تقدير موقف عن “أفاق استثمار انتصار هبة باب الأسباط في المسجد الأقصى“

أصدرت مؤسسة القدس الدولية تقدير موقف تحت عنوان "المسجد الأقصى بعد هبة باب الأسباط تقدير موقف يستقرئ آفاق الاستثمار" أعده الباحث المتخصص في الشأن المقدسي زياد ابحيص.
واستعرض التقدير عملية الأقصى التي جرت في 14/7/2017 عند مداخل المسجد الأقصى المبارك والتي قرأها الاحتلال على أنها فرصة لتنفيذ طموحه المتصاعد لتغيير الوضع القائم في الأقصى فأغلق المسجد تماماً أمام المصلين ومنع صلاة الجمعة وبدأ يستثمر كثيراً في الخوف الذي كان يتوقع تولده لدى الجمهور المقدسي والفلسطيني والعربي من رد فعله على العملي.
واعتبر التقدير كان أن الاحتلال قفز قفزة في الهواء لا يسمح بها ميزان القوى، لأنه بالكاد كان قادراً على تمرير أجندة إغلاق المسجد في أعياد اليهود أمام المسلمين وقد كانت محاولاته لفرض ذلك شرارة انطلاق انتفاضة القدس في 1/10/2015، إلا أنه أعاد المحاولة بعد عملية الأقصى، وركب بوابات تفتيش إلكترونية على أبواب المسجد الأقصى ليقول بأنه بات اليوم المسؤول عن أمن المسجد، وهو ما يعني ضمناً إلغاء مهمة حراس المسجد الأقصى التابعين للأوقاف والذين يشكلون نصف ملاك دائرة الأوقاف في القدس، وهذا يهمش دور الأوقاف ويضع سلطات الاحتلال في موقع الشريك في إدارة المسجد.
وأكد التقدير أن جماهير أدركوا خطورة المشهد منذ اليوم الثاني فبدأوا يستجمعون قوتهم لمواجهته وبدأ المئات من المرابطين الصلاة على أبوابه، وتشكل الهدف المطلبي لأولئك المرابطين حين رفضت القيادات الدينية دخول المسجد من تلك البوابات وأخذ المد الشعبي يتصاعد منذراً بحراك شامل جعل الاحتلال يسرّب أنباء عن تفكير في تفكيك البوابات لتلافي زخم الحراك المتوقع ليوم الجمعة (21/7) التي أشعلت القدس ونقاط التماس وارتقى فيها ثلاثة شهداء، ليختمها الشاب فارس كوبر عمر العبد بمبادرة فردية فذة قتل فيها ثلاثة مستوطنين بالسلاح الأبيض في مستوطنة حلميش، فانجلى مشهد يوم الجمعة 21/7/2017 عن معادلة واحد مقابل واحد وغضب عارم في القدس وأجزاء من الضفة والأراضي المحتلة عام 1948، وتضامن شعبي كبير شهده أجزاء من العالم الإسلامي ابتداء من كوالالمبور شرقاً مروراً بإسطنبول وانتهاء بالرباط، وبدا واضحاً أن عنصر الغضب العربي والإسلامي حاضر شعبياً بالرغم من غيابه الرسمي.
وعرج التقدير إلى صمود المقدسيين عند أبواب الأقصى لا سيما حالة الرباط التي تكرست عند باب الأسباط بشكل ثوري متوثب وبعفوية جماهيرية، فضلًا عن المواجهات المشتعلة في مدينة القدس والعمليات الفدائية في رام الله والقدس وعمان، مما وضع الاحتلال في ارتباك حقيقي، وأدرك أن القضية ستنتهي بالمواجهة الشاملة، وكرر جهاز الشاباك توصيته بوجوب التراجع عن كامل الإجراءات في محيط المسجد الأقصى وإلا فإن الأمور قد تكون متوجهة نحو انتفاضة شاملة تغير المشهد، وطلبت قيادة الشاباك من الحكومة الاستماع لرأي قيادة أركان الجيش التي ثنّت على ذلك التشخيص، فكان ذلك بمثابة توجيه أمني وعسكري للمستوى السياسي بوجوب التراجع، وهذا ما كان.
