هل العالم مقبل على حرب نووية؟!...

بقلم: نافذ عزام

هل العالم مقبلٌ على حرب نووية؟ سؤال بات يتردد كثيراً في عهد الإدارة الأمريكية المتهوّرة، والتي لا تبالي بأية ضوابط أو أعراف دبلوماسية أو غير دبلوماسية، والتي لا تنظر أبدا لمصلحة البشر وأمنهم وحياتهم، وتستخف بالمواثيق الدولية قبل السماوية.

والمفارقة أن أمريكا جزء من تلك المواثيق والاتفاقات، ويبدو أن ما كانت تفعله حكومات الدول التي اتهمتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة بالاستبداد وعدم احترام حقوق الإنسان وحرياته، وعدم الالتزام بالمواثيق الدولية.

يبدو أن ذلك السلوك المشين بات سمة للإدارة الأمريكية الحالية، التي تستخف بالعالم حتى لو تعلق الأمر باتفاق المناخ الذي وقع عليه العالم كله بما فيه أمريكا ذاتها، لكن أمريكا الجديدة تتصرف بشكل مختلف لا علاقة له بالدبلوماسية واللياقة والاحترام وقواعد السياسة التي حاول الغرب بزعامة أمريكا فرضها على الجميع حربا وسلاما.

إن أي إنسان استمع إلى خطاب الرئيس الأمريكي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، سيكتشف وبسهولة شديدة، أن السياسة الامريكية تمضي إلى المجهول، وأنها تفعل ما كانت تفعله أكثر حكومات العالم تخلفا واستبدادا وقمعا، وأنها تتصرف بعقلية رجل العصابة الذي لا تعنيه سوى مكاسبه المادية مهما سفح في الطريق لتلك المكاسب من دم وقيم وأرواح.

إن القوة التي تريد قيادة البشرية مطالبة بأشياء كثيرة وأول تلك الأشياء الحفاظ على كرامة الإنسان وتوفير الأمن له، مع السعي لإيجاد أفضل ظروف المعيشة له، وامتلاك القوة الأخلاقية التي تأخذ على يد الظالم، وتنصف المظلوم، وتمنع التعدي واحتقار الأديان، وتواجه بحزم كل مظاهر التمييز بين الناس على أساس العرق والدين.

وإذا عدنا للتاريخ فسنجد ان المثال الذي بناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخلفاؤه الراشدون الأربعة، هو أكثر المراحل إضاءة وصدقا وشفافية في تاريخ الإنسانية، وحتى مع تراجع العالمية الإسلامية، وبروز مشاكل عديدة في حياة المسلمين، ظلت منظومة القيم والأخلاق والتشريع هي الأساس اللازم لعالم متوازن ونظيف.

لقد عجز الغرب وعجزت أمريكا طوال العقود والقرون الماضية عن خلق حالة التوازن في الكون وفشلت في صنع نموذج يُحتذى في الحكم والسياسة والاقتصاد، ربما نجحت التجربة الغربية في توفير احتياجات الإنسان الغربي، وحاولت إيجاد صيغة توافقية تدير حياته، لكن عندما تعلق الأمر بالآخر، والآخر هنا هو كل ما هو ليس غربيا، كنا نجد النهب والأنانية والسيطرة والعنف والاحتكار، والدوس على الإنسان والشعوب والأمم، ولذلك فشلت أمريكا وفشل الغرب في قيادة العالم برشد واخلاقية، بل أن أمريكا وهذه ليست مصادفة وهي الدولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي ضد دولة أخرى مما تسبب في مقتل ووفاة مئات الالاف وتسبب في كوارث للإنسان من الأرض والبيئة لا زالت المعاناة منها قائمة حتى يومنا هذا ، فكيف تطالب أمريكا غيرها بعدم الحصول على سلاح نووي وعدم القيام بتجارب نووية( كما هو حاصل مع كوريا الشمالية) وهي أول من خرب الاتفاقات الدولية وهي أول من استخدم السلاح النووي ،وهي من الدول القلائل التي لا زالت  ترفض التوقيع على معاهدة حظر اجراء التجارب النووية..

أمريكا لا تملك أياً من مقومات وخصائص قيادة العالم باستثناء القوة العسكرية والاقتصادية وهيا وحدهما غير كافيتين وبالذات اذا انعزلتا عن الاخلاق والقيم، وإذا لم يرافقهما سلوك انساني واخلاقي متوازن تجاه كل الشعوب والأمم، والمؤلم أن الامة الإسلامية تملك هذه المقومات وتحوز تاريخاً وإرثاً مشرفاً لكنها لا تريد تفعيل العلاقة بتلك المقومات وذلك التاريخ وبكل صراحة وموضوعية فان واقع العرب والمسلمين يبتعد وبشدة عن المثال الذي قدمه النبي الكريم وخلفاؤه الراشدون ولا ينبغي القبول بخطاب الكراهية والذي تبثه أمريكا وتسكت عنه الكثير من حكومات العالم.

وللتنويه، فلسنا وحدنا الذين خرجنا بهذا الانطباع عن الرئيس الأمريكي وخطابه المتهور في الأمم المتحدة، فقد نقلت العدسات الوجوم والصدمة على وجه جون كيللي كبير موظفي البيت الأبيض وحتى على وجه زوجة ترامب نفسه، وننقل هنا ما قاله أحد أهم الخبراء والمحللين الامريكان، فقد كتب وليام سالتيان تحت عنوان "الديماغوجي خاصتنا": إن الولايات المتحدة الأمريكية تعرض على العالم بأسره من على منصة الأمم المتحدة ولأول مرة في تاريخها رئيسا أثبت أنه ليس شعبويا فقط، بل هو أزعر وقاطع طريق".

ورغم اعتراف ساليتان بأن بلاده كان لها تاريخ أسود مع العنصرية وأنها عقدت صفقات مع ديكتاتوريين وخاضت حروبا سيئة، إلا أنها أبقت يافطة الحرية وحقوق الإنسان مرفوعة.

ويتابع ساليتان " وقُيّض للدبلوماسيين أن يستمعوا إلى محاضرة من متسلط مدافع عن التعذيب متحمس للنهب العام، متعاطف مع العنصريين وديماغوجي طائفي كان اليوم سيمر عاديا في أروقة الأمم المتحدة لولا أن المستبد والديماغوجي والمحامي عن جرائم الحرب اتسم بأمر غير مألوف ا أن هذه الصفات كلها اجتمعت في شخص رئيس الولايات المتحدة".

إن الأمل ضئيل في قيام الوطن العربي والإسلامي بدوره سواء عبر جامعة الدول العربية أو أنظمة التعاون الإسلامي في ظل الانقسام المحزن الحاصل، وفي ظل انشغال الدول العربية والإسلامية بخلافاتها ونزاعاتها من المشكوك فيه اتخاذ الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي مواقف وخطوات لمواجهة جنون الإدارة الامريكية واستخفافها بالعالم، لكن منظمة عدم الانحياز تستطيع القيام بدور ما، والمؤسف أن روسيا والصين هما أكثر من يمكنه الوقوف بحزم وقوة في وجه الإدارة الامريكية الهوجاء، ومع ذلك يظل هذا التحدي مطروحا امام العرب والمسلمين الذين لا يجوز أبداً أن يتخلوا عن دورهم الإلهي والتاريخي والأخلاقي.. فمتى تفيق الامة؟!

الشيخ/ نافذ عزام