتهمون الرئيس الفلسطيني "أبو مازن"، أن رسالته للدكتوراه، والتي تحمل عنوان: "العلاقات السرية بين النازيين والصهاينة"، فتحت الباب لنقض الرواية الصهيونية حول ما يطلقون عليه بالكارثة، وأن "أبو مازن" تبنى مع المفتي الحاج "أمين الحسيني"، نفس فكرة القضاء على الشعب اليهودي، حسب ما جاء في جريدة "إسرائيل اليوم 23-4-2017"، للكاتب "أوري ادلمان"، ولا يكتفي بهذه الاتهامات فيقول بان نظرية المفتي ما زالت موجودة، ويتم إرضاعها مع حليب الأم للأطفال ، ويتم تعليمها في المدارس، من قبل الفلسطينيين الذين يعلنون صباح مساء، بأن اليهود هم كفار يجب القضاء عليهم، ومحوهم عن وجه الأرض، ويحاول هذا الكاتب التحريض ضد "أبو مازن"، بأنه يتصدى ويقاوم دخول اليهود إلى الحرم القدسي، فهذا هو الرجل الذي يزعم أنه يريد السلام، لكن الكاتب يتجاهل أسباب العداء، ويتجاهل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والمجازر التي جرت ضد الفلسطينيين، واقتلاع قرى بكاملها، وسياسة القتل والممارسات اليومية ضد الفلسطينيين، بل هي كارثة ومحارق ونكبة الشعب الفلسطيني.

لقد حدد النازيون وألمان آخرون، حسب البروفيسور الإسرائيلي "الون كونفينيو" في كتابه "عالم بلا يهود"، كجماعة مسؤولة عن كل مشاكل العالم، من فجر الإنسانية، وانتهاء بالعصر الجديد، ووصف اليهود كأشرار من أساسهم، بوصفهم الشيطان الحديث، كتجسيد للشر التاريخي، وكعدو خالد حسب المصدر، "يديعوت احرونوت 23-4-2017"، ، ومؤلف الكتاب من سكان القدس، بروفيسور في التاريخ في جامعتي "بن غوريون" و"فيرجينيا" الأميركية، فهذا الكتاب الذي صدر في الأصل بالإنجليزية، أثار ضجة والكثير من الانزعاج، لكشف المؤلف حقيقة تاريخية، بأن إبادة اليهود، شكلت المحور الرائد في الرؤيا النازية، الذين رأوا باليهود شيطاناً عالمياً، فوضعوا إبادة اليهود على رأس سلم أولوياتهم.

وحسب جريدة "إسرائيل اليوم 23-4-2017"، فإن مؤيدي النازية في الأرجنتين، أصدروا نشرة تحمل عنوان "الطريق"، جاء فيها: "كذبة الملايين الستة"، وادعت النشرة بأن الكارثة بدعة، لأنه في أوروبا في عهد "هتلر" لا وجود لأفران غاز، بل أن اليهود تعاونوا مع الرايخ الثالث من أجل الحصول على دولة.

ألمانيا التي دفعت التعويضات بمليارات الدولارات، تحت مبرر تطهير نفسها من الحقبة الألمانية السابقة، وتدفع رواتب شهرية لليهود الذين قيل أنهم نجوا من المحارق، والتي تعتبر من اكبر الدول الداعمة لإسرائيل، لم تسلم من تهجم "نتنياهو" واستمرار ابتزازه لها ، ففي مقابلة مع صحيفة "بيلد 28-4-2017"، الألمانية، هاجم "نتنياهو" وزير الخارجية الألمانية "زيجمر جبرئيل"، الذي زار إسرائيل مؤخراً، لاجتماعه مع منظمات حقوقية إسرائيلية منها منظمة بتسيلم، ومنظمة يكسرون حاجز الصمت، متهما إياه بأنه عديم الإحساس، رابطاً بين هذه اللقاءات، التي تتم في أيام حداد اليهود على أبنائهم الذين قتلوا بالمحارق النازية، والجنود الإسرائيليين الذين سقطوا في المواجهات مع الفلسطينيين، ويؤكد أن هاتين المنظمتين تطالبان بمحاكمة الجنود بتهم ارتكاب جرائم حرب، فهو دائماً يريد الربط بين مقاومة الاحتلال، والمحارق النازية، وضمن هذه الحملة الإسرائيلية، اشترط "نتنياهو" على هذا الوزير الزائر إلغاء لقائه بمنظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية، فرفض الوزير اشتراطه، واجتمع بالحقوقيين، فاتصل "نتنياهو" به هاتفيا، لتفادي وقوع أزمة في العلاقات الإسرائيلية-الألمانية، إلا أن وزير الخارجية الألماني رفض الرد على المكالمة، وهذا يظهر لنا أساليب الابتزاز الإسرائيلية، ويكشف عن كذبة الديمقراطية الإسرائيلية، لكن الوزير الألماني، واصل هجومه، بأن الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان، كانوا كاليهود من ضحايا المحارق، لكن معهد "بارزنتال" اليهودي المتهم بالمحارق، رفض هذه المقارنة، واعتبرها مساسا خطيرا بذكرى ضحايا المحرقة اليهود، إنه لمنطق غريب وعجيب. أو الحصول على كيان قومي، وحسب هذه النشرة فإن اليهود هم الذين تسببوا بالحرب العالمية الثانية، وهناك نظرية أخرى متداولة، بأن اليهود بالغوا في عدد ضحايا الكارثة، من أجل استعطاف العالم، لإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين.

هناك خشية إسرائيلية، أنه بعد ذهاب وموت الناجي الأخير من المحرقة، سيؤدي ذلك لشطب ذكرى الكارثة، التي تستغل حالياً سياسياً، وسيختفي الجدل حولها، فالجهاز الإسرائيلي يستغل الكارثة لأبعد الحدود، لتكريس احتلاله، وزيادة قدرته العسكرية، ولتهجير المزيد من يهود العالم لإسرائيل، إنهم يستغلون الكارثة والمحارق ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل حتى تطال خطر إيران وصواريخها وسلاحها النووي على الطريق، فإذا كان اليهود ضحايا النازية بشكل أو بآخر، أو أن الأوروبيين لم يرغبوا بهم وأرادوا التخلص منهم، باتهامهم بطابعهم التدميري، وتأثيرهم الاقتصادي على المجتمعات الأوروبية، ولنفترض أن رواية الكارثة حقيقية، فما دخل الفلسطينيين فيها؟ ولماذا لا يتعظون منها، وينقلون تجربتهم بتشريد الشعب الفلسطيني، ويرفضون الاعتراف بحقوقه القومية، فهل أن ما حل بهم في أوروبا، وإن كانت صحيحة لتشكل صحوة ضمير في تغيير تعاملهم مع الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وتخليصه من العذاب والمعاناة التي يعيشها، بل منحه حريته واستقلاله وإقامة دولته المستقلة.

انتهى...

بقلم/ غازي السعدي