واعتبر التقدير أن الدلالة الأخطر والأبعد أثراً لهذا النصر كان مشهد دخول الجماهير المقدسية إلى الأقصى والذي حاكى مشهد الفتح الذي يتشوق إليه الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي، وأوضحت تجربة هبة باب الأسباط معادلة النصر بوضوحٍ واختصار: عملٌ مقاوم مسلح ومؤثر، التفافٌ جماهيري وموقفٌ موحّد يرفض المساومة والحلول الوسط على مطالبه، وخارجٌ عربي شعبي متفاعل وداعم.
واستعرض التقدير مواقف الجهات المعنية خلال الأزمة لا سيما موقف الأردن والسلطة الفلسطينية حيث اعتبر الباحث أن دور الأوقاف الأردنية كان مهدداً بشكلٍ وجودي خلال الأزمة، وهذا ما جعل الأردن المعني الأول بالأزمة من بين الأنظمة الرسمية العربية، مؤكدًا أنه على الرغم من ذلك لم يصدر عن المستويات السيادية في الدولة أي تصريح خلال الأزمة إلى ما بعد تفكيك البوابات ليلة يوم الخميس 27/7، باستثناء تصريحات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، فيما تأخرت السلطة الفلسطينية في الانخراط في هذه الأزمة، وغادر رئيسها في زيارة رسمية إلى الصين رغم حصار الأقصى وإقفاله، لكنه ما لبث أن عاد بعد أيام وحاول الدخول إلى خط الأزمة التي كان واضحاً أنه قد أقصي منها. ومع استحداث فرصة التفاوض الأردني الصهيوني لإنهاء الأزمة شعرت قيادة السلطة بالخطر، وبأنها باتت خارج المعادلة مع أنها مقدم الخدمات الأول، وهذا ما دفعها للتلويح بقطع خدماتها لعل المحتل يعيد تقدير أهميتها؛ ومن هنا جاء التهديد بقطع كل الاتصالات. وبغض النظر عن الدافع، إلا أن هذا التهديد كان له وزن في اتخاذ القرار الصهيوني بالتراجع، نتيجة وجود احتمال حقيقي لخروج الأزمة عن نطاق السيطرة ما بعد الجمعة 28/7، وهذا يدعو الفصائل الفلسطينية إلى التفكير جدياً في وضع هذه القيادة في موقع فاقد القيمة بشكل متكرر، باعتبار هذا دافعها الوحيد للفعل المجدي.
وقدم الباحث في تقديره اتجاهاتٍ محتملة لتطور الوضع في القدس ما بعد هبة باب الأسباط مبنية على فهم الهبة وطريقة تبلورها، والتراجع الصهيوني والأسباب الداعية إليه ودلالاته، ضمن أربعة مسارات أساسية وهي (الاستفراد والتفكيك، منع استثمار النصر، محاولة العودة عبر البوابة الرسمية الأردنية، الردع الجماهيري الدائم).
وأوصى التقدير بضرورة تطوير الحراك الشعبي المقدسي لحماية المسجد الأقصى إلى شكل دائم يوافق ذروات مواعيد الأعياد الصهيونية بشكل يجعل الاقتحام فيها مستحيلاً، ويفرغ تلك الاقتحامات من معناها دون أن ينجر إلى الاستنزاف اليومي الذي يحاول جره إليه، وتشكيل هيئة موحدة من المرجعيات الدينية تحافظ على الإجماع وتحمي أفرادها من الاستهداف والاستفراد، والتأكيد على كون سيادة المسجد الأقصى هي للجماهير المقدسية والفلسطينية والعربية والإسلامية، وعدم تفويض أحد للتفاوض على مصير المسجد وحصريته الإسلامية.

المصدر: بيروت - وكالة قدس نت للأنباء